حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَر

حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ : مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ، فَإِنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ . قَوْلُهُ : ( مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ ، فَلَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى ، إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يُخْبِرُنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى ، فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْنِي ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ هَذَا هُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبَيَّنَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ وَقْتَ سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ : سَأَلْتُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ . قَوْلُهُ : ( غَيْرُ ) بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : أَحَدٌ .

قَوْلُهُ : ( أُمِّ هَانِئٍ ) هِيَ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أُخْتُ عَلِيٍّ شَقِيقَتُهُ ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا ، وَحَدِيثٍ آخَرَ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ . قَوْلُهُ : ( دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَقَعَ فِي بَيْتِهَا ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُرَّةَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، وَفِيهِ : أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَتَرَهُ لَمَّا اغْتَسَلَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَّةَ عَنْهَا أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَهُ هِيَ الَّتِي سَتَرَتْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي بَيْتِهَا بِأَعْلَى مَكَّةَ ، وَكَانَتْ هِيَ فِي بَيْتٍ آخَرَ بِمَكَّةَ فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ ، فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ ، وَأَمَّا السَّتْرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَتَرَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ ، وَالْآخَرُ فِي أَثْنَائِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ) زَادَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ : فَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ فِي صَلَاتِهَا مَوْصُولَةً سَوَاءٌ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ أَوْ أَقَلَّ .

وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ ، فَسَأَلَتْهُ امْرَأَتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ رَكْعَتَيْنِ . وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، وَرَأَتْ أُمُّ هَانِئٍ بَقِيَّةَ الثَّمَانِ ، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ صَلَّاهَا مَفْصُولَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا ) يَعْنِي : مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ التَّقْصِيرِ بِلَفْظِ : فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ : لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ أَمْ رُكُوعُهُ أَمْ سُجُودُهُ ، كُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ التَّفَرُّغَ لِمُهِمَّاتِ الْفَتْحِ لِكَثْرَةِ شُغْلِهِ بِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى ، فَطَوَّلَ فِيهَا .

أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِثْبَاتِ سُنَّةِ الضُّحَى ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةُ الْفَتْحِ ، وَقَدْ صَلَّاهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي بَعْضِ فُتُوحِهِ كَذَلِكَ . وَقَالَ عِيَاضٌ أَيْضًا : لَيْسَ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ بِظَاهِرٍ فِي أَنَّهُ قَصَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا سُنَّةَ الضُّحَى ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ وَقْتِ صَلَاتِهِ فَقَطْ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ قَضَاءً عَمَّا شُغِلَ عَنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ حِزْبِهِ فِيهِ .

وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الصَّوَابَ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ، وَلِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُرَّةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ فِي قِصَّةِ اغْتِسَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ : ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ صَلَاةُ الضُّحَى ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ صَلَاةِ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ . وَاسْتَبْعَدَهُ السُّبْكِيُّ ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ التَّوَقُّفُ ، وَهَذَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ فِعْلِهِ دُونَ ذَلِكَ ، كَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ .

أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ قَرِيبًا مِثْلُهُ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا . حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ .

أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَاسْتَغْرَبَهُ . وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الضَّعْفُ . وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنَ التَّائِبِينَ ، وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنَ الْعَابِدِينَ ، وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ .

وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : أَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ ، لَكِنْ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ قَوِيَ وَصَلُحَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ . وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ أَصَحَّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ .

وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ : أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَفْضَلِ . وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَنْ صَلَّى الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنَّهَا تَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ أَكْثَرَ سُنَّةِ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ، فَأَمَّا مَنْ فَصَّلَ فَإِنَّهُ يَكُونُ صَلَّى الضُّحَى ، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِ يَكُونُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا ، فَتَكُونُ صَلَاتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَانٍ ، لِكَوْنِهِ أَتَى بِالْأَفْضَلِ وَزَادَ ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ ، مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَبِهِ جَزَمَ الْحَلِيمِيُّ ، وَالرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا . وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ : كَمْ أُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ : كَمْ شِئْتَ .

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ . وَهَذَا الْإِطْلَاقُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى التَّنفيذ ، فَيُؤَكِّدُ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، فَحَكَى الْحَاكِمُ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ أَنْ تُصَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ كَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي ذَرٍّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : ابْنَ آدَمَ ، ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ .

وَحَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ كُلِّهِمْ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَأَبِي مُرَّةَ الطَّائِفِيِّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ بِنَحْوِهِ ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، رَفَعَهُ : مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : أَتَدْرُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى قَالَ : وَفى عَمَلِ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتِ الضُّحَى . أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَجَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ الْأَقْوَالَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى ، فَبَلَغَتْ سِتَّةً : الْأَوَّلُ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِهَا ، فَقِيلَ : أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ ، وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةً ، وَقِيلَ : أَكْثَرُهَا ثَمَانٍ ، وَقِيلَ : كَالْأَوَّلِ لَكِنْ لَا تُشْرَعُ سِتًّا وَلَا عَشَرَةً ، وَقِيلَ : كَالثَّانِي ، لَكِنْ لَا تُشْرَعُ سِتًّا ، وَقِيلَ : رَكْعَتَانِ فَقَطْ ، وَقِيلَ : أَرْبَعًا فَقَطْ ، وَقِيلَ : لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا . الْقَوْلُ الثَّانِي : لَا تُشْرَعُ إِلَّا لِسَبَبٍ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهَا إِلَّا بِسَبَبٍ ، وَاتَّفَقَ وُقُوعُهَا وَقْتَ الضُّحَى ، وَتَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ : فَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي صَلَاتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ كَانَ بِسَبَبِ الْفَتْحِ ، وَأَنَّ سُنَّةَ الْفَتْحِ أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ، وَنَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ فِعْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَمَّا فَتَحَ الْحِيرَةَ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى حِينَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ ، وَهَذِهِ صَلَاةُ شُكْرٍ كَصَلَاتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَصَلَاتِهِ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ إِجَابَةً لِسُؤَالِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مَكَانًا يَتَّخِذُهُ مُصَلًّى ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَاءَهُ وَقْتَ الضُّحَى ، فَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي ، فَقَالَ : صَلَّى فِي بَيْتِهِ الضُّحَى .

وَكَذَلِكَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ قِصَّةِ عِتْبَانَ مُخْتَصَرًا ، قَالَ أَنَسٌ : مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى الضُّحَى إِلَّا يَوْمَئِذٍ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِة ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الطُّرُوقِ لَيْلًا ، فَيَقْدُمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَيَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ ، فَيُصَلِّي وَقْتَ الضُّحَى . الْقَوْلُ الثَّالِثُ : لَا تُسْتَحَبُّ أَصْلًا ، وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ .

الْقَوْلُ الرَّابِعُ : يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا تَارَةً وَتَرْكُهَا تَارَةً ، بِحَيْثُ لَا يُوَاظَبُ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ . وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ، حَتَّى نَقُولَ : لَا يَدَعُهَا ، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ : لَا يُصَلِّيهَا . أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ .

وَعَنْ عِكْرِمَةَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّيهَا عَشْرًا ، وَيَدَعُهَا عَشْرًا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا كَالْمَكْتُوبَةِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إِنِّي لَأَدَعُهَا وَأَنَا أُحِبُّهَا مَخَافَةَ أَنْ أَرَاهَا حَتْمًا عَلَيَّ .

الْخَامِسُ : تُسْتَحَبُّ صَلَاتُهَا وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا فِي الْبُيُوتِ ، أَيْ لِلْأَمْنِ مِنَ الْخَشْيَةِ الْمَذْكُورَةِ . السَّادِسُ : أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، صَحَّ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ : الصَّلَوَاتُ خَمْسٌ . وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ الضُّحَى ، فَقَالَ : مَا صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ .

وَقَدْ جَمَعَ الْحَاكِمُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ ، وَذَكَرَ لِغَالِبِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُسْتَنَدًا ، وَبَلغَ عَدَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فِي إِثْبَاتِهَا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ . ( لَطِيفَةٌ ) : رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُصَلِّيَ الضُّحَى بِسُورٍ ؛ مِنْهَا : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَالضُّحَى . انْتَهَى .

وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث