4 - بَاب الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَى أَهْل الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ 1245 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ؛ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا . 1246 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ، وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَذْرِفَانِ ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الرَّجُلُ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِحَذْفِ أَهْلِ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ يَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : بِنَفْسِهِ لِلرَّجِلِ الَّذِي يَنْعَى الْمَيِّتَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الضَّمِيرُ لِلْمَيِّتِ لِأَنَّ الَّذِي يُنْكَرُ عَادَةً هُوَ نَعْيُ النَّفْسِ لِمَا يَدْخُلُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْتِ . انْتَهَى . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَأَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ فِي التَّرْجَمَةِ خَلَلًا ، قَالَ : وَالصَّوَابُ الرَّجُلُ يَنْعَى إِلَى النَّاسِ الْمَيِّتَ بِنَفْسِهِ ، كَذَا قَالَ ، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ لَفْظَ الْأَهْلِ بِالنَّاسِ ، وَأَثْبَتَ الْمَفْعُولَ الْمَحْذُوفَ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ فَسَقَطَ ، أَوْ حُذِفَ عَمْدًا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، أَوْ لَفْظُ يُنْعَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الْمَيِّتُ ، وَالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لَهُ ، كَمَا قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ ، وَيَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ . وَأَمَّا التَّعبِيرُ بِالْأَهْلِ فَلَا خَلَلَ فِيهِ ، لِأَنَّ مُرَادَهُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقَرَابَةِ ، وَهُوَ أُخُوَّةُ الدِّينِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ التَّعْبِيرِ بِالنَّاسِ ، لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِهِ أَهْلِيَّةٌ كَالْكُفَّارِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ ، فَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : إِنَّهَا فَاسِدَةٌ ، قَالَ : وَفَائِدَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ النَّعْيَ لَيْسَ مَمْنُوعًا كُلُّهُ ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَصْنَعُونَهُ ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ مَنْ يُعْلِنُ بِخَبَرِ مَوْتِ الْمَيِّتِ عَلَى أَبْوَابِ الدُّورِ وَالْأَسْوَاقِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ : مُرَادُهُ أَنَّ النَّعْيَ الَّذِي هُوَ إِعْلَامُ النَّاسِ بِمَوْتِ قَرِيبِهِمْ مُبَاحٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِدْخَالُ الْكَرْبِ وَالْمَصَائِبِ عَلَى أَهْلِهِ ، لَكِنْ فِي تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ مَصَالِحٌ جَمَّةٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ لِشُهُودِ جِنَازَتِهِ وَتَهْيِئَةِ أَمْرِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ . وَأَمَّا نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ : أَكَانُوا يَكْرَهُونَ النَّعْيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : كَانُوا إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ رَكِبَ رَجُلٌ دَابَّةً ، ثُمَّ صَاحَ فِي النَّاسِ : أَنْعِي فُلَانًا . وَبِهِ إِلَى ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا أَعْلَمُ بَأْسًا أَنْ يُؤْذِنَ الرَّجُلُ صَدِيقَهُ وَحَمِيمَهُ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَحْضَ الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ لَا يُكْرَهُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ حَتَّى . كَانَ حُذَيْفَةُ إِذَا مَاتَ لَهُ الْمَيِّتُ يَقُولُ : لَا تُؤْذِنُوا بِهِ أَحَدًا ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ ، الْأُولَى : إِعْلَامُ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ ، فَهَذَا سُنَّةٌ ، الثَّانِيَةُ : دَعْوَةُ الْحَفْلِ لِلْمُفَاخَرَةِ فَهَذِهِ تُكْرَهُ ، الثَّالِثَةُ : الْإِعْلَامُ بِنَوْعٍ آخَرَ كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يَحْرُمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، ثَانِيهِمَا : حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْأُمَرَاءِ بِمُؤْتَةَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَغَازِي . وَوَرَدَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بِلَفْظِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى زَيْدًا ، وَجَعْفَرًا ، الْحَدِيثَ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ دُخُولِ قِصَّةِ الْأُمَرَاءِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ نَعْيَهُمْ كَانَ لِأَقَارِبِهِمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ ، وَوَجْهُ دُخُولِ قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ كَوْنُهُ كَانَ غَرِيبًا فِي دِيَارِ قَوْمِهِ ، فَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْإِسْلَامِ أَخًا ، فَكَانُوا أَخَصَّ بِهِ مِنْ قَرَابَتِهِ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَقْرِبَاءِ النَّجَاشِيِّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ حِينَئِذٍ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ ، كَذِي مُخَمَّرِ ابْنِ أَخِي النَّجَاشِيِّ ، فَيَسْتَوِي الْحَدِيثَانِ فِي إِعْلَامِ أَهْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً وَمَجَازًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَى أَهْل الْمَيِّتِ بِنَفْسِه · ص 139 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه · ص 23 10 - ( حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا أيوب عن حميد بن هلال ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان ، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له ). مطابقته للترجمة من حيث إن قوله صلى الله عليه وسلم : أخذ الراية زيد إلى آخره نعي منه إليهم ؛ لأنه أخبر بموتهم غاية ما في الباب أنه صرح بالنعي في الحديث السابق ، وهاهنا ذكره بالمعنى ، وصرح بالنعي في علامات النبوة حيث قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا . الحديث . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومعمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد وعبد الوارث بن سعيد ، وأيوب هو السختياني . وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في الجهاد عن يوسف بن يعقوب ويعقوب بن إبراهيم فرقهما ، وفي علامات النبوة عن سليمان بن حرب ، وفي فضل خالد ، وفي المغازي عن أحمد بن واقد . وأخرجه النسائي في الجنائز عن إسحاق بن إبراهيم . ذكر معناه : قوله أخذ الراية زيد ، وقصته في غزوة مؤتة ، وهي موضع في أرض البلقاء من أطراف الشام ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أرسل سرية في جمادى الأولى من سنة ثمان ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فخرجوا ، وهم ثلاثة آلاف فتلاقوا مع الكفار ، فاقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، فقاتل بها حتى قتل ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل ، ثم أخذها خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ، ففتح الله على يديه . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر ، ولما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم حتى قال : ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم ، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر : فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ، ووجدنا في جسده بضعا وسبعين من طعنة ورمية ، وعن خالد : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية . رواه البخاري ، وزيد هو ابن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي القضاعي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه ، ولم يذكر الله تعالى أحدا من الصحابة في القرآن باسمه الخاص إلا زيدا ، قال الله تعالى : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا وجعفر بن أبي طالب الهاشمي الطيار ذو الجناحين وهو صاحب الهجرتين الجواد ابن الجواد ، وكان أمير المهاجرين إلى الحبشة ، وعبد الله بن رواحة بفتح الراء ، وتخفيف الواو وبالحاء المهملة الخزرجي المدني ، أحد النقباء ليلة العقبة . قوله : لتذرفان اللام للتأكيد ، وتذرفان بالذال المعجمة من ذرفت عينه إذا سال منها الدمع . قوله: من غير إمرة بكسر الهمزة وسكون الميم وفتح الراء . ذكر ما يستفاد منه : فيه دليل النبوة ؛ لأنه أخبر بإصابتهم في المدينة ، وهم بمؤتة ، وكان كما قال صلى الله عليه وسلم ، وفيه جواز البكاء على الميت ، وفيه أن الرحمة التي تكون في القلب محمودة ، وفيه جواز تولي أمر القوم من غير تولية إذا خاف ضياعه ، وحصول الفساد بتركه ، وقال الخطابي : لما نظر خالد بعد موتهم وهو في ثغر مخوف ، وبإزاء عدو عددهم جم ، وبأسهم شديد ، خاف ضياع الأمر وهلاك من معه من المسلمين ، فتصدى للإمارة عليهم ، وأخذ الراية من غير تأمير وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ؛ إذ وافق الحق وإن لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير ، فصار هذا أصلا في الضرورات إذا وقعت من معاظم أمر الدين في أنها لا تراعى فيها شرائط أحكامها عند عدم الضرورة ، وكذا في حقوق آحاد أعيان الناس مثل أن يموت رجل بفلاة ، وقد خلف تركة ، فإن على من شهده حفظَ ماله وإيصاله إلى أهله ، وإن لم يوص المتوفى بذلك ، فإن النصيحة واجبة للمسلمين ، وفيه أيضا جواز دخول الخطر في الوكالات وتعليقها بالشرائط .