بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَر
بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1178 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ : صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى ، فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ . أَخْرَجَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ يُونُسَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ مُطَوَّلًا ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ السُّبْحَةِ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا فِي مَوَاضِعَ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ، وَالْجُرَيْرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( أَوْصَانِي خَلِيلِي ) الْخَلِيلُ : الصَّدِيقُ الْخَالِصُ الَّذِي تَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ الْقَلْبَ ، فَصَارَتْ فِي خِلَالِهِ ؛ أَيْ فِي بَاطِنِهِ ، وَاخْتُلِفَ : هَلِ الْخُلَّةُ أَرْفَعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ ، أَوِ الْعَكْسُ ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا لَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ . ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ أَنْ يَتَّخِذَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ خَلِيلًا لَا الْعَكْسُ ، وَلَا يُقَالُ : إِنَّ الْمُخَالَلَةَ لَا تَتِمُّ حَتَّى تَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّمَا نَظَرَ الصَّحَابِيُّ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ ، أَوْ لَعَلَّهُ أَرَادَ مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ .
قَوْلُهُ : ( بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : لَا أَدَعُهُنَّ إِلَخْ مِنْ جُمْلَةِ الْوَصِيَّةِ ، أَيْ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَدْعَهُنَّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْبَارِ الصَّحَابِيِّ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) بِالْخَفْضِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : بِثَلَاثٍ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . قَوْلُهُ : ( مِنْ كُلِّ شَهْرِ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْبِيْضُ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ .
قَوْلُهُ : ( وَصَلَاةِ الضُّحَى ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ : كُلَّ يَوْمٍ . وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ : وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَعَلَّهُ ذَكَرَ الْأَقَلَّ الَّذِي يُوجَدُ التَّأْكِيدُ بِفِعْلِهِ ، فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ، وَعَدَمُ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهَا ، لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِدَلَالَةِ الْقَوْلِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ أَنْ تَتَضَافَرَ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، لَكِنْ مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهِ مُرَجَّحٌ مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي التَّيَّاحِ : وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْوِتْرِ عَلَى النَّوْمِ ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ ، وَيَتَنَاوَلُ مَنْ يُصَلِّي بَيْنَ النَّوْمَيْنِ . وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَ مَثَلُهَا لِأَبِي الدَّرْدَاءِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ . وَالْحِكْمَةُ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِيَدْخُلَ فِي الْوَاجِبِ مِنْهُمَا بِانْشِرَاحٍ ، وَلِيَنْجَبِرَ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنْ نَقْصٍ .
وَمِنْ فَوَائِدِ رَكْعَتَيِ الضُّحَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُصْبِحُ عَلَى مَفَاصِلِ الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مِفْصَلًا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ فِيهِ : وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى . وَحَكَى شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثُمَّ قَطَعَهَا يَعْمَى ، فَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتْرُكُونَهَا أَصْلًا لِذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِمَا قَالُوهُ أَصْلٌ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ لِيَحْرِمَهُمُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ . ( تَنْبِيهَانِ ) : ( الْأَوَّلُ ) : اقْتَصَرَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ أَشْرَفُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمذكرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ .
وَخُصَّتِ الصَّلَاةُ بِشَيْئَيْنِ ، لِأَنَّهَا تَقَعُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِخِلَافِ الصِّيَامِ . ( الثَّانِي ) : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْيِيدٌ بِسَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ . وَالتَّرْجَمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَضَرِ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ الْحَضَرَ ، لِأَنَّ إِرَادَةَ الْحَضَرِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ مُمْكِنٌ ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ فَبَعِيدٌ ، لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ .