بَاب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا
بَاب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا 1177 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ ) أَيِ التَّرْكَ ( وَاسِعًا ) أَيْ مُبَاحًا . قَوْلُهُ : ( مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : السُّبْحَةَ - النَّافِلَةُ ، وَأَصْلُهَا مِنَ التَّسْبِيحِ ، وَخُصَّتِ النَّافِلَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي فِي الْفَرِيضَةِ نَافِلَةٌ فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ ، لِأَنَّهَا كَالتَّسْبِيحِ فِي الْفَرِيضَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي لِأُسَبِّحُهَا ) كَذَا هُنَا مِنَ السُّبْحَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ : وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا مِنَ الِاسْتِحْبَابِ ، وَهي مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ ، وَالثَّانِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ أَوْرَدَهَا مُسْلِمٌ : فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ : لَا ، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ . وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ . فَفِي الْأَوَّلِ نَفْيُ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مُطْلَقًا ، وَفِي الثَّانِي تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِغَيْرِ الْمَجِيءِ مِنْ مَغِيبِهِ ، وَفِي الثَّالِثِ الْإِثْبَاتُ مُطْلَقًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ : فَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ مَا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ ، وَقَالُوا : إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ ، فَيُقَدَّمُ مَنْ روي عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَثْبَاتِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا : مَا رَأَيْتُهُ سَبَّحَهَا ؛ أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا . وَقَوْلُهَا وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا ؛ أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا ، وَكَذَا قَوْلُهَا : وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا : تَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا .
قَالَ : وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ - أَيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ - إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ : وَإِنْ كَانَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ . انْتَهَى . وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهَا : مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ .
، وَقَوْلِهَا : كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ . بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالثَّانِي عَلَى الْبَيْتِ . قَالَ : وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا الثَّالِثُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ ، وَأُخِذَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ .
وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : قَوْلُهُ : مَا صَلَّاهَا ؛ مَعْنَاهَ : مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا : كَانَ يُصَلِّيهَا ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي الْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا ، وَفِي الْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا . وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ مِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ ، وَلَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ : يُصَلِّي أَرْبَعًا ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : حَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، وَعَدَّهَا لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ .
وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفَتْحِ إِلَى أَنْ مَاتَ ، يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ : أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ . وَلَا يُقَالُ : إِنَّ نَفْيَ أُمِّ هَانِئٍ لِذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَدَمُ ، لِأَنَّا نَقُولُ : يَحْتَاجُ مَنْ أَثْبَتَهُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَوْ وُجِدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ، لِأَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ ، فَلَا تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى هَذَا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ .