1290 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ : وَاأَخَاهُ فَقَالَ عُمَرُ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ؟ الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ : وَاأَخَاهُ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ ، وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ : عَلَامَ تَبْكِي . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيَّ مَنْ يُقَابِلُ الْمَيِّتَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبِيلَةَ ، وَتَكُونُ اللَّامُ فِيهِ بَدَلَ الضَّمِيرِ ، وَالتَّقْدِيرُ : يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ حَيِّهِ ؛ أَيْ قَبِيلَتِهِ . فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : بِبُكَاءِ أَهْلِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ : مَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ يُعَذَّبْ . وَلَفْظُهَا أَعَمُّ . وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْكَافِرِ ، وَعَلَى أَنَّ صُهَيْبًا أَحَدُ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَأَنَّهُ نَسِيَهُ حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهِ عُمَرُ . وَزَادَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَقَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ . . . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى صُهَيْبٍ بُكَاءَهُ لِرَفْعِ صَوْتِهِ بِقَوْلِهِ : وَاأَخَاهْ ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ إِظْهَارَهُ لِذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ عُمَرَ يُشْعِرُ بِاسْتِصْحَابِهِ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فَابْتَدَرَهُ بِالْإِنْكَارِ لِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : إِنْ قِيلَ : كَيْفَ نَهَى صُهَيْبًا عَنِ الْبُكَاءِ ، وَأَقَرَّ نِسَاءَ بَنِي الْمُغِيرَةِ عَلَى الْبُكَاءِ عَلَى خَالِدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ لِصَوْتِهِ مِنْ بَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّةِ خَالِدٍ : مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِه · ص 191 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه · ص 81 48 - حدثنا إسماعيل بن خليل ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، قال : حدثنا أبو إسحاق وهو الشيباني ، عن أبي بردة ، عن أبيه قال : لما أصيب عمر رضي الله عنه جعل صهيب يقول : وا أخاه فقال عمر : أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء الحي . مطابقته للترجمة من حيث التبعية للحديث السابق فإن فيه خاطب عمر صهيبا بقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه وهنا خاطبه بقوله : أما علمت إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول إسماعيل بن خليل أبو عبد الله الخراز قال البخاري : جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين . الثاني علي بن مسهر أبو الحسن القرشي . الثالث أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني واسم أبي سليمان فيروز . الرابع أبو بردة بضم الباء الموحدة اسمه الحارث ويقال : عامر . الخامس أبوه أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه أحدهم مذكور بالكناية مفسر بالنسبة . والحديث أخرجه مسلم أيضا في الجنائز عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، وعن علي بن حجر ، عن شعيب بن صفوان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة به . قوله : أما علمت صريح في أن الحكم ليس خاصا بالكافر . قوله : ببكاء الحي المراد من الحي من يقابل الميت قيل : يحتمل أن يكون المراد به القبيلة ، وتكون اللام فيه بدل الضمير ، والتقدير يعذب ببكاء حيه أي قبيلته فيوافق الرواية الأخرى ببكاء أهله وفي رواية لمسلم عن أبي موسى قال : لما أصيب عمر أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر فقام بحياله يبكي فقال له عمر : على م تبكي أعلي تبكي ؟ قال : إني والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين قال : والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يبكى عليه يعذب قال : فذكرت ذلك لموسى بن طلحة فقال : كانت عائشة تقول : إنما كان أولئك اليهود انتهى . وفي الحديث دلالة على أن صهيبا أحد من سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر رضي الله تعالى عنه ، وقيل : إنما أنكر عمر على صهيب بكاءه لرفع صوته بقوله : وا أخاه ففهم منه أن إظهاره لذلك قبل موت عمر يشعر باستصحابه ذلك بعد وفاته أو زيادته عليه ، فابتدره بالإنكار لذلك . وقال ابن بطال : إن قيل : كيف نهى صهيبا عن البكاء وأقر نساء بني المغيرة على البكاء على خالد كما سيأتي عن قريب ؟ فالجواب أنه خشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهى عنه ، ولهذا قال في قصة خالد : ما لم يكن نقع أو لقلقة . قلت : قوله : يعذب ببكاء الحي لم يرد دمع العين لجوازه على ما جاء في الحديث ، وإنما المراد البكاء الذي يتبعه الندب والنوح ، فإن ذلك إذا اجتمع سمي بكاء ؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه ، قال الخليل : من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن ، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت . قال الجوهري : إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء ، وإذا قصرت أردت الدموع . قال أبو منصور الجواليقي : يقال للبكاء إذا تبعه الصوت والندب بكاء ، ولا يقال للندب إذا خلا عن بكاء بكاء فيكون المراد في الحديث البكاء الذي يتبعه الصوت لا مجرد الدمع والله أعلم .