113 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ الْمَكِّيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَخِيهِ ) هُوَ هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا لَكِنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَنْ وَهْبٍ ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ طَبَقَةٍ مُتَقَارِبَةٍ أَوَّلُهُمْ عَمْرٌو . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ ) هَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَكْثَرِيَّةِ مَا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - أَيِ : ابْنِ الْعَاصِ - عَلَى مَا عِنْدَهُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ ، مَعَ أَنَّ الْمَوْجُودَ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَقَلُّ مِنَ الْمَوْجُودِ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ فَلَا إِشْكَالَ ، إِذِ التَّقْدِيرُ : لَكِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ، سَوَاءٌ لَزِمَ مِنْهُ كَوْنُهُ أَكْثَرَ حَدِيثًا لِمَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ أَمْ لَا . وَإِنْ قُلْنَا : الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ فَالسَّبَبُ فِيهِ مِنْ جِهَاتٍ : أَحَدُهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَكْثَرَ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِالتَّعْلِيمِ ، فَقَلَّتِ : الرِّوَايَةُ عَنْهُ . ثَانِيهَا أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ مُقَامِهِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ بِمِصْرَ أَوْ بِالطَّائِفِ وَلَمْ تَكُنِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ كَالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مُتَصَدِّيًا فِيهَا لِلْفَتْوَى وَالتَّحْدِيثِ إِلَى أَنْ مَاتَ ، وَيَظْهَرُ هَذَا مِنْ كَثْرَةِ مَنْ حَمَلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ ثَمَانَمِائَةِ نَفْسٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا لِغَيْرِهِ . ثَالِثُهَا مَا اخْتُصَّ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِأَنْ لَا يَنْسَى مَا يُحَدِّثُهُ بِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا . رَابِعُهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ قَدْ ظَفِرَ فِي الشَّامِ بِحِمْلِ جَمَلٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ يَنْظُرُ فِيهَا وَيُحَدِّثُ مِنْهَا فَتَجَنَّبَ الْأَخْذَ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : ( وَلَا أَكْتُبُ ) قَدْ يُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةٍ قَالَ : تُحُدِّثَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ ، فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْتِهِ فَأَرَانَا كُتُبًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : هَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ هَمَّامٍ أَصَحُّ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ ثُمَّ كَتَبَ بَعْدَهُ . قُلْتُ : وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحَدِيثِ مَكْتُوبًا عَنْده أَنْ يَكُونَ بِخَطِّهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَكْتُوبَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ خَطِّهِ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ مَعْمَرٌ ) أَيِ : ابْنُ رَاشِدٍ ، يَعْنِي تَابَعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هَمَّامٍ ، وَالْمُتَابَعَةُ الْمَذْكُورَةُ أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَخْرَجَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ عَنْهُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَا : سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : مَا كَانَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِّي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ وَيَعِي بِقَلْبِهِ ، وَكُنْتُ أَعِي وَلَا أَكْتُبُ ، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكِتَابِ عَنْهُ فَأَذِنَ لَهُ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْعُقَيْلِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمَانَ ، عَنْ عَقِيلٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا كَانَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِّي إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ ، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ مَا سَمِعَ مِنْهُ فَأَذِنَ لَهُ الْحَدِيثَ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : اكْتُبْ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا الْحَقُّ وَلِهَذَا طُرُقٌ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَا فِي الْوَعْيِ سَوَاءً لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ اخْتِصَاصِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالدُّعَاءِ بِعَدَمِ النِّسْيَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تُحْمَلُ أَكْثَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى مَا فَازَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ فَجَازَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ فِيمَا سَمِعَهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ ، بِخِلَافِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مَضْبُوطٌ بِالْكِتَابَةِ ، وَالَّذِي انْتَشَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ ذَلِكَ أَضْعَافُ مَا انْتَشَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لِتَصَدِّي أَبِي هُرَيْرَةَ لِذَلِكَ وَمُقَامُهُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ، بِخِلَافِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْأَمْرَيْنِ . وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وَمِنْ الحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ قِصَّةِ أَبِي شَاهٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ عَنْهُ ، وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ ، وَالْإِذْنَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ . أَوْ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْإِذْنَ فِي تَفْرِيقِهِمَا ، أَوِ النَّهْيَ مُتَقَدِّمٌ وَالْإِذْنَ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا . وَقِيلَ : النَّهْيُ خَاصٌّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى الْكِتَابَةِ دُونَ الْحِفْظِ ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ : الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ ، وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمْ حِفْظًا كَمَا أَخَذُوا حِفْظًا ، لَكِنْ لَمَّا قَصُرَتِ الْهِمَمُ وَخَشِيَ الْأَئِمَّةُ ضَيَاعَ الْعِلْمِ دَوَّنُوهُ ، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِينُ ثُمَّ التَّصْنِيفُ ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ . فَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ · ص 249 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كتابة العلم · ص 168 54 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عمرو ، قال : أخبرني وهب بن منبه ، عن أخيه ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهو أن عبد الله بن عمرو من أفاضل الصحابة رضي تعالى الله عنهم ، كان يكتب ما يسمعه من النبي - صلى الله تعالى عليه وآله - ، ولو لم تكن الكتابة جائزة لما كان يفعل ذلك ، فإذا قلنا : فعل الصحابي حجة فلا نزاع فيه ، وإلا فالاستدلال على جواز الكتابة يكون بتقرير الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كتابته . بيان رجاله وهم ستة : الأول : علي بن عبد الله المديني الإمام ، وقد تقدم . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : عمرو بن دينار ، أبو محمد المكي الجمحي ، أحد الأئمة المجتهدين ، مات سنة ست وعشرين ومائة . الرابع : وهب بن منبه بضم الميم وفتح النون وكسر الباء الموحدة المشددة ابن كامل بن سبج بفتح السين المهملة ، وقيل : بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم ، وقيل : الشين معجمة ابن ذي كنار ، وهو الإسوار الصنعاني اليماني الأبناوي الذماري ، سمع هنا عن أخيه ، قال الباجي : لم أر له في البخاري غير هذا الموضع ، وسمع في غير البخاري جابرا ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وأبا هريرة ، وغيرهم . قال أبو زرعة : يماني ثقة ، وكذا قال النسائي ، وقال الفلاس : ضعيف ، وهو مشهور بمعرفة الكتب الماضية ، قال : قرأت من كتب الله تعالى اثنين وتسعين كتابا ، وهو من الأبناء الذين بعثهم كسرى إلى اليمن ، وقيل : أصله من هراة ، مات سنة أربع وعشرين ومائة ، روى له الجماعة إلا ابن ماجه . وأخرج له مسلم في الزكاة عن أخيه همام ، روى عنه عمرو بن دينار ، واتفق البخاري ومسلم في الإخراج عنه ، عن أخيه همام لا غير . الخامس : أخو وهب همام بن منبه أبو عقبة ، وكان أكبر من وهب ، وكانوا أربعة إخوة : وهب ، ومعقل أبو عقيل ، وهمام ، وغيلان . وكان أصغرهم ، وكان آخرهم موتا همام ، ومات وهب ثم معقل ثم غيلان ثم همام ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة . السادس : أبو هريرة رضي الله عنه . بيان الأنساب الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة نسبة إلى جمح - ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر الصنعاني ، نسبة إلى صنعاء ، مدينة باليمن ، وصنعا أيضا قرية بدمشق ، وهب ينسب إلى صنعاء اليمن ، وزيدت فيها النون في النسبة على خلاف القياس ، اليماني نسبة إلى يمان ، ويقال : اليمني أيضا . قال الجوهري : اليمن بلاد العرب ، والنسبة إليها يمني ويمان مخففة ، والألف عوض عن ياء النسبة فلا يجتمعان ، قال سيبويه : وبعضهم يقول : يماني بالتشديد الأبناوي بفتح الهمزة ، منسوب إلى الأبناء بباء موحدة ثم نون ، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف ذي يزن الذماري بكسر الذال المعجمة ، وقيل : بفتحها ، نسبة إلى ذمار على مرحلتين من صنعاء . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة والسماع ، ومنها أن وهبا لم يرو له البخاري في غير هذا الموضع . ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين في طبقة متقاربة أولهم عمرو . بيان من أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا ليس إلا وهو من أفراده عن مسلم . وأخرجه الترمذي في العلم وفي المناقب عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة به ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في العلم عن إسحاق بن إبراهيم ، عن سفيان به . بيان الإعراب والمعنى قوله ما من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كلمة ما للنفي ، وقوله أحد بالرفع اسم ما ، وكلمة من ابتدائية تتعلق بمحذوف ، والتقدير : ما أحد مبتدأ من أصحاب النبي – عليه الصلاة والسلام - ، وقوله أكثر بالرفع صفة أحد ، ويروى بالنصب أيضا وهو الأوجه ؛ لأنه خبر ما ، وقوله حديثا نصب على التمييز ، ولفظة أكثر أفعل التفضيل ، ولا تستعمل إلا بأحد الأمور الثلاثة كما عرف في موضعه ، وهاهنا استعمل بمن ، وهو قوله مني ، ولكن فصل بينه وبينه بقوله حديثا عنه ؛ لأنه ليس بأجنبي ، والضمير في عنه يرجع إلى أحد ، قوله إلا ما كان يجوز أن يكون استثناء منقطعا على تقدير لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو ، أي الكتابة لم تكن مني ، والخبر محذوف بقرينه باقي الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثا ؛ إذ العادة جارية على أن شخصين إذا لازما شيخا مثلا وسمعا منه الأحاديث يكون الكاتب أكثر حديثا من غيره أم لا ؟ ويجوز أن يكون متصلا نظرا إلى المعنى ؛ إذ حديثا وقع تمييزا ، والتمييز كالمحكوم عليه ، فكأنه قال : ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله بن عمرو ، قال الكرماني : وفي بعض الروايات : ما كان أحد أكثر حديثا عنه مني إلا عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب . قوله فإنه الفاء فيه للتعليل والضمير فيه يرجع إلى عبد الله بن عمرو ، قوله كان يكتب جملة وقعت خبرا لإن ، قوله ولا أكتب عطف على قوله فإنه كان يكتب تقديره : وأنا لا أكتب ، وقد روي عن عبد الله بن عمرو قال : استأذنت النبي - عليه الصلاة والسلام - في كتابة ما سمعت منه فأذن لي ، وعنه قال : حفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف مثل ، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه سكن مصر ، وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة ، فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة . وقيل : كان السبب في كثرة حديث أبي هريرة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بعدم النسيان ، والسبب في قلة حديث عبد الله بن عمرو هو أنه كان قد ظفر بجمل من كتب أهل الكتاب ، وكان ينظر فيها ويحدث منها ، فتجنب الأخذ عنه كثير من التابعين ، والله أعلم . قال البخاري : روى عن أبي هريرة نحو من ثمانمائة رجل ، وكان أكثر الصحابة حديثا، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة آلاف وثلاثمائة حديث ، ووجد لعبد الله بن عمرو سبعمائة حديث ، اتفقا على سبعة عشر ، وانفرد البخاري بمائة ومسلم بعشرين . تابعه معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة . أي تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام معمر بن راشد . وأخرج هذه المتابعة عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة . وأخرجها أيضا أبو بكر بن علي المروزي في كتاب العلم ، له عن حجاج بن الشاعر عنه ، عن معمر عنه ، وروى أحمد والبيهقي في المدخل من طريق عمرو بن شعيب ، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم ، قالا : سمعنا أبا هريرة يقول : ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه ، وكنت أعي ولا أكتب . واستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتابة عنه فأذن له ، إسناده حسن . وقال الكرماني : هذه متابعة ناقصة سهلة المأخذ ؛ حيث ذكر المتابع عليه يعني هماما ، ثم إنه يحتمل أن يكون بين البخاري وبين معمر الرجال المذكورون بعينهم ، ويحتمل أن يكون غيرهم كما يحتمل أن يكون من باب التعليق عن معمر . قلت : هذه احتمالات ، والذي ذكرناه هو طريقة أهل هذا الشأن .