حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول

حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : صلى بنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر ، أو العصر ، فسلم فقال له ذو اليدين : الصلاة يا رسول الله ، أنقصت ؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ، ثم سجد سجدتين . قال سعد : ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين فسلم ، وتكلم ثم صلى ما بقي ، وسجد سجدتين ، وقال : هكذا فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث ينبئ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سلم على آخر الركعتين ، وهذا ظاهر ، ولكن ليس في الباب ذكر ما إذا سلم على آخر ثلاث ركعات ، وأخرج البخاري هذا الحديث في باب : هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس من طريقين : أحدهما : عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك بن أنس ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف من اثنتين ، إلى آخره .

والآخر : عن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وقد ذكر البخاري هذا الحديث مطولا في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره ، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق بحديث ذي اليدين مستقصى ، فمن أراد ذلك فليرجع إلى ذاك الباب . قوله : صلى بنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر ، ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة ، وذو اليدين استشهد ببدر ، قاله الزهري ، ومقتضاه أن تكون القصة قبل بدر ، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين ، ولكن معنى قول أبي هريرة : صلى بنا ، أي : صلى بالمسلمين ، وهذا جائز في اللغة كما روي عن النزال بن سبرة قال : قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف .. . الحديث .

والنزال لم ير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإنما أراد بذلك قال لقومنا . وروى ، عن طاوس قال : قدم علينا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، فلم يأخذ من الخضراوات شيئا ، وإنما أراد قدم بلدنا ؛ لأن معاذا قدم اليمن في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يولد طاوس ، وقال بعضهم : اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك ، وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين ، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر ، وهو خزاعي ، واسمه عمرو بن نضلة ، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو سلمي ، واسمه الخرباق ، وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة ، عن أبي هريرة : فقام رجل من بني سليم . فلما وقع عند الزهري بلفظ : فقام ذو الشمالين ، وهو يعرف أنه قتل ببدر ، قال لأجل ذلك إن القصة وقعت قبل بدر ، انتهى .

( قلت ) : وقع في كتاب النسائي أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد ، كلاهما لقب على الخرباق حيث قال : أخبرنا محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، عن أبي هريرة قال : صلى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الظهر أو العصر فسلم من ركعتين ، فانصرف فقال له ذو الشمالين بن عمرو : أنقصت الصلاة أم نسيت ؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق يا رسول الله ، فأتم بهم الركعتين اللتين نقص ، وهذا سند صحيح متصل صرح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين . وروى النسائي أيضا بسند صحيح صرح فيه أيضا أن ذا الشمالين هو ذو اليدين ، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس . قال النسائي : أخبرنا عيسى بن حماد ، أخبرنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى يوما فسلم في ركعتين ، ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين ، فقال : يا رسول الله ، أنقصت الصلاة ، أم نسيت ؟ فقال : لم تنقص الصلاة ، ولم أنس .

قال : بلى ، والذي بعثك بالحق . قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أصدق ذو اليدين ؟ قالوا : نعم ، فصلى بالناس ركعتين . وهذا أيضا سند صحيح على شرط مسلم ، وأخرج نحوه الطحاوي ، عن ربيع المؤذن ، عن شعيب بن الليث ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخره ، فثبت أن الزهري لم يهم ، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في الصحيحين عدم صحته ، فثبت أن ذا اليدين ، وذا الشمالين واحد ، والعجب من هذا القائل أنه مع اطلاعه على ما رواه النسائي من هذا كيف اعتمد على قول من نسب الزهري إلى الوهم ، ولكن أريحية العصبية تحمل الرجل على أكثر من هذا ، وقال هذا القائل أيضا ، وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة لكل من ذي الشمالين ، وذي اليدين ، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما ، وهو قصة ذي الشمالين ، وشاهد الآخر ، وهو قصة ذي اليدين ، وهذا يحتمل في طريق الجمع .

( قلت ) : هذا يحتاج إلى دليل صحيح ، وجعل الواحد اثنين خلاف الأصل ، وقد يلقب الرجل بلقبين وأكثر ، وقال أيضا : ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ : بينما أنا أصلي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الظهر ، سلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ركعتين ، فقام رجل من بني سليم ، واقتص . الحديث . ( قلت ) : هذا الحديث رواه مسلم من خمس طرق فلفظه من طريقين : صلى بنا .

وفي طريق : صلى لنا . وفي طريق : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ركعتين . وفي طريق : بينما أنا أصلي .

وفي ثلاث طرق التصريح بلفظ ذي اليدين ، وفي الطريقين بلفظ رجل من بني سليم ، وفي الطريق الأول : إحدى صلاتي العشي ، إما الظهر ، أو العصر ، بالشك . وفي الثاني : إحدى صلاتي العشي من غير ذكر الظهر والعصر بدون اليقين . وفي الثالث : صلاة العصر بالجزم .

وفي الرابع والخامس : صلاة الظهر بالجزم . فهذا كله يدل على اختلاف القضية ، وإلا يكون فيها إشكال ، فإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون الرجل المذكور الذي نص عليه أنه من بني سليم غير ذي اليدين ، وأن تكون قضيته غير قضية ذي اليدين ، وأن أبا هريرة شاهد هذا حتى أخبر عن ذلك بقوله : بينا أنا أصلي . وكون ذي اليدين من بني سليم على قول من يدعي ذلك لا يستلزم أن لا يكون غيره من بني سليم .

وقال هذا القائل أيضا : والظاهر أن الاختلاف فيه ، أي في المذكور من إحدى صلاتي العشي والعصر والظهر من الرواة ، وأبعد من قال : يحمل على أن القضية وقعت مرتين . ( قلت ) : إن الحمل على التعدد أولى من نسبة الرواة إلى الشك . ( فإن قلت ) : روى النسائي من طريق ابن عون ، عن ابن سيرين ، أن الشك فيه من أبي هريرة ، ولفظه : صلى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى صلاتي العشي قال : ولكني نسيت .

فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرا على الشك ، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر ، فجزم بها ، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم . ( قلت ) : ليس في الذي رواه النسائي من الطريق المذكور شك ، وإنما صرح أبو هريرة بأنه نسي ، والنسيان غير الشك ، وقوله : ( فالظاهر ) إلى آخره غير ظاهر ، فلا دليل على ظهوره من نفس المتون ، ولا من الخارج يعرف هذا بالتأمل . قوله : ( فسلم ) ، يعني : على آخر الركعتين .

وزاد أبو داود من طريق معاذ عن شعبة : في الركعتين . قوله : قال سعد ، يعني : سعد بن إبراهيم المذكور في سند الحديث ، وهو بالإسناد المذكور ، وأخرجه ابن أبي شيبة ، عن غندر ، عن شعبة ، عن سعد ، فذكره . وقال أبو نعيم : رواه يعني البخاري ، عن آدم ، عن شعبة .

وزاد : قال سعد : ورأيت عروة إلى آخره . وأورده الإسماعيلي من طريق معاذ ، ويحيى ، عن شعبة ، حدثنا سعد بن إبراهيم ، سمعت أبا سلمة ، عن أبي هريرة .. . الحديث ، ثم قال في آخره ، ورواه غندر : ( فصلى ركعتين أخريين ، ثم سجد سجدتين ) .

لم يقل : ثم سلم ، ثم سجد . قال : لم يتضمن هذا الحديث ما ذكره في الترجمة ، وخرج ما ذكره من ترجمة هذا الباب في الباب الذي يليه ، وكذا قال ابن التين : لم يأت في الحديث شيء مما يشهد للسلام من ثلاث . قوله : الصلاة يا رسول الله ، أنقصت الصلاة مرفوع ؛ لأنه مبتدأ وخبره قوله : أنقصت ، ويروى نقصت بدون همزة الاستفهام ، ويجوز في نون نقصت الفتح على أن يكون لازما ، ويجوز ضمها على أن يكون متعديا ، وقوله : يا رسول الله ، جملة معترضة بين المبتدأ والخبر .

قوله : أحق ما يقول ، يجوز في إعرابه وجهان : أحدهما أن يكون لفظ : حق مبتدأ دخلت عليه همزة الاستفهام ، وقوله : ما يقول ساد مسد الخبر ، والآخر أن يكون أحق خبرا ، وما يقول مبتدأ . قوله : ( أخريين ) ، ويروى أخراوين ، على خلاف القياس . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : كيف بنى الصلاة على الركعتين ، وقد فسدتا بالكلام ؟ ( قلت ) : كان ساهيا ؛ لأنه كان يظن أنه خارج الصلاة .

( قلت ) : في هذا اختلاف العلماء ، فذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق إلى أن كلام القوم في الصلاة لإمامهم لإصلاح الصلاة مباح ، وكذا الكلام من الإمام لأجل السهو لا يفسدها . وقال أبو عمر : ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيا في الصلاة لا يفسدها ، كقول مالك وأصحابه سواء ، وإنما الخلاف بينهما أن مالكا يقول : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في إصلاحها ، وهو قول ربيعة ، وابن القاسم إلا ما روي عنه في المنفرد ، وهو قول أحمد ، وقال عياض : وقد اختلف قول مالك وأصحابه في التعمد بالكلام لإصلاح الصلاة من الإمام والمأموم ، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وأهل الظاهر ، وجعلوه مفسدا للصلاة ، إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده ، وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو . ( فإن قلت ) : كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة ؟ ( قلت ) : أجاب النووي بوجهين : أحدهما أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة ؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين ، والآخر أن هذا كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وجوابا ، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا ، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح : أن الجماعة أومأوا ، أي : أشاروا : نعم .

فعلى هذه الرواية لم يتكلموا . ( قلت ) : الكلام ، والخروج من المسجد ، ونحو ذلك كله قد نسخ ، حتى لو فعل أحد مثل هذا في هذا اليوم بطلت صلاته ، والدليل عليه ما رواه الطحاوي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم ذي اليدين ، ثم حدث به تلك الحادثة بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فعمل فيها بخلاف ما عمل صلى الله عليه وسلم يومئذ ، ولم ينكر عليه أحد ممن حضر فعله من الصحابة ، وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعد وقوفهم على نسخ ما كان منه صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث