52 - بَاب قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ : قَدِّمُونِي 1316 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ : قَدِّمُونِي . وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا : يَا وَيْلَهَا ، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا ، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ ، وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ ) أَيِ السَّرِيرِ ( قَدِّمُونِي ) أَيْ : إِنْ كَانَ صَالِحًا . ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ قَبْلَ بَابٍ . قَوْلُهُ : ( إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجِنَازَةِ نَفْسُ الْمَيِّتِ ، وَبِوَضْعِهِ جَعْلُهُ فِي السَّرِيرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ السَّرِيرَ ، وَالْمُرَادُ : وَضْعُهَا عَلَى الْكَتِفِ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ . . . . فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَيِّتُ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ : إِذَا وُضِعَ الْمُؤْمِنُ عَلَى سَرِيرِهِ يَقُولُ : قَدِّمُونِي . الْحَدِيثَ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ الْجَسَدُ الْمَحْمُولُ عَلَى الْأَعْنَاقِ . وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ الرُّوحُ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الرُّوحَ إِلَى الْجَسَدِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي بُشْرَى الْمُؤْمِنِ وَبُؤْسِ الْكَافِرِ . وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ ، وَزَادَ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ الْحَالُ بَعْدَ إِدْخَالِ الْقَبْرِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ . قُلْتُ : وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى إِعَادَةِ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ قَبْلَ الدَّفْنِ ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ النُّطْقَ فِي الْمَيِّتِ إِذَا شَاءَ . وَكَلَامُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَصْوَبُ . وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِلِسَانِ الْقَالِ لَا بِلِسَانِ الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : غَيْرَ صَالِحَةٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ لِأَهْلِهَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لِأَجْلِ أَهْلِهَا إِظْهَارًا لِوُقُوعِهِ فِي الْهَلَكَةِ ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي الْهَلَكَةِ دَعَا بِالْوَيْلِ . وَمَعْنَى النِّدَاءِ : يَا حُزْنِي . وَأَضَافَ الْوَيْلَ إِلَى ضَمِيرِ الْغَائِبِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضِيفَ الْوَيْلَ إِلَى نَفْسِهِ ، أَوْ كَأَنَّهُ لَمَّا أَبْصَرَ نَفْسَهُ غَيْرَ صَالِحَةٍ نَفَرَ عَنْهَا ، وَجَعَلَهَا كَأَنَّهَا غَيْرُهُ . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَةِ : قَالَ : يَا وَيْلَتَاهُ ، أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ . قَوْلُهُ : ( لَصَعِقَ ) أَيْ لَغُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَسْمَعُهُ ، وَرُبَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْتِ ، وَالضَّمِيرُ فِي ( يَسْمَعُهُ ) رَاجِعٌ إِلَى دُعَائِهِ بِالْوَيْلِ ؛ أَيْ يَصِيحُ بِصَوْتٍ مُنْكَرٍ ، لَوْ سَمِعَهُ الْإِنْسَانُ لَغُشِيَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَيِّتِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ صَالِحٍ ، وَأَمَّا الصَّالِحُ فَمِنْ شَأْنِهِ اللُّطْفُ وَالرِّفْقُ فِي كَلَامِهِ ، فَلَا يُنَاسِبُ الصَّعْقُ مِنْ سَمَاعِ كَلَامِهِ . انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الصَّعْقُ مِنْ سَمَاعِ كَلَامِ الصَّالِحِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْلُوفٍ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْأَهْوَالِ بِلَفْظِ : لَوْ سَمِعَهُ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ مِنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ . فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولَ دَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّعْقِ عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ الصَّالِحِ أَيْضًا ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا مَعَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ : فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً فَيُصْعَقُ صَعْقَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ . وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْمَيِّتُ وَالصَّعْقُ ، وَالْأَوَّلُ اسْتُثْنِيَ فِيهِ الْإِنْسُ فَقَطْ ، وَالثَّانِي اسْتُثْنِيَ فِيهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ . وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْمَيِّتِ بِمَا ذُكِرَ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الصَّعْقِ - وَهُوَ الْفَزَعُ - إِلَّا مِنَ الْآدَمِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَأْلَفْ سَمَاعَ كَلَامِ الْمَيِّتِ ، بِخِلَافِ الْجِنِّ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا الصَّيْحَةُ الَّتِي يَصِيحُهَا الْمَضْرُوبُ ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ جَمِيعًا ، لِكَوْنِ سَبَبِهَا عَذَابَ اللَّهِ ، وَلَا شَيْءَ أَشَدُّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فَاشْتَرَكَ فِيهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْمَيِّتِ يَسْمَعُهُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٍ وَغَيْرِ نَاطِقٍ ، لَكِنْ قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : هُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَإِنَّ الْمَعْنَى : يَسْمَعهُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ رُوحٌ ، وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الرُّوحَ مَنْ هُوَ رُوحٌ مِثْلُهُ . وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ إِذْ لَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّخْصِيصِ ، بَلْ لَا يُسْتَثْنَى إِلَّا الْإِنْسَانُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ الْإِنْسَانُ بِذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ ، وَبِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ إِنْطَاقِ اللَّهِ الْجَسَدَ بِغَيْرِ رُوحٍ كَمَا تَقَدَّمَ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ قَدِّمُونِي · ص 220 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الميت وهو على الجنازة قدموني · ص 114 باب قول الميت وهو على الجنازة قدموني أي : هذا باب في بيان قول الميت وهو على النعش قدموني ، وهذا القول إذا كان صالحا . 73 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثنا سعيد ، عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت : قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها : يا ويلها أين يذهبون بها ، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ، ولو سمع الإنسان لصعق . مطابقته للترجمة في قول الجنازة قدموني ، ورجاله مضوا غير مرة ، وسعيد المقبري يروي عن أبيه كيسان ، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه ، والحديث مر في الباب الذي قبل الباب السابق ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . قوله : إذا وضعت الجنازة فيه احتمالان : الأول أن يكون المراد من الجنازة نفس الميت وبوضعه جعله على السرير . والثاني أن يكون المراد النعش ووضعها على الأعناق ، والظاهر هو الأول ، ويؤيده رواية عبد الرحمن ابن مولى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : أوصى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذا أنا مت فلا تضربوا علي فسطاطا ولا تتبعوني بنار ، وأسرعوا بي ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن المؤمن إذا وضع على سريره قال : قدموني قدموني ، فإن الكافر إذا وضع على سريره قال : يا ويله أين تذهبون به . رواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد ، عن عبد الرحمن إلى آخره . وقال ابن بطال : إنما يقول ذلك الروح ، ورد عليه بأنه لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤسا للكافر ، وأجيب بأن دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن يحتاج إلى دليل والله عز وجل قادر على أن يحدث نطقا في الميت إذا شاء . وقال ابن بزيزة في قوله : يسمع صوتها كل شيء هو بلسان المقال لا بلسان الحال ، وكذا قال في قوله : لصعق أنه مختص بالميت الذي هو غير صالح ، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق في كلامه فلا يناسب الصعق من سماع كلامه . قوله : وإن كانت غير ذلك وفي رواية الكشميهني وإن كانت غير صالحة واستدل بالحديث المذكور على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان غير الإنسان ، وقال ابن بطال : المعنى يسمعها من له عقل كالملائكة والجن ؛ لأن المتكلم روح إنما يسمع الروح من هو مثله ، ورد بأنه لا مانع من إنطاق الله تعالى الجسد بغير روح وهو على كل شيء قدير .