3 - بَاب إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ 1227 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَقَصَتْ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ . قَالَ سَعْدٌ : وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ : هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ ) . فِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : فَسَجَدَ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ : مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي نَظَائِرِهِ . أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ إِلَّا التَّسْلِيمُ فِي ثِنْتَيْنِ ، نَعَمْ وَرَدَ التَّسْلِيمُ فِي ثَلَاثٍ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي كَوْنِهِمَا قِصَّتَيْنِ أَوْ لَا فِي الْكَلَامِ عَلَى تَسْمِيَةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ . فَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ الْقِصَّةَ ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْمَجَازِ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَّى بِالْمُسْلِمينَ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ : إِنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ اسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَهِيَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ ، لَكِنِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ - كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ - عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِي ذَلِكَ ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْقِصَّةَ لِذِي الشِّمَالَيْنِ ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ ، وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ ، وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَتَأَخَّرَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ ، لِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ سُلَمِيٌّ وَاسْمُهُ الْخِرْبَاقُ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ . وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، فَلَمَّا وَقَعَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ : فَقَامَ ذُو الشِّمَالَيْنِ . وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ ، قَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ : إَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْ ذِي الشِّمَالَيْنِ ، وَذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ ، فَأَرْسَلَ أَحَدَهُمَا ، وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الشِّمَالَيْنِ ، وَشَاهَدَ الْآخَرَ وَهِيَ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ ، وَقِيلَ : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا : ذُو الْيَدَيْنِ وَبِالْعَكْسِ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاشْتِبَاهِ . وَيَدْفَعُ الْمَجَازَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الطَّحَاوِيُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدِ اتَّفَقَ مُعْظَمُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنْ آدَمَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِالشَّكِّ ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَام عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ الظُّهْرَ بِغَيْرِ الشَّكِّ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ : صَلَاةَ الظُّهْرِ . وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَصْرَ بِغَيْرِ شَكٍّ ، بَعْدَ بَابٍ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا ، وَلِمُسْلِمٍ : إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ ، إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُهُ : صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا . فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا ، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا ، وَطَرَأَ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهَا أَيْضًا عَلَى ابْنِ سِيرِينَ ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي قِصَّةِ الْخِرْبَاقِ أَنَّهَا الْعَصْرُ ، فَإِنْ قُلْنَا إَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ الْعَصْرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( فَسَلَّمَ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : فِي الرَّكْعَتَيْنِ . وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَفِي الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ ، وَنَسْتَوْفِي الْكَلَامَ عَلَيْهِ ثَمَّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سَعْدٌ ) يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمُصَدَّرِ بِهِ الْحَدِيثُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ مُفْرَدًا . وَهَذَا الْأَثَرُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَكَلَّمَ سَاهِيًا ، أَوْ ظَانًّا أَنَّ الصَّلَاةَ تَمَّتْ ، وَمُرْسَلُ عُرْوَةَ هَذَا مِمَّا يُقَوِّي طَرِيقَ أَبِي سَلَمَةَ الْمَوْصُولَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ حَمَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُفْقَةِ عُرْوَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَل · ص 116 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث سجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول · ص 455 3 - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث سجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول 1227 - حدثنا آدم ، ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر أو العصر ، فقال له ذو اليدين : الصلاة يا رسول الله ، نقصت ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين . قال سعد : ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين ، فسلم وتكلم ، ثم صلى ما بقي ، وسجد سجدتين ، وقال : هكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - . بوب البخاري هذا الباب على أن من سلم من نقص ركعتين أو ركعة من صلاته ، فإنه يأتي بما بقي عليه ، ويسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول ، وتجزئه صلاته . ولم يخرج الحديث من الرواية التي فيها : وسجد سجدتين مثل سجوده أو أطول ، وإنما خرجها فيما بعد من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة . وهذه الرواية المخرجة في هذا الباب من أهل المدينة ، رواها سعد بن إبراهيم الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عروة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولعل البخاري إنما صدر طرق حديث أبي هريرة برواية المدنيين ؛ لأن هذه الرواية فيها متابعة لرواية البصريين في ذلك السجود للسهو ، وإن كانت رواية البصريين فيها زيادة ذكر طول السجود . وقد ذكر النسائي أنه لا يعلم أحدا ذكر عن أبي سلمة في هذا الحديث : ثم سجد سجدتين غير سعد بن إبراهيم . ثم خرجه من طريق عمران بن أبي أنس ويحيى بن أبي كثير والزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ولم يذكر فيه سوى قضاء الركعتين . وخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، ولم يتم لفظ الحديث ، بل اختصره . وقال أبو داود : رواه يحيى بن أبي كثير وعمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، والعلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، ولم يذكروا أنه سجد السجدتين . ورواه ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، وقال فيه : ولم يسجد للسهو . قلت : قد خرجه الإمام أحمد ، عن حجاج ، عن ابن أبي ذئب ، فذكر الحديث ، وقال في آخره : قال ابن أبي ذئب : قال الزهري : سألت أهل العلم بالمدينة ، فما أخبرني أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاهما . يعني : سجدتي السهو . فرجعت رواية نفي السجود إلى الزهري ، ورواية الزهري بذلك غير معروفة ولا مشهورة . وقد روى الزهري هذا الحديث عن سعيد وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة . خرجه أبو داود من طريق الأوزاعي ، عنه ، بهذا الإسناد ، وفي حديثه : ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك . وخرجه أبو داود والنسائي من رواية صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، مرسلا . قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، وأبو سلمة وأبو بكر بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن عبد الله . وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان ، عن أبي هريرة . وخرج النسائي من طريق الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن أبي حثمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يسجد يومئذ قبل التسليم ولا بعده . وخرجه مالك في الموطأ عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن أبي حثمة ، مرسلا . واختلف على الأوزاعي في وصله عن الزهري وإرساله . وقد أنكر هذا على الزهري غير واحد من الأئمة . وعده مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز من أوهام الزهري ؛ لصحة الروايات بخلاف روايته ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو يومئذ . قلت : الذي يظهر - والله أعلم - : أن الزهري روى هذا الحديث عن سعيد وأبي سلمة وغيرهما ، من غير ذكر سجود السهو بنفي ولا إثبات ، وأن الزهري أتبع ذلك بقوله من عنده : لم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ للسهو . فهذا مما أرسله الزهري وأدرجه في الحديث ، فمن اقتصر على هذا القدر من حديث الزهري ووصله فقد وهم ؛ لأنه أسند المدرج بانفراده . وقد ذكر الزهري أنه لم يخبره بالسجود أحد من أهل العلم بالمدينة ، فكان ينفي السجود لهذا ، وهذا بمجرده لا يبطل رواية الحفاظ الأثبات للسجود . وقد روي عن الزهري ، أنه حمل ترك السجود للسهو في هذه القصة على أحد وجهين : أحدهما : أنه قال : كان هذا قبل أن يشرع سجود السهو . فروى عنه معمر ، أنه قال : كان هذا قبل بدر ، ثم استحكمت الأمور . والثاني : أنه كان يرى أنه لم يسجد يومئذ للسهو ؛ لأن الناس يقنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استيقن . وكلا الوجهين ضعيف . أما الأول ؛ فلأن أبا هريرة شهد هذه القصة ، وكان إسلامه بعد بدر بكثير ، وسيأتي بسط ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى . وأما الثاني ؛ فمضمونه أنه إنما يسجد للسهو إذا استدام الشك ، فأما إذا تيقن الأمر ، وعمل عليه ، فإنه لا يسجد ، وإن كان قد زاد في الصلاة ، وهذا مذهب غريب . نعم ، لو شك في شيء من صلاته ، ثم زال شكه قبل السلام ، وتبين أنه لم يزد في صلاته ولم ينقص ، فهنا يستحب السجود ولا يجب ، نقله ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق . وقال أصحابنا : الصحيح من مذهبنا ومذهب الشافعي : أنه لا يسجد إلا أن يكون قد فعل قبل زوال شكه ما يجوز أن يكون زائدا ، فإنه يسجد . وفي المذهبين وجه آخر : لا يسجد بحال ؛ لأن السجود إنما يشرع من زيادة أو نقص أو تجويزهما ، ولم يوجد شيء من ذلك . وهذا قول سفيان الثوري . وقد روي عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو في هذه القصة من وجوه أخر : فروى ذلك مالك ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، فذكر هذا الحديث ، وقال فيه : فأتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بقي من الصلاة ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم . وقد خرجه مسلم من هذا الوجه . رواه - أيضا - الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن جعفر بن ربيعة ، عن ابن مالك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام . خرجه النسائي . ورواه - أيضا - عكرمة بن عمار ، عن ضمضم بن جوس الهفاني ، قال : حدثني أبو هريرة - بهذا الحديث - ، وذكر فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ، ثم سلم . خرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه . وروى السجود - أيضا - في هذه القصة : عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . فروى خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، قال : سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث ركعات من العصر ، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين ، فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ، فخرج مغضبا ، فصلى الركعة التي كان ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم . خرجه مسلم . وفي رواية له - أيضا - : فخرج غضبان ، حتى انتهى إلى الناس ، فقال : أصدق هذا ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم . وهذه الرواية تدل على أن الخروج من المسجد لا يمنع البناء على الصلاة لمن سلم من نقص في صلاته ، فلأن لا ... سجود السهو فبمجرده أولى . وفي رواية لمسلم : أن الرجل الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - كان اسمه الخرباق ، وكان في يده طول . فمن الناس من قال : هو ذو اليدين المذكور في حديث أبي هريرة . وقال طائفة : هما رجلان ، وواقعتان متعددتان ، ونص على ذلك الإمام أحمد . وقد دل هذا الحديث - من جميع طرقه - على أن من سلم من نقص ركعة فأزيد من صلاته ناسيا ، ثم ذكر قريبا ، أنه يبني على ما مضى من صلاته ، ولا يلزمه إعادتها ، وهو قول جمهور أهل العلم . فإن هذا إنما زاد في صلاته سلاما ناسيا ، والسلام مشروع في الصلاة ، لكنه أتى به قبل محله ، فلا تبطل به الصلاة ، كما لو زاد سجدة سهوا . ووافق على ذلك أكثر من يقول : إن كلام الساهي يبطل الصلاة ، كأبي حنيفة وأحمد ، في رواية . واختلف عن سفيان الثوري ؛ فروي عنه كذلك ، هو المشهور عنه . وروى يعلى بن عبيد ، عنه ، أنه إذا سلم ساهيا قطع صلاته ؛ لأنه تكلم في صلاته ساهيا . حكاه أصحابه عنه في كتبهم . وحكاه ابن عبد البر عن بعض أصحاب أبي حنيفة أيضا . وكذلك روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، ثم قال : إلا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - صنع الذي يقولون . يعني : سلم ثم بنى على صلاته ، فتوقف في ذلك حيث لم يكن الحديث عنده . واختلفوا : هل يشترط للبناء على ما مضى من الصلاة أن يذكر مع قرب الفصل أو لا يشترط ذلك بل يبني ولو ذكر بعد طول الفصل ؟ على قولين : أحدهما : لا يبني إلا مع قرب الفصل ، فإن طال الفصل بطلت الصلاة واستأنفها ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي . والثاني : يبني ولو طال الفصل ، وهو قول مكحول والأوزاعي ويحيى الأنصاري والحسن بن حي . ونقل صالح وغيره عن أحمد ما يدل على ذلك أيضا . وقال الليث : يبني ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة . وفي حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل . والله أعلم . واختلفوا أيضا : هل يبني مع عمله عملا كثيرا ينافي الصلاة مثله ، أو لا يبني معه ؟ وفيه خلاف عن الشافعي وأحمد سبق ذكره ؛ وأن العمل الكثير مع السهو : هل تبطل به الصلاة ، أم لا ؟ وفي حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ما يدل على أنه يبني مع ذلك كثرة العمل في هذه الحال سهوا . واختلفوا : هل يبني وإن خرج من المسجد ، أو لا يبني إلا مع كونه في المسجد ؟ وفيه خلاف سبق ذكره في تأخير سجود السهو نسيانا . واختلفوا : هل يبني مع تكلمه في هذه الحال ، أم كلامه يقطع البناء ويستأنف مع الصلاة ؟ فقالت طائفة : إن تكلم بطلت صلاته ، واستأنفها ، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ، وروي عن الحسن وعطاء ، وهو رواية عن قتادة ، وعن أحمد ، اختارها كثير من أصحابه . لكن أحمد لم يقل : إن الكلام في الصلاة نسخ ، وإنما قاله طائفة من أصحابه ، موافقة للكوفيين . واستدلوا بقول الزهري : كان هذا - يعني : قصة ذي اليدين - قبل بدر ، ثم استحكمت الأمور بعد . وقد ذكر الزهري في روايته : أن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ذو الشمالين ابن عمر حليف بني زهرة . كذا في مسند أحمد و صحيح ابن حبان . وكذا خرج النسائي أنه ذو الشمالين بن عمرو . وكذا سماه عمران بن أبي أنس في روايته ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : ذا الشمالين . وهذه متابعة للزهري . قالوا : ذو الشمالين قتل يوم بدر ، وتحريم الكلام إنما شرع بعد ذلك . وروى محمد بن أبي السري ، عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، عن أيوب ، عن ابن سيرين والحسن ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام والكلام قبل النسخ ، فنسخ ، وثبت السجدتان . والمراد : أنه نسخ السجود بعد الكلام ، وصار الكلام مبطلا تعاد معه الصلاة . ومحمد بن أبي السري ، ليس بالحافظ . ولعل هذا من تصرف بعض الرواة بالمعنى عنده . وكل من قال هذا ، قال : إن كلام الناسي يبطل الصلاة . وقال طائفة أخرى : بل يبني ، وإن تكلم في هذه الحال ، إذا ظن تمام صلاته ؛ فإنه إنما تكلم ناسيا الصلاة ، وهذا قول الشافعي وأحمد ، في رواية عنه . قالوا : إن قصة السهو كانت بعد تحريم الكلام ، فلم ينسخ ، بل دلت على أن كلام الناسي مستثنى من عموم الكلام المبطل للصلاة ، كما أن الأكل في الصيام ناسيا معفو عنه لا يبطل به الصيام . واستدلوا على تأخر قصة ذي اليدين ، بأن أبا هريرة شهدها ، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر ، وممن ذكر ذلك : الشافعي وأحمد . وشهدها عمران بن حصين ، وإنما أسلم بعد بدر ، فيما قيل . وشهدها معاوية بن حديج ، وحديثه مخرج في كتاب النسائي وغيره ، ومعاوية بن حديج ممن تأخر إسلامه ، حتى قيل : إنه أسلم قبل موت النبي بشهرين . وهذا كله بعد تحريم الكلام في الصلاة ؛ فإنه كان إما بمكة قبل الهجرة ، أو عقيب الهجرة قبل بدر ، كما دل عليه حديث ابن مسعود ، وقد سبق الكلام على ذلك . قالوا : وقول الزهري : إن ذلك كان قبل بدر وهم منه ، وكذلك قوله : إن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو الشمالين ، وإنما هو ذو اليدين . قالوا : وقد بقي ذو اليدين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأما المقتول ببدر ، فهو ذو الشمالين ، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد ، وأنكر أحمد أن يكون ذو اليدين قتل ببدر . وذهب طائفة إلى أنهما واحد . وهؤلاء ذهبوا إلى أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة ، وروي عن ابن عباس وابن الزبير . وروي عن الزبير بن العوام بإسناد منقطع . وهو قول الشعبي وعروة وعطاء والحسن وقتادة - في رواية عنهم - وعمرو بن دينار والشافعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي خيثمة وغيرهم من فقهاء الحديث . فعلى هذه المقالة : إنما تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد سلامه نسيانا ؛ لظنه أن صلاته قد تمت . وخرج الطبراني من رواية معلى بن مهدي : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب وابن عون وهشام وسلمة بن علقمة ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم في الصلاة ناسيا ، فبنى على ما صلى . وهذا مروي بالمعنى ، مختصرا من قصة ذي اليدين . واختلفت الرواية عن أحمد : هل يختص كلام الساهي بما كان من مصلحة الصلاة ؛ لحال كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في قصة ذي اليدين ، أم يعم ما كان لمصلحة الصلاة وغيره ؟ . ورجح طائفة من المتأخرين من أصحابنا اختصاصه بما كان لمصلحة الصلاة ؛ لأن الرخصة إنما وردت في ... ؛ ولأنه إذا كان لمصلحة الصلاة ، وفعله ساهيًا ، فهو شبيه بالسلام من الصلاة ساهيًا ، وهو غير مبطل عند جمهور العلماء كما تقدم . واختلف أصحابنا : هل محل الخلاف إذا سلم من صلاته ، يظن أنها قد تمت ، ثم تكلم حينئذ ؛ لأن هذه هي الصورة التي وردت فيها الرخصة ، وهي التي يقع فيها كلام الساهي غالبًا ، أم تعم ذلك وغيره لمن تكلم في صلب صلاته ساهيًا ؟ وفيه طريقان للأصحاب . وأكثر كلام الإمام أحمد يدل على الأول . وقد ذكرنا فيما تقدم أن أحمد لم يقل : إن حديث ذي اليدين نسخ ، كما يقوله غيره ، وإنما اختلفت الرواية عنه : هل كان ذلك خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبمن كلمه ، أو هو عام ، أم يختص بعده بالإمام دون المأموم ؟ فروي عنه ، أنه كانَ خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كلمه . وهذه الرواية اختيار أبي بكر الخلال وصاحبه . فأما النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد يقول : إنه كان مخصوصًا بجواز الكلام في الصلاة لمصلحتها ، إما سهوًا أو مطلقًا . وأما المجيبون له ، فقد صرح بأن إجابتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كانت واجبة ، فلا تبطل صلاتهم بذلك ، وكلام ذي اليدين له بقوله : قصرت الصلاة ، أم نسيت ؟ كانَ في وقت يجوز فيهِ قصر الصَّلاة ، فكان - أيضا - يظن أن صلاتهم تمت ، وهذا لا يوجد بعدهم . وأما قول ذي اليدين بعد ذلك : بل نسيت يا رسول الله ، وفي رواية : قد كان بعض ذلك ، فقد تكلم وهو عالم أن صلاتهم لم تتم ، لكنه لم يعلم أنهم في الصلاة ، وأن البناء يجوز لهم على ما مضى ، بل قد يكون ظن أن ما مضى من الصلاة بطل ولغي ، وأنهم الآن ليسوا في صلاة ، وربما كان تكلم غير ذي اليدين من الصحابة لذلك ؛ فإن جواز البناء إنما علم من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، لا قبله . لكن هذا يقع للناس كثيرًا ، فهل حكم هذا حكم من تكلم يظن أنه ليس في صلاة ، فهو كالساهي ، أم لا ؟ الظاهر : أن هذا ملحق بالجاهل بأنه في صلاة ، يعذر في كلامه ، بخلاف الصائم ، إذا جهل الوقت فأكل يظنه ليلًا ، فتبين أنه نهارًا . وحكوا الخلاف عن أحمد ، في كل من تكلم وهو يعتقد أنه ليس في صلاة ، وأنه خرج منها ، يكون جاهلًا بأن عمل كلامه يبطل الصلاة . ولأصحابنا وجهان فيمن أكل في الصيام ما لا يعتقد أنه يفطره ، هل يفطر به ، أم لا ؟ وهو - أيضا - جاهل . ولهم وجهان فيمن أكل ناسيا ، فظن أنه أفطر ، وأنه لا يلزمه الإمساك ، ثُمَّ جامع ، هل عليه كفارة بجماعه ، أم لا ؟ وحكى ابن المنذر أنه لا كفارة عليهِ عندَ جمهور العلماء ؛ لأنه لم يتعمد إفساد الصوم . وللشافعية فيهِ وجهان أيضا . وكلامهم يدل على أنه يفطر بذلك ؛ فإن الجهل لا يعذر به في الصوم ، ويعذر به في الصَّلاة ، فإذا سلم من صلاته يظن أنها تمت ، ثُمَّ علم أنها لم تتم ، وظن أن صلاته بطلت ، فتكلم ، فهوَ كالجاهل . وكذا إذا سلم الإمام ناسيا ، والمأموم يعلم ، فتكلم ظانًا أن صلاته بطلت بالسلام ، فأحمد جعل هذا الحكم خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في رواية عنه . وجعله - في رواية أخرى عنه - عاما للأمة في حق كل من تكلم وهو يظن أن صلاته قد تمت ، خاصة كما يقوله الشافعي . وفرق - في رواية أخرى عنه - بين الإمام والمأموم ؛ لأن الإمام لا يسأل عن تمام صلاته إلا وهو شاك ، والمأموم إنما يجيب وهو عالم بأن صلاته لم تتم ، بخلاف حال الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن بعضهم تكلم وهو يظن أن الصَّلاة قد تمت ؛ لاحتمال قصرها عنده ، وبعضهم تكلم مجيبًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكلا الأمرين لا يوجد في حق من بعدهم . ولكن يوجد في حق من بعدهم من يظن أن صلاتهم قد تمت كالإمام ، ومن يظن أن صلاته تبطل بالسلام نسيانًا ، فيتكلم حينئذ ، جاهلا بأنه في صلاة . وخرج أبو داود من حديث حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، وذكر الحديث ، وفيه : فقال : أصدق ذو اليدين ؟ فأومئوا - أي : نعم - ، وذكر الحديث . وذكر أن حماد بن زيد تفرد بقوله : فأومئوا . وقول إسحاق بن راهويه في هذا كقول أحمد ، بالتفريق بين الإمام والمأمومين . قال : إنما تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه ظن تمام صلاته ، وذو اليدين ظن أن الصَّلاة قصرت وتمت ، والصحابة أجابوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن إجابته بالكلام عليهم واجبة ، لم يجدوا من ذَلِكَ بدًا . قالَ : وإن تكلم الإمام اليوم ، وهو شاك في تمام صلاته ، واستثبت من معه ، جاز لهُ ذَلِكَ ، ولو كانوا قد نبهوه بالتسبيح ، ولا يجوز لهم أن يتكلموا إذا علموا أن صلاتهم لم تتم ، وتبطل به صلاتهم . روى كل ذلك حرب وابن منصور ، عن إسحاق . ونقل ابن قرة الزبيدي ، عن مالك ، أن من تكلم في صلاته بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أعاد صلاته ؛ لأن الصحابة تكلموا وهم يظنون أن الصَّلاة قد قصرت ، فلا يجوز ذَلِكَ اليوم . وإلى هذه الرواية ذهب ابن كنانة من أصحابه . وذكر الحارث بن مسكين وابن وضاح أن سائر أصحاب مالك خالفوا ابن القاسم فيما رواه عن مالك . وقالت طائفة : حديث ذي اليدين يتخرج على أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها ، عمدًا ولا سهوًا ، وهو قول الأوزاعي وأيوب وحماد بن زيد وربيعة ومالك - في المشهور عنه نقله ابن القاسم ، عنه - . وهو رواية عن أحمد . وروي عنه اختصاصه بالإمام . ومذهب مالك : اختصاصه بالإمام والمأموم ، دون المنفرد . وروي هذا المعنى عن ابن الزبير وغيره من المتقدمين . ويستدل له بأن في حديث معاوية بن حديج - الذي يأتي ذكره - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالًا أن يقيم الصلاة . وكذا رواه عبيد بن عمير ، مرسلًا . وهذا يدل على أن إقامة الصلاة والأمر بها لا يبطل البناء على ما مضى من الصلاة . وادعى قوم : أن هذا كان من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وهذا رواية عن مالك وأحمد ، قد سبق ذكرها . وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين ، وأن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ذو اليدين . ومن حديث عمران بن الحصين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ثلاث ركعات ، وأن الذي كلمه هو الخرباق . خرجه مسلم . وقد نص أحمد على أنهما حديثان ، وليسا بقصة واحدة ، نقله عنه علي بن سعيد . وروى أيضا معاوية بن حديج ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما ، فسلم ، وقد بقيت من الصلاة ركعة ، فأدركه رجل ، فقال : نسيت من الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالًا فأقام ، فصلى للناس ركعة ، قال : فأخبرت بذلك الناس ، فقالوا : تعرف الرجل ؟ قلت : لا ، إلا أن أراه ، فمر بي ، فقلت : هوَ هذا ، فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وقال : صحيح الإسناد . وفي رواية : أنه المغرب . وقد أنكر الإمام أحمد أن يكون لمعاوية بن حديج صحبة ، وأثبته البخاري والأكثرون . قال ابن حبان : هذا يدل على أن هذه ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات ، لا في صلاة واحدة . ورجح ابن عبد البر وغيره أنها صلاة واحدة ، وإن اختلفت بعض الروايات فيها ، وهذا أشبه . والله أعلم . وعلى القول بأن الكلام نسيانًا أو جاهلًا لا يبطل الصلاة ، إنما هو في اليسير ، فأما إن كثر وطال ، ففيه وجهان . والمنصوص عن أحمد أنه يبطل حينئذ ، نقله عنه أبو داود وغيره . وكذلك لأصحاب الشافعي وجهان أيضا . والمنصوص عنه : أنه يبطل - أيضا - ، نقله عنه البويطي . قال الشافعي : لا يشك مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينصرف إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة ، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من الله ، ولم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي اليدين ؛ إذ سأل غيره ، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلامه ، فيكونون مثله - يعني : مثل ذي اليدين - ، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ، ولو سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ ، فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ كانَ في معنى ذي اليدين ، من أنه لم يدر : أقصرت الصَّلاة أم نسي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابه ، ومعناه معنى ذي اليدين مع أن الفرض عليهم جوابه . ثم قال : فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تناهت الفرائض فلا يزداد فيها ، ولا ينتقص منها أبدًا . قال : فهذا فرق ما بيننا وبينه ، إذا كان أحدنا إماما اليوم . وفي حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب فوائد كثيرة جدًا ، يطول استقصاؤها ، ولكن نشير إلى بعضها إشارة : فمنها : أن اليقين لا يزال بالشك ؛ فإن ذا اليدين كان على يقين من أن صلاتهم تلك أربع ركعات ، فلما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين احتمل أن يكون قصرت الصلاة ، واحتمل أن يكون ناسيًا ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ ومنها : أن انفراد الواحد من بين الجماعة بشيء لا يمكن في مثله أن ينفرد بعلمه عنهم ، يتوقف في قوله ، حتَّى يتابعه عليهِ غيره . وهذا أصل لقول جهابذة الحفاظ : إن القول قول الجماعة دون المنفرد عنهم بزيادة ونحوها ، لا سيما إن كانوا ... زيادة الثقة مقبولة مطلقًا ، وليس ذلك بشيء ، فإذا توبع على قوله اعتمد عليه . ومنها : أنه قد استدل به بعض من لا يقبل خبر الواحد المنفرد به ، حتى يتابع عليه . ورد ذلك الإمام أحمد ، وفرق بينهما بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سلم من صلاته ؛ لأنه كانَ يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه أتم صلاته ، فلذلك توقف في قول ذي اليدين وحده ، دون بقية الجماعة الذين شهدوا الصَّلاة . وأما خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى منه ، فإنه يجب قبوله ؛ لأدلة دلت على ذَلِكَ ، وقد يتوقف فيهِ أحيانًا ؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيهِ ، كما توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول ذي اليدين حتى توبع عليه . ومنها : أنه يستدل به على أن الحاكم إذا نسي حكمه ، فشهد عليه شاهدان ، أنفذه وأمضاه ، وإن لم يذكره ، وهو قول مالك وأحمد . وعند أبي حنيفة والشافعي : لا ينفذه حتى يذكر حكمه به . وفيه فوائد أخر تتعلق بسجود السهو ، يأتي ذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول · ص 307 باب إذا سلم في ركعتين ، أو في ثلاث ، فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول أي : هذا باب يذكر فيه إذا سلم المصلي في ركعتين ، وكلمة : في بمعنى من ، أو بمعنى على . قوله : ( أو في ثلاث ) ، أي : أو سلم على ثلاث ركعات . قوله : ( مثل سجود الصلاة أو أطول ) ، أي : أطول منه ، وهذا اللفظ في حديث أبي هريرة يأتي في الباب الثاني ، وهو قوله : ( ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ) . 250 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : صلى بنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر ، أو العصر ، فسلم فقال له ذو اليدين : الصلاة يا رسول الله ، أنقصت ؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ، ثم سجد سجدتين . قال سعد : ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين فسلم ، وتكلم ثم صلى ما بقي ، وسجد سجدتين ، وقال : هكذا فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث ينبئ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سلم على آخر الركعتين ، وهذا ظاهر ، ولكن ليس في الباب ذكر ما إذا سلم على آخر ثلاث ركعات ، وأخرج البخاري هذا الحديث في باب : هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس من طريقين : أحدهما : عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك بن أنس ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف من اثنتين ، إلى آخره . والآخر : عن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وقد ذكر البخاري هذا الحديث مطولا في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره ، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق بحديث ذي اليدين مستقصى ، فمن أراد ذلك فليرجع إلى ذاك الباب . قوله : صلى بنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر ، ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة ، وذو اليدين استشهد ببدر ، قاله الزهري ، ومقتضاه أن تكون القصة قبل بدر ، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين ، ولكن معنى قول أبي هريرة : صلى بنا ، أي : صلى بالمسلمين ، وهذا جائز في اللغة كما روي عن النزال بن سبرة قال : قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف ... الحديث . والنزال لم ير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإنما أراد بذلك قال لقومنا . وروى ، عن طاوس قال : قدم علينا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، فلم يأخذ من الخضراوات شيئا ، وإنما أراد قدم بلدنا ؛ لأن معاذا قدم اليمن في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يولد طاوس ، وقال بعضهم : اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك ، وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين ، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر ، وهو خزاعي ، واسمه عمرو بن نضلة ، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو سلمي ، واسمه الخرباق ، وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة ، عن أبي هريرة : فقام رجل من بني سليم . فلما وقع عند الزهري بلفظ : فقام ذو الشمالين ، وهو يعرف أنه قتل ببدر ، قال لأجل ذلك إن القصة وقعت قبل بدر ، انتهى . ( قلت ) : وقع في كتاب النسائي أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد ، كلاهما لقب على الخرباق حيث قال : أخبرنا محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، عن أبي هريرة قال : صلى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الظهر أو العصر فسلم من ركعتين ، فانصرف فقال له ذو الشمالين بن عمرو : أنقصت الصلاة أم نسيت ؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق يا رسول الله ، فأتم بهم الركعتين اللتين نقص ، وهذا سند صحيح متصل صرح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين . وروى النسائي أيضا بسند صحيح صرح فيه أيضا أن ذا الشمالين هو ذو اليدين ، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس . قال النسائي : أخبرنا عيسى بن حماد ، أخبرنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى يوما فسلم في ركعتين ، ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين ، فقال : يا رسول الله ، أنقصت الصلاة ، أم نسيت ؟ فقال : لم تنقص الصلاة ، ولم أنس . قال : بلى ، والذي بعثك بالحق . قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أصدق ذو اليدين ؟ قالوا : نعم ، فصلى بالناس ركعتين . وهذا أيضا سند صحيح على شرط مسلم ، وأخرج نحوه الطحاوي ، عن ربيع المؤذن ، عن شعيب بن الليث ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخره ، فثبت أن الزهري لم يهم ، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في الصحيحين عدم صحته ، فثبت أن ذا اليدين ، وذا الشمالين واحد ، والعجب من هذا القائل أنه مع اطلاعه على ما رواه النسائي من هذا كيف اعتمد على قول من نسب الزهري إلى الوهم ، ولكن أريحية العصبية تحمل الرجل على أكثر من هذا ، وقال هذا القائل أيضا ، وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة لكل من ذي الشمالين ، وذي اليدين ، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما ، وهو قصة ذي الشمالين ، وشاهد الآخر ، وهو قصة ذي اليدين ، وهذا يحتمل في طريق الجمع . ( قلت ) : هذا يحتاج إلى دليل صحيح ، وجعل الواحد اثنين خلاف الأصل ، وقد يلقب الرجل بلقبين وأكثر ، وقال أيضا : ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ : بينما أنا أصلي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الظهر ، سلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ركعتين ، فقام رجل من بني سليم ، واقتص . الحديث . ( قلت ) : هذا الحديث رواه مسلم من خمس طرق فلفظه من طريقين : صلى بنا . وفي طريق : صلى لنا . وفي طريق : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ركعتين . وفي طريق : بينما أنا أصلي . وفي ثلاث طرق التصريح بلفظ ذي اليدين ، وفي الطريقين بلفظ رجل من بني سليم ، وفي الطريق الأول : إحدى صلاتي العشي ، إما الظهر ، أو العصر ، بالشك . وفي الثاني : إحدى صلاتي العشي من غير ذكر الظهر والعصر بدون اليقين . وفي الثالث : صلاة العصر بالجزم . وفي الرابع والخامس : صلاة الظهر بالجزم . فهذا كله يدل على اختلاف القضية ، وإلا يكون فيها إشكال ، فإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون الرجل المذكور الذي نص عليه أنه من بني سليم غير ذي اليدين ، وأن تكون قضيته غير قضية ذي اليدين ، وأن أبا هريرة شاهد هذا حتى أخبر عن ذلك بقوله : بينا أنا أصلي . وكون ذي اليدين من بني سليم على قول من يدعي ذلك لا يستلزم أن لا يكون غيره من بني سليم . وقال هذا القائل أيضا : والظاهر أن الاختلاف فيه ، أي في المذكور من إحدى صلاتي العشي والعصر والظهر من الرواة ، وأبعد من قال : يحمل على أن القضية وقعت مرتين . ( قلت ) : إن الحمل على التعدد أولى من نسبة الرواة إلى الشك . ( فإن قلت ) : روى النسائي من طريق ابن عون ، عن ابن سيرين ، أن الشك فيه من أبي هريرة ، ولفظه : صلى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى صلاتي العشي قال : ولكني نسيت . فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرا على الشك ، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر ، فجزم بها ، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم . ( قلت ) : ليس في الذي رواه النسائي من الطريق المذكور شك ، وإنما صرح أبو هريرة بأنه نسي ، والنسيان غير الشك ، وقوله : ( فالظاهر ) إلى آخره غير ظاهر ، فلا دليل على ظهوره من نفس المتون ، ولا من الخارج يعرف هذا بالتأمل . قوله : ( فسلم ) ، يعني : على آخر الركعتين . وزاد أبو داود من طريق معاذ عن شعبة : في الركعتين . قوله : قال سعد ، يعني : سعد بن إبراهيم المذكور في سند الحديث ، وهو بالإسناد المذكور ، وأخرجه ابن أبي شيبة ، عن غندر ، عن شعبة ، عن سعد ، فذكره . وقال أبو نعيم : رواه يعني البخاري ، عن آدم ، عن شعبة . وزاد : قال سعد : ورأيت عروة إلى آخره . وأورده الإسماعيلي من طريق معاذ ، ويحيى ، عن شعبة ، حدثنا سعد بن إبراهيم ، سمعت أبا سلمة ، عن أبي هريرة ... الحديث ، ثم قال في آخره ، ورواه غندر : ( فصلى ركعتين أخريين ، ثم سجد سجدتين ) . لم يقل : ثم سلم ، ثم سجد . قال : لم يتضمن هذا الحديث ما ذكره في الترجمة ، وخرج ما ذكره من ترجمة هذا الباب في الباب الذي يليه ، وكذا قال ابن التين : لم يأت في الحديث شيء مما يشهد للسلام من ثلاث . قوله : الصلاة يا رسول الله ، أنقصت الصلاة مرفوع ؛ لأنه مبتدأ وخبره قوله : أنقصت ، ويروى نقصت بدون همزة الاستفهام ، ويجوز في نون نقصت الفتح على أن يكون لازما ، ويجوز ضمها على أن يكون متعديا ، وقوله : يا رسول الله ، جملة معترضة بين المبتدأ والخبر . قوله : أحق ما يقول ، يجوز في إعرابه وجهان : أحدهما أن يكون لفظ : حق مبتدأ دخلت عليه همزة الاستفهام ، وقوله : ما يقول ساد مسد الخبر ، والآخر أن يكون أحق خبرا ، وما يقول مبتدأ . قوله : ( أخريين ) ، ويروى أخراوين ، على خلاف القياس . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : كيف بنى الصلاة على الركعتين ، وقد فسدتا بالكلام ؟ ( قلت ) : كان ساهيا ؛ لأنه كان يظن أنه خارج الصلاة . ( قلت ) : في هذا اختلاف العلماء ، فذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق إلى أن كلام القوم في الصلاة لإمامهم لإصلاح الصلاة مباح ، وكذا الكلام من الإمام لأجل السهو لا يفسدها . وقال أبو عمر : ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيا في الصلاة لا يفسدها ، كقول مالك وأصحابه سواء ، وإنما الخلاف بينهما أن مالكا يقول : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في إصلاحها ، وهو قول ربيعة ، وابن القاسم إلا ما روي عنه في المنفرد ، وهو قول أحمد ، وقال عياض : وقد اختلف قول مالك وأصحابه في التعمد بالكلام لإصلاح الصلاة من الإمام والمأموم ، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وأهل الظاهر ، وجعلوه مفسدا للصلاة ، إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده ، وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو . ( فإن قلت ) : كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة ؟ ( قلت ) : أجاب النووي بوجهين : أحدهما أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة ؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين ، والآخر أن هذا كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وجوابا ، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا ، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح : أن الجماعة أومأوا ، أي : أشاروا : نعم . فعلى هذه الرواية لم يتكلموا . ( قلت ) : الكلام ، والخروج من المسجد ، ونحو ذلك كله قد نسخ ، حتى لو فعل أحد مثل هذا في هذا اليوم بطلت صلاته ، والدليل عليه ما رواه الطحاوي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم ذي اليدين ، ثم حدث به تلك الحادثة بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فعمل فيها بخلاف ما عمل صلى الله عليه وسلم يومئذ ، ولم ينكر عليه أحد ممن حضر فعله من الصحابة ، وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعد وقوفهم على نسخ ما كان منه صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين .