باب إذا صلى خمسا
حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله رضي الله عنه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر خمسا ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ فقال : وما ذاك ؟ قال : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعد ما سلم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومضى هذا الحديث بعينه في باب ما جاء في القبلة ، فإنه أخرجه هناك ، عن مسدد ، عن يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم إلى آخره ، وهنا عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك ، عن شعبة بن الحجاج ، عن الحكم - بفتحتين - ابن عتيبة ، عن إبراهيم بن يزيد النخعي ، عن علقمة بن قيس ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، والتفاوت بينهما يسير سندا ومتنا ، فاعتبر ذلك بالنظر ، وأخرجه أيضا في باب التوجه نحو القبلة بأطول منه ، عن عثمان ، عن جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : قال عبد الله صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلى آخره . وقد ذكرنا هناك أن حديث عثمان أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .
وحديث أبي الوليد أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، فلفظ مسلم : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر خمسا ، فلما سلم قيل : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا فسجد سجدتين . وفي لفظ له صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسا ، فقلنا : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا . قال : إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون ، وأنسى كما تنسون ، ثم سجد سجدتي السهو .
وفي لفظ له : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزاد - أو : نقص ، قال إبراهيم : والوهم مني - فقيل : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة شيء ؟ فقال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ، ثم تحول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسجد سجدتين ، وفي لفظ له ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام . وفي لفظ له : قال : صلينا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإما زاد - أو نقص ، قال إبراهيم : وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي - قال : قلنا : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : لا . قال : قلنا له الذي صنع ، فقال : إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين ، قال : ثم سجد سجدتين ، وفي لفظ أبي داود : قال : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر خمسا .
والباقي نحو لفظ البخاري ، وفي لفظ له : قال عبد الله : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إبراهيم : فلا أدري أزاد أم نقص - فلما سلم قيل : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت كذا وكذا . قال : فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد بهم سجدتين ، ثم سلم ، فلما انفتل أقبل علينا بوجهه ، فقال : إنه لو أحدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتين . وفي لفظ له : فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ، ثم تحول فسجد سجدتين .
وفي لفظ له : قال عبد الله : صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسا ، فلما انفتل توشوش القوم بينهم ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، هل زيد في الصلاة ؟ قال : لا . قالوا : فإنك قد صليت خمسا ، فانفتل فسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، ولفظ الترمذي : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر خمسا فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ فسجد سجدتين بعدما سلم . وفي لفظ له : سجد سجدتين بعد الكلام .
ولفظ النسائي : قال عبد الله : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزاد أو نقص ، فقيل : يا رسول الله ، هل حدث في الصلاة شيء ؟ قال : لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكموه ، ولكني إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فأيكم ما شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ويسجد سجدتين . وفي لفظ له : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فزاد فيها أو نقص ، فلما سلم قلنا : يا نبي الله ، هل حدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : فذكرنا له الذي فعل ، فثنى رجله فاستقبل القبلة فسجد سجدتي السهو ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم به ، ثم قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فأيكم أنسي في صلاته شيئا فليتحر الذي يرى أنه هو صواب ، ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتي السهو . وفي لفظ له : إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذلك من الصواب ، ثم ليتم عليه ، ثم يسجد سجدتين .
ولفظ ابن ماجه : قال عبد الله صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة لا ندري أزاد أو نقص ، فسأل فحدثاه فثنى رجله ، واستقبل الصلاة ، وسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكموه ، وإنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وأيكم ما شك في الصلاة فليتحر أقرب ذلك من الصواب فيتم عليه ، ويسجد سجدتين . وقد استقصينا الكلام في هذا في باب التوجه نحو القبلة . ( ذكر معناه ) قوله : ( صلى الظهر خمسا ) ، أي : خمس ركعات ، فهنا جزم بأن الذي صلى كان خمسا ، وقد مر في باب التوجه إلى القبلة في رواية منصور ، عن إبراهيم ، وفيه قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص .
قوله : ( قيل له ) ، أي : لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( أزيد ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله : وما ذاك ؟ أي : وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة ؟ قوله : ( فسجد سجدتين ) ، أي : للسهو .
قوله : ( بعد ما سلم ) ، كلمة ما مصدرية ، أي : بعد سلام الصلاة . ( ذكر ما يستفاد منه ) هذا الحديث حجة لأبي حنيفة ، وأصحابه أن سجدتي السهو بعد السلام وإن كانت للزيادة . وقال بعضهم : وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه : هل زيد في الصلاة ؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو ، ورد بأنه وقع في حديث ابن مسعود هذا في لفظ مسلم في الزيادة أنه أمر بالإتمام والسلام ، ثم بسجدتي السهو ، وهو قوله : ( إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين ) والشك بالسهو غير العلم به ، وعورض بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم ، ولفظه : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر كم صلى فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، وأجيب بأن التعارض إذا كان بين القولين يصار إلى جانب الفعل لسلامته عن المعارض ، وإذا كان بين القول والفعل يصار إلى جانب القول لقوته ، أو يقال : كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز والتوسع في الأمرين .
وقال ابن خزيمة : لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود ؛ لأنهم خالفوه فقالوا : إن جلس المصلي في الرابعة مقدار التشهد يضاف إلى الخامسة سادسة ، ثم سلم ، وسجد للسهو ، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصح صلاته ، ولم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة ، ولا بد من أحدهما عندهم ، ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها . ( قلت ) : لا نسلم أنهم خالفوه ، فلو وقف هذا المعترض على مدارك هذه الصورة لما قال ذلك . المدرك الأول أن القعدة الأخيرة فرض عندهم ، فلو ترك شخص فرضا من فروض الصلاة تبطل صلاته .
المدرك الثاني : أنه حين قام إلى السادسة بعد القعود صار شارعا في صلاة أخرى بناء على التحريمة الأولى ؛ لأنها شرط عندهم وليس بركن . المدرك الثالث أن الصلاة بركعة واحدة منهية عندهم كما ثبت ذلك في موضعه ، فإذا كان كذلك ، فبالضرورة من إضافة ركعة أخرى إليها ليخرج عن البتيراء . المدرك الرابع : أن التسليم في آخر الصلاة غير فرض عندهم فبتركه لا تبطل صلاته ، فإذا وقف أحد على هذه المدارك لا يصدر منه هذا الاعتراض ، ويحرم عليه أن ينسب أحدا إلى مخالفة السنة بعد العلم بها ، وقال النووي : في قوله : أزيد في الصلاة ، دليل لمذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والجمهور من السلف والخلف ، أن من زاد في صلاته ركعة ناسيا لم تبطل صلاته ، بل إن علم بعد السلام فقد مضت صلاته صحيحة ، ويسجد للسهو ويسلم ، وقال أبو حنيفة : إذا زاد ركعة ساهيا بطلت صلاته ، ولزمه إعادتها ، وقال أيضا : إن كان تشهد في الرابعة ، ثم زاد خامسة أضاف إليها سادسة تشفعها ، وإن لم يكن تشهد بطلت صلاته .
وهذا الحديث يرد عليه ، وهو حجة للجمهور . ( قلت ) : لا نسلم صحة النقل عن أبي حنيفة ببطلان صلاته إذا زاد ركعة سادسة ساهيا ، والظاهر من حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قعد على الرابعة ؛ لأن حمل فعله على الصواب أحسن من حمله على غيره ، وهو اللائق بحاله على أن المذكور فيه صلى الظهر خمسا ، والظهر اسم للصلاة المعهودة في وقتها بجميع أركانها . ( فإن قلت ) : لم يرجع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الخامسة ، ولم يشفعها ؟ ( قلت ) : لا يضرنا ذلك ؛ لأنا لا نلزمه ، بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب حتى قال صاحب الهداية ، ولو لم يضم لا شيء عليه ؛ لأنه مظنون ، وقال صاحب البدائع : والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلا إلا في العصر .