باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه
( حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا أيوب عن حميد بن هلال ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان ، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له ) . مطابقته للترجمة من حيث إن قوله صلى الله عليه وسلم : أخذ الراية زيد إلى آخره نعي منه إليهم ؛ لأنه أخبر بموتهم غاية ما في الباب أنه صرح بالنعي في الحديث السابق ، وهاهنا ذكره بالمعنى ، وصرح بالنعي في علامات النبوة حيث قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا . الحديث .
ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومعمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد وعبد الوارث بن سعيد ، وأيوب هو السختياني . وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في الجهاد عن يوسف بن يعقوب ويعقوب بن إبراهيم فرقهما ، وفي علامات النبوة عن سليمان بن حرب ، وفي فضل خالد ، وفي المغازي عن أحمد بن واقد . وأخرجه النسائي في الجنائز عن إسحاق بن إبراهيم .
ذكر معناه : قوله أخذ الراية زيد ، وقصته في غزوة مؤتة ، وهي موضع في أرض البلقاء من أطراف الشام ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أرسل سرية في جمادى الأولى من سنة ثمان ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فخرجوا ، وهم ثلاثة آلاف فتلاقوا مع الكفار ، فاقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، فقاتل بها حتى قتل ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل ، ثم أخذها خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ، ففتح الله على يديه . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر ، ولما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم حتى قال : ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم ، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر : فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ، ووجدنا في جسده بضعا وسبعين من طعنة ورمية ، وعن خالد : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية . رواه البخاري ، وزيد هو ابن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي القضاعي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه ، ولم يذكر الله تعالى أحدا من الصحابة في القرآن باسمه الخاص إلا زيدا ، قال الله تعالى : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا وجعفر بن أبي طالب الهاشمي الطيار ذو الجناحين وهو صاحب الهجرتين الجواد ابن الجواد ، وكان أمير المهاجرين إلى الحبشة ، وعبد الله بن رواحة بفتح الراء ، وتخفيف الواو وبالحاء المهملة الخزرجي المدني ، أحد النقباء ليلة العقبة .
قوله : لتذرفان اللام للتأكيد ، وتذرفان بالذال المعجمة من ذرفت عينه إذا سال منها الدمع . قوله: من غير إمرة بكسر الهمزة وسكون الميم وفتح الراء . ذكر ما يستفاد منه : فيه دليل النبوة ؛ لأنه أخبر بإصابتهم في المدينة ، وهم بمؤتة ، وكان كما قال صلى الله عليه وسلم ، وفيه جواز البكاء على الميت ، وفيه أن الرحمة التي تكون في القلب محمودة ، وفيه جواز تولي أمر القوم من غير تولية إذا خاف ضياعه ، وحصول الفساد بتركه ، وقال الخطابي : لما نظر خالد بعد موتهم وهو في ثغر مخوف ، وبإزاء عدو عددهم جم ، وبأسهم شديد ، خاف ضياع الأمر وهلاك من معه من المسلمين ، فتصدى للإمارة عليهم ، وأخذ الراية من غير تأمير وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ؛ إذ وافق الحق وإن لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير ، فصار هذا أصلا في الضرورات إذا وقعت من معاظم أمر الدين في أنها لا تراعى فيها شرائط أحكامها عند عدم الضرورة ، وكذا في حقوق آحاد أعيان الناس مثل أن يموت رجل بفلاة ، وقد خلف تركة ، فإن على من شهده حفظَ ماله وإيصاله إلى أهله ، وإن لم يوص المتوفى بذلك ، فإن النصيحة واجبة للمسلمين ، وفيه أيضا جواز دخول الخطر في الوكالات وتعليقها بالشرائط .