باب الإذن بالجنازة
حدثنا محمد ، قال : أخبرنا أبو معاوية ، عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده ، فمات بالليل ، فدفنوه ليلا ، فلما أصبح أخبروه ، فقال : ما منعكم أن تعلموني ؟ قالوا : كان الليل فكرهنا ، وكانت ظلمة أن نشق عليك ، فأتى قبره فصلى عليه . مطابقته للترجمة في قوله: ما منعكم أن تعلموني . ذكر رجاله .
وهم خمسة : الأول محمد بن سلام ، أو ابن المثنى ؛ لأن كلا منهما روى عن أبي معاوية ، ولكن جزم أبو علي بن السكن في روايته عن الفربري : أنه محمد بن سلام . الثاني : أبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي الضرير . الثالث : أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان ، فيروز الشيباني بفتح الشين المعجمة .
الرابع : عامر بن شراحيل الشعبي . الخامس : عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو البيكندي البخاري ، وبقية الرواة كوفيون ، وفيه ذكر شيخه بلا نسبة ، واثنان بالكنية ، وواحد بالنسبة إلى شعب بطن من همدان .
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في الصلاة ، عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، وفي الجنائز عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال فرقهم ، أربعتهم عن شعبة ، وفيه عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، وعن محمد ، عن أبي معاوية هنا ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، عن يحيى بن أبي بكير ، عن زائدة ، خمستهم عن أبي إسحاق الشيباني عنه به . وأخرجه مسلم في الجنائز ، عن محمد بن المثنى ، وعن الحسن بن الربيع وأبي كامل الجحدري ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عبيد الله بن معاذ ، وعن الحسن بن الربيع ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وعن إسحاق بن إبراهيم وهارون بن عبد الله ، وعن أبي غسان . وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن العلاء .
وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع . وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم ، وعن إسماعيل بن مسعود . وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد .
ذكر اختلاف الألفاظ فيه : وفي لفظ للبخاري : فقال : متى دفن ؟ فقالوا : البارحة ، وفي لفظ مسلم : انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب ، وقال البيهقي : روى هريم بن سفيان عن الشعبي : فقال بعد موته بثلاث ليال ، وروي عن إسماعيل بن زكرياء عن الشيباني ، فقال : صلى على قبره بعدما دفن بليلتين ، ورواه بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان عن الشيباني : صلى على قبر بعد شهر . وقال الدارقطني : تفرد بهذا بشر بن آدم ، وخالفه غيره عن أبي عاصم ، وهو العباس بن محمد ، فقال : صلى على قبر بعدما دفن . وروى الترمذي بإسناده عن سعيد بن المسيب : أن أم سعد ماتت والنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم غائب ، فلما قدم صلى عليها .
وقد مضى لذلك شهر ، وقال الترمذي : قال أحمد وإسحاق : أكثر ما سمعنا عن ابن المسيب : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر . فإن قلت : قد وردت الصلاة على القبر بعد سنة فيما رواه البيهقي في سننه من رواية أبي معبد بن معبد بن أبي قتادة : أن البراء بن معرور كان أول من استقبل القبلة وكان أحد السبعين النقباء ، فقدم المدينة قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يصلي نحو القبلة ، فلما حضرته الوفاة أوصى بثلث ماله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضعه حيث شاء ، وقال : وجهوني إلى القبلة في قبري ، فقدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد سنة فصلى عليه هو وأصحابه ، ورد ثلث ميراثه على ولده . قلت : قال البيهقي بعد روايته : كذا وجدت في كتابي : والصواب بعد شهر .
ذكر معناه : قوله : مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده قيل : الإنسان هذا هو طلحة بن البراء بن عمير البلوي ، حليف الأنصار ، وروى الطبراني من طريق عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن حصين بن وحوح الأنصاري : أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقال : إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت ، فآذنوني به ، وعجلوا ، فلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بني سالم بن عوف حتى توفي ، وكان قال لأهله لما دخل الليل : إذا مت فادفنوني ولا تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أخاف عليه يهود أن يصاب بسببي ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح ، فجاء حتى وقف على قبره ، فصف الناس معه ، ثم رفع يديه ، فقال : اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه . وأخرجه أبو داود مختصرا من حديث الحصين بن وحوح : أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقال : إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت ، فآذنوني به وعجلوا ، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله . وقال صاحب التوضيح : إن هذا الإنسان هو الميت المذكور .
في حديث أبي هريرة الذي يقم المسجد . قيل : هذا وهم ؛ لأن الصحيح في حديث أبي هريرة : أنها امرأة يقال لها : أم محجن . قوله: فلما أصبح ، أي دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الصباح قوله : : وكان الليل برفع الليل : وكان تامة ، وكذا كان في : كانت ظلمة قوله : أن نشق كلمة أن مصدرية ، أي كرهنا المشقة عليه .
وقوله : وكانت ظلمة جملة معترضة . ذكر ما يستفاد منه : فيه عيادة المريض ، وقد مر الكلام فيه مستقصى ، وفيه جواز دفن الميت بالليل ، وروى الترمذي من حديث عطاء عن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا ، فأسرج له بسراج فأخذ من قبل القبلة ، وقال : رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن ، وكبر عليه أربعا ، ثم قال الترمذي : ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل ، وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناده عن أبي ذر قال : كان رجل يطوف بالبيت يقول : أوه أوه . قال أبو ذر : فخرجت ليلة ، فإذا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح ، وفيه الإذن بالجنازة والإعلام به ، وقد مر بيانه مع الخلاف فيه ، وفيه تعجيل الجنازة ؛ فإنهم ظنوا أن ذلك آكد من إيذانه ، وفيه جواز الصلاة على القبر ، وفيه خلاف ، وقال الترمذي : العمل على هذا ، أي الصلاة على القبر عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال بعض أهل العلم : لا يصلى على القبر ، وهو قول مالك بن أنس ، وقال عبد الله بن المبارك : إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلي على القبر ، وقال أحمد وإسحاق يصلى على القبر إلى شهر ، وقال ابن التين : جمهور أصحاب مالك على الجواز خلافا لأشهب وسحنون ؛ فإنهما قالا : إن نسي أن يصلي على الميت فلا يصلي على قبره وليدع له .
وقال ابن قاسم وسائر أصحابنا : يصلى على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت ، فإذا لم تفت وكان قد صلي عليه فلا يصلي عليه ، وقال ابن وهب : عن مالك ذلك : جائز، وبه قال الشافعي وعبد الله بن وهب وابن عبد الحكم وأحمد وإسحاق وداود وسائر أصحاب الحديث وكرهها النخعي والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد قال ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه ؟ قال قد جاء ، وليس عليه العمل ، وقال صاحب الهداية : وإن دفن الميت ، ولم يصل عليه صلى على قبره ، ولا يخرج منه ، ويصلي عليه ما لم يعلم أنه تفرق . هكذا في المبسوط . وإذا شك في ذلك نص الأصحاب على أنه لا يصلي عليه ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وهو قول عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي .
وهل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونا بعد الغسل ؛ فالصحيح أنه يشترط ، وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط ، وفي المحيط : لو صلى عليه من لا ولاية له عليه يصلي على قبره ويصلي عليه قبل أن يتفسخ ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي ، أي غالب الظن ، فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلي عليه ، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يصلي عليه ، وإذا شك لا يصلي عليه . وروي عن أبي يوسف : يصلي عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يصلي عليه ، وللشافعية ستة أوجه : أولها إلى ثلاثة أيام . ثانيها إلى شهر ، كقول أحمد .
ثالثها ما لم يبل جسده . رابعها يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته . خامسها يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته .
سادسها يصلي عليه أبدا ؛ فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم . واتفقوا على تضعيفه ، وممن صرح به الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي . فإن قلت : في البخاري عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه : أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين .
قلت : أجاب السرخسي في المبسوط وغيره أن ذلك محمول على الدعاء ، ولكنه غير سديد ؛ لأن الطحاوي روى عن عقبة بن عامر أنه صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت والجواب ، السديد أن أجسادهم لم تبل .