بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 23 - كِتَاب الْجَنَائِزِ 1 - بَاب فِي الْجَنَائِزِ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ 1237 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ ، عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ : بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابُ الْجَنَائِزِ ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ ، وَالْبَسْمَلَةُ مِنَ الْأَصْلِ ، وَلِكَرِيمَةَ بَابٌ فِي الْجَنَائِزِ وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ لَكِنْ بِحَذْفِ بَابٌ وَالْجَنَائِزُ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا غَيْرَ ، جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَمَاعَةٌ : الْكَسْرُ أَفْصَحُ ، وَقِيلَ : بِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ ، وَبِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ ، وَقَالُوا : لَا يُقَالُ : نَعْشٌ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ كِتَابَ الْجَنَائِزِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِمَا ، وَلِأَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِنْ غُسْلٍ وَتَكْفِينٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَهَمُّهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةِ الدُّعَاءِ لَهُ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ وَلَا سِيَّمَا عَذَابَ الْقَبْرِ الَّذِي سَيُدْفَنُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) قِيلَ : أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : حَذَفَ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ مَنْ مِنَ التَّرْجَمَةِ مُرَاعَاةً لِتَأْوِيلِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَأَبْقَاهُ إِمَّا لِيُوَافِقَهُ أَوْ لِيُبْقِيَ الْخَبَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي زُرْعَةَ : أَنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ أَرَادُوا تَلْقَيْنَهُ ، فَتَذَكَّرُوا حَدِيثَ مُعَاذٍ ، فَحَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو زُرْعَةَ بِإِسْنَادِهِ ، وَخَرَجَتْ رُوحُهُ فِي آخِرِ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي التَّلْقِينِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ فَاكْتَفَى بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَذَلِكَ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : هَذَا الْخَبَرُ يَتَنَاوَلُ بِلَفْظِهِ مَنْ قَالَهَا فَبَغَتَهُ الْمَوْتُ ، أَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ لَكِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ غَيْرِهَا ، وَيَخْرُجُ بِمَفْهُومِهِ مَنْ تَكَلَّمَ لَكِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نُطْقٍ بِهَا ، فَإِنْ عَمِلَ أَعْمَالًا سَيِّئَةً كَانَ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَإِنْ عَمِلَ أَعْمَالًا صَالِحَةً فَقَضِيَّةُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ النُّطْقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ الْمُسْتَصْحَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ لُقِّنَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَأُكْثِرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إِذَا قُلْتُ مَرَّةً فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِكَلَامٍ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّفْرِقَةَ فِي هَذَا الْمَقَامِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَخْ ) يَجُوزُ نَصْبُ مِفْتَاحُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ، وَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ ، كَأَنَّ الْقَائِلَ أَشَارَ إِلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْسَلَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ لَهُ : إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مِفْتَاحِ الْجَنَّةِ فَقُلْ : مِفْتَاحُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَزَادَ : وَلَكِنْ مِفْتَاحٌ بِلَا أَسْنَانٍ ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ نَظِيرُ مَا أَجَابَ بِهِ وَهْبٌ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُدْرَجَةً فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ . وَأَمَّا أَثَرُ وَهْبٍ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ رُمَّانَةَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، قَالَ : قِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، فَذَكَرَهُ . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ كَلِمَتَا الشَّهَادَةِ ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ تَرْكِ ذِكْرِ الرِّسَالَةِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَقَبٌ جَرَى عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْعًا . وَأَمَّا قَوْلُ وَهْبٍ فَمُرَادُهُ بِالْأَسْنَانِ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ مُوَافَقَةِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَمْ يُفْتَحْ لَهُ ، فَكَأَنَّ مُرَادَهُ لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فَتْحًا تَامًّا ، أَوْ لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي أولى الْأَمْرِ ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَالِبِ ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَرِيبًا مِنْ كَلَامِهِ هَذَا فِي التَّهْلِيلِ ، وَلَفْظُهُ : عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : مَثَلُ الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ مَثَلُ الرَّامِي بِلَا وَتَرٍ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَوْلُ وَهْبٍ مَحْمُولٌ عَلَى التَّشْدِيدِ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ؛ أَيْ حَدِيثُ الْبَابِ . وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا أُتِيَ بِمِفْتَاحٍ وَلَهُ أَسْنَانٌ ، ولَكِنْ مَنْ خَلَطَ ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ حَتَّى مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ أَسْنَانُهُ قَوِيَّةً ، فَرُبَّمَا طَالَ عِلَاجُهُ . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ ، وَالْإِخْلَاصُ يَسْتَلْزِمُ التَّوْبَةَ وَالنَّدَمَ ، وَيَكُونُ النُّطْقُ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ . وَأَدْخَلَ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِقَادِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ . وَمَعْنَى قَوْلِ وَهْبٍ : إِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ جِيَادٌ ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ النَّعْتِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ ، لِأَنَّ مُسَمَّى الْمِفْتَاحِ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِالْأَسْنَانِ ، وَإِلَّا فَهُوَ عُودٌ أَوْ حَدِيدَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَتَانِي آتٍ ) سَمَّاهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ وَاصِلٍ جِبْرِيلُ ، وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ : فَبَشَّرَنِي ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَهْدِيٍّ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ تَنَحَّى فَلَبِثَ طَوِيلًا ، ثُمَّ أَتَانَا فَقَالَ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أُمَّتِي ) ؛ أَيْ مِنْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ؛ أَيْ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ . قَوْلُهُ : ( لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ) أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ بِلَفْظِ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ ، الْحَدِيثَ . وإِنَّمَا لَمْ يُورِدْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ التَّوْحِيدِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ اسْتِنْبَاطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ : مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ دَخَلَ النَّارَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى نَفْيِ الشِّرْكِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي الْإِلَهِيَّةِ ، لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَارَ بِحُكْمِ الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قَدْ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّ القَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَقُولُ لَهُ : الْمَلَكُ الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلِ الْقَائِلُ هُوَ أَبُو ذَرٍّ وَالْمَقُولُ لَهُ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي اللِّبَاسِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُسْتَوْضِحًا ، وَأَبُو ذَرٍّ قَالَهُ مُسْتَبْعِدًا ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ الَّتِي أَفْضَى الِاتِّكَالُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ الْجَهَلَةِ إِلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُوبِقَاتِ ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا تَسْقُطْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سُقُوطِهَا أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ اللَّهُ بِهَا عَمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ اسْتِبْعَادَهُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : دَخَلَ الْجَنَّةَ ؛ أَيْ صَارَ إِلَيْهَا إِمَّا ابْتِدَاءً مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ ، وَإِمَّا بَعْدَ أَنْ يَقَعَ مَا يَقَعُ مِنَ الْعَذَابِ ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ ، أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَالِهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ ، وَأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تَسْلُبُ اسْمَ الْإِيمَانِ ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُوَحِّدِينَ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ . وَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى جِنْسِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ ، وَكَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ اسْتَحْضَرَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مُعَارِضٌ لِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى الْإِيمَانِ الْكَامِلِ ، وَبِحَمْلِ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى عَدَمِ التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ، وَيُقَالُ : بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ، وَهُوَ مَصْدَرُ رَغَمَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّغْمِ ، وَهُوَ التُّرَابُ ، وَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُلْصَقَ أَنْفُهُ بِالتُّرَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فِي الْجَنَائِزِ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه · ص 130 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 319 بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب الجنائز ) أي هذا كتاب في بيان أحكام الجنائز ، كذا وقع للأصيلي وأبي الوقت ، ووقع لكريمة : باب الجنائز ، وكذا وقع لأبي ذر ، ولكن بحذف لفظة : باب ، والجنائز جمع جنازة ، وهي بفتح الجيم اسم للميت المحمول ، وبكسرها اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت . ويقال عكس ذلك - حكاه صاحب ( المطالع ) ، واشتقاقها من جنز إذا ستر ذكره ابن فارس وغيره ، ومضارعه : يجنز بكسر النون ، وقال الجوهري : الجنازة واحدة الجنائز ، والعامة تقول : الجنازة بالفتح ، والمعنى للميت على السرير ، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش . قيل : أورد المصنف كتاب الجنائز بين الصلاة والزكاة ؛ لأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمه الصلاة عليه ؛ لما فيها من فائدة الدعاء بالنجاة من العذاب ، ولا سيما عذاب القبر الذي يدفن فيه . انتهى . ( قلت ) : للإنسان حالتان حالة الحياة وحالة الممات ، ويتعلق بكل منهما أحكام العبادات وأحكام المعاملات ؛ فمن العبادات الصلاة المتعلقة بالأحياء . ولما فرغ من بيان ذلك شرع في بيان الصلاة المتعلقة بالموتى . ( ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله ) . هذا من الترجمة ، وفي غالب النسخ : باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ، أي هذا باب في بيان حال من كان آخر كلامه عند خروجه من الدنيا : لا إله إلا الله ، ولم يذكر جواب من ، وهو في الحديث مذكور ، وهو لفظ ( دخل الجنة ). وقد رواه أبو داود عن مالك بن عبد الواحد المسمعي ، عن الضحاك بن مخلد ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبي عريب ، عن كثير بن مرة الحضرمي ، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، وروى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعلم أن من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة ، وفي مسند مسدد عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا معاذ ، قال : لبيك يا رسول الله - قالها ثلاثا ، قال : بشر الناس أنه من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ، وروى أبو يعلى في مسنده عن أبي حرب بن زيد بن خالد الجهني ، قال : أشهد على أبي أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة ، وقال الكرماني : قوله : لا إله إلا الله ، أي هذه الكلمة ، والمراد هي وضميمتها محمد رسول الله . ( قلت ) : ظاهر الحديث في حق المشرك ، فإنه إذا قال : لا إله إلا الله يحكم بإسلامه ، فإذا استمر على ذلك إلى أن مات دخل الجنة ، وأما الموحد من الذين ينكرون نبوة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يدعي أنه مبعوث للعرب خاصة ، فإنه لا يحكم بإسلامه بمجرد قوله : لا إله إلا الله ، فلا بد من ضميمة محمد رسول الله على أن جمهور علمائنا شرطوا في صحة إسلامه بعد التلفظ بالشهادتين أن يقول : تبرأت عن كل دين سوى دين الإسلام ، ومراد البخاري من هذه الترجمة أن من قال : لا إله إلا الله من أهل الشرك ومات لا يشرك بالله شيئا ، فإنه يدخل الجنة ، والدليل على ذلك حديث الباب على ما نذكر ما قالوا فيه . وقيل : يحتمل أن يكون مراد البخاري الإشارة إلى من قال : لا إله إلا الله عند الموت مخلصا كان ذلك مسقطا لما تقدم له ، والإخلاص يستلزم التوبة والندم ، ويكون النطق علما على ذلك . قلت : يلزم مما قاله أن من قال : لا إله إلا الله ، واستمر عليه ، ولكنه عند الموت لم يذكره ، ولم يدخل تحت هذا الوعد الصادق والشرط أن يقول : لا إله إلا الله واستمر عليه - فإنه يدخل الجنة ، وإن لم يذكره عند الموت ؛ لأنه لا فرق بين الإسلام النطقي وبين الحكمي المستصحب ، وأما أنه إذا عمل أعمالا سيئة فهو في سعة رحمة الله تعالى مع مشيئته ، فإن قلت : لم حذف البخاري جواب من من الترجمة مع أن لفظ الحديث : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ؟ . قلت : قيل : مراعاة لتأويل وهب بن منبه ؛ لأنه لما قيل له : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ قال : بلى ، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان إلى آخره ، فكأنه أشار بهذا إلى أنه لا بد له من الطاعات ، وأن بمجرد القول به بدون الطاعات لا يدخل الجنة ، فظن هذا القائل أن رأي البخاري في هذا مثل رأي وهب ، فلذلك حذف لفظ دخل الجنة الذي هو جواب من . قلت : الذي يظهر أن حذفه إنما كان اكتفاء بما ذكر في حديث الباب ، فإنه صرح بأن من مات ، ولم يشرك بالله شيئا ، فإنه يدخل الجنة ، وإن ارتكب الذنبين العظيمين المذكورين فيه مع أن الداودي قال : قول وهب محمول على التشديد ، أو لعله لم يبلغه حديث أبي ذر ، وهو حديث الباب . ( وقيل لوهب بن منبه : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ قال : بلى ، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم يفتح لك ) . وهب بن منبه مر في كتاب العلم ، وهذا القول وقع في حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره البيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن : إنك ستأتي أهل كتاب يسألونك عن مفتاح الجنة ، فقل : شهادة أن لا إله إلا الله ، ولكن مفتاح بلا أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم يفتح لك . وذكر أبو نعيم الأصفهاني في كتابه أحوال الموحدين أن أسنان هذا المفتاح هي الطاعات الواجبة من القيام بطاعة الله تعالى وتأديتها والمفارقة لمعاصي الله تعالى ومجانبتها . قلت : قد ذكرنا أحاديث فيما مضى تدل على أن قائل لا إله إلا الله يدخل الجنة ، وليست مقيدة بشيء غاية ما في الباب جاء في حديث آخر أن هذه الكلمة مفتاح الجنة ، والظاهر أن قيد المفتاح بالأسنان مدرج في الحديث ، وذكر المفتاح ليس على الحقيقة ، وإنما هو كناية عن التمكن من الدخول عند هذا القول ، وليس المراد منه المفتاح الحقيقي الذي له أسنان ولا يفتح إلا بها ، وإذا قلنا : المراد من الأسنان الطاعات يلزم من ذلك أن من قال : لا إله إلا الله واستمر على ذلك إلى أن من مات ، ولم يعمل بطاعة - أنه لا يدخل الجنة ، وهو مذهب الرافضة والإباضية وأكثر الخوارج ؛ فإنهم يقولون : إن أصحاب الكبائر والمذنبين من المؤمنين يخلدون في النار بذنوبهم ، والقرآن ناطق بتكذيبهم ؛ قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وحديث الباب أيضا يكذبهم ، وفي صحيح مسلم من حديث عثمان مرفوعا : من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة 1 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا مهدي بن ميمون ، قال : حدثنا واصل الأحدب ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني آت من ربي فأخبرني ، أو قال : بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة . قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يدل على أن من مات ، ولم يشرك بالله شيئا ، فإنه يدخل الجنة ، وهو معنى قوله في الترجمة : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ، فإن ترك الإشراك هو التوحيد ، والقول بلا إله إلا الله هو التوحيد بعينه . ذكر رجاله . وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري ، يقال له : التبوذكي ، وقد مر غير مرة . الثاني : مهدي بفتح الميم ابن ميمون المعولي الأزدي . مر في باب : إذا لم يتم السجود . الثالث : واصل اسم فاعل من الوصول ابن حيان ، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وقد تقدم في باب المعاصي من أمر الجاهلية في كتاب الإيمان . الرابع : المعرور - بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالراء المكررة - ابن سويد بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره دال مهملة ، وقد تقدم أيضا في الباب المذكور . الخامس : أبو ذر اسمه جندب بن جنادة ، وقد تكرر ذكره ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه ومهديا بصريان ، وواصل ومعرور كوفيان ، وفيه واصل مذكور بلا نسبة ، وقد ذكر بلقبه الأحدب ضد الأقعس . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة . وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن أبي موسى وبندار ، كلاهما عن غندر به . وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار به ، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الله بن بكر ، عن مهدي بن ميمون . وأخرجه الترمذي فقال : حدثنا محمود بن غيلان ، قال : حدثنا أبو داود قال : أخبرنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، وعبد العزيز بن رفيع والأعمش كلهم سمعوا زيد بن وهب ، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام ، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة . قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : نعم . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن أبي الدرداء . قلت : روى حديث أبي الدرداء مسدد في مسنده : حدثنا يحيى ، حدثنا نعيم بن حكيم ، حدثني أبو مريم ، سمعت أبا الدرداء يحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ما من رجل يشهد أن لا إله إلا الله ومات لا يشرك بالله شيئا إلا دخل الجنة ، أو لم يدخل النار . قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق ، ورغم أنف أبي الدرداء . ورواه أبو يعلى ، حدثنا أبو عبد الله المقري ، حدثنا يحيى . فذكره ، ورواه أحمد أيضا في مسنده . قلت : يحيى هو القطان ، ونعيم بن حكيم وثقه ابن معين والعجلي ، وذكره ابن حبان في الثقات ؟، وأبو مريم الثقفي قاضي البصرة ذكره ابن حبان في الثقات . ذكر معناه قوله : أتاني آت من ربي ، والمراد به جبريل عليه الصلاة والسلام ، وفسره به في التوحيد من طريق شعبة ، وكان هذا في رؤيا منام ، والدليل عليه ما رواه البخاري في اللباس من طريق أبي الأسود عن أبي ذر ، قال : أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم انتبه ، وقد استيقظ ورواه الإسماعيلي من طريق مهدي في أول قصة : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له ، فلما كان في بعض الليل تنحى فلبث طويلا ثم أتانا فذكر الحديث . قوله : وإن زنى وإن سرق حرف الاستفهام فيه مقدر ، وتقديره أدخل الجنة وإن سرق وإن زنى . قال الكرماني : والشرط حال . فإن قلت : ليس في الجواب استفهام فلزم منه أن من لم يسرق ، ولم يزن لم يدخل الجنة ؛ إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط . قلت : هو من باب نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، والحكم في المسكوت عنه ثابت بالطريق الأولى . قوله : من أمتي يشمل أمة الإجابة وأمة الدعوة . قوله : لا يشرك بالله شيئا ، وفي رواية البخاري في اللباس بلفظ ما من عبد قال : لا إله إلا الله ثم مات على ذلك الحديث ، ونفي الشرك يستلزم إثبات التوحيد ، والشاهد له حديث عبد الله بن مسعود : من مات يشرك بالله شيئا دخل النار على ما يجيء عن قريب . قوله : فقلت القائل هو أبو ذر ، وليس هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد يتبادر الذهن إلى أنه هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وليس كذلك ؛ لأنه في رواية قال أبو ذر : يا رسول الله وإن سرق وإن زنى ثلاث مرات ، وفي الرابعة قال : على رغم أنف أبي ذر ، وقال صاحب ( التلويح ) : ويجمع بين اللفظين بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاله مستوضحا ، وأبو ذر قاله مستبعدا ؛ لأن في ذهنه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وما في معناه ، وإنما ذكر من الكبائر نوعين ؛ لأن الذنب إما حق الله تعالى ، وأشار بالزنا إليه ، وإما حق العباد ، وأشار بالسرقة إليه . ذكر ما يستفاد منه . فيه حجة لأهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار ، وأنهم إن دخلوها خرجوا منها ، وقال ابن بطال : من مات على اعتقاد لا إله إلا الله وإن بعد قوله لها عن موته إذا لم يقل بعدها خلافها حتى مات ، فإنه يدخل الجنة . ويقال : وجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا في النار بذنوبهم ، فإنهم لا يخلدون في النار . وقيل حديث أبي ذر من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتكال عليها لبعض الجهلة إلى الإقدام على الموبقات ، وليس هو على ظاهره ، فإن القواعد استقرت على أن حقوق الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان ، ولكن لا يلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يدخله الجنة ، ومن ثم رد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي ذر استبعاده . ويحتمل أن يكون المراد بقوله : دخل الجنة ، أي صار إليها إما ابتداء من أول الحال وإما بعد أن يقع ما يقع من العذاب .