5 - بَاب أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ 11 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) هُوَ مُنَوَّنٌ ، وَفِيهِ مَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ ) هُوَ بُرَيْدٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرا ، وَشَيْخُهُ جَدُّهُ وَافَقَهُ فِي كُنْيَتِهِ لَا فِي اسْمِهِ ، وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا بِلَفْظِ قُلْنَا ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيِّ ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى هَذَا بِلَفْظِ قُلْتُ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّائِلَ أَبُو مُوسَى ، وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ صَرَّحَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَرَادَ نَفْسَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، إِذِ الرَّاضِي بِالسُّؤَالِ فِي حُكْمِ السَّائِلِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : أَرَادَ أَنَّهُ وَإِيَّاهُمْ . وَقَدْ سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ أَيْضًا أَبُو ذَرٍّ ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَعُمَيْرُ بْنُ قَتَادَةَ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَيُّ الْإِسْلَامِ ) إِنْ قِيلَ الْإِسْلَامُ مُفْرَدٌ ، وَشَرْطُ أَيِّ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى مُتَعَدِّدٍ . أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ : أَيُّ ذَوِي الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ ؟ وَالْجَامِعُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْمُسْلِمِ حَاصِلَةٌ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ . وَهَذَا التَّقْدِيرُ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا : أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ . وَإِنَّمَا قُلْتُ إِنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ سُؤَالٌ آخَرُ بِأَنْ يُقَالَ : سُئِلَ عَنِ الْخِصَالِ فَأَجَابَ بِصَاحِبِ الْخَصْلَةِ ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ ؟ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يَتَأَتَّى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ الْآيَةَ ، وَالتَّقْدِيرُ : بِأَيِّ ذَوِي الْإِسْلَامِ يَقَعُ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ خِصَالِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِسْلَامِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ حَصَلَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَبُولِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَتَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِمَا قَبْلَهُمَا مِنْ تَعْدَادِ أُمُورِ الْإِيمَانِ ، إِذِ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ عِنْدَهُ مُتَرَادِفَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : لِمَ جَرَّدَ أَفْعَلَ هُنَا عَنِ الْعَمَلِ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَذْفَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ جَائِزٌ ، وَالتَّقْدِيرُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ اسْمُ جَدِّهِ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ ، وَنَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ قُرَشِيًّا بِالنِّسْبَةِ الْأَعَمِّيَّةِ . يُكَنَّى أَبَا أَيُّوبَ . وَفِي طَبَقَتِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَحَدِيثُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَكْثَرُ مِنْ حَدِيثِ الْأُمَوِيِّ ، وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ يَرْوِي عَنْهُ يُسَمَّى سَعِيدًا فَافْتَرَقَا . وَفِي الْكِتَابِ مِمَّنْ يُقَالُ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ اثْنَانِ أَيْضًا ، لَكِنْ مِنْ طَبَقَةٍ فَوْقَ طَبَقَةِ هَذَيْنِ ، وَهُمَا : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ السَّابِقُ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَالِ أَوَّلَ الْكِتَابِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ أَبُو حَيَّانَ ، وَيَمْتَازُ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ بِالْكُنْيَةِ . وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ · ص 70 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب أي الإسلام أفضل · ص 35 فصل خرج البخاري : 11 - من حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن جده أبي بردة ، عن أبيه أبي موسى قال : قالوا : يا رسول الله ، أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وخرجه مسلم أيضا . وخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، كما تقدم ذكره . فعلى هذه الرواية : أي المسلمين خير ؟ وفي رواية أبي موسى : أي الإسلام أفضل ؟ قال ابن رجب : والذي ظهر لي في الفرق بين خير و أفضل أن لفظة أفضل إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل ، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به ، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل واختص عنه بفضل زائد فهو ذاك . وأما لفظة خير فتستعمل في شيئين في كل منهما نوع من الخير أرجح مما في الآخر ، سواء كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعه أو غير ذلك ، وإن اختلف جنساهما فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة خير . فيقال مثلا : النفع المتعدي خير من النفع القاصر ، وإن كان جنسهما مختلفا . ويقال : زيد أفضل من عمرو ، إذا اشتركا في علم أو دين ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة . وإن استعمل في النوع الأول لفظة أفضل مع اختلاف الجنسين ، فقد يكون المراد أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر وأزيد منه ، فقد وقع الاشتراك في الثواب ، وامتاز أحدهما بزيادة منه . وحينئذ فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره ممن ليس كذلك ؛ لاشتراكهما في الإتيان بحقوق الله في الإسلام من الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين ، فصار هذا الإسلام أفضل من ذاك . وأما المسلم فيقال : هذا أفضل من ذاك ؛ لأن إسلامه أفضل من إسلامه . ويقال : هو خير من ذاك ؛ لترجح خيره على خير غيره وزيادته عليه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب أي الإسلام أفضل · ص 134 باب أي الإسلام أفضل يجوز في باب التنوين ، وتركه للإضافة إلى ما بعده ، وعلى كل التقدير ، أي : بالرفع لا غير ، وفي الوجهين ، هو خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب ، ويجوز التسكين فيه من غير إعراب ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالتركيب ، والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن كليهما في بيان وصف خاص من أوصاف المسلم ، وذكر جزء الحديث لأجل التبويب . 1 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله ، أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . الحديث مطابق للترجمة فإنه أخذ جزءا منه ، وبوب عليه . ( بيان رجاله ) : وهم خمسة : الأول : سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي ، يكنى بأبي عثمان ، وهو شيخ الجماعة ما خلا ابن ماجه ، وروى عنه عبد الله بن أحمد ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وإبراهيم الحربي ، والبغوي ، وخلق كثير ، توفي سنة تسع ، وأربعين ومائتين . قال أبو حاتم : صدوق ، وقال النسائي ، ويعقوب بن سفيان : سعيد وأبوه يحيى ثقتان ، وقال علي بن المديني : هو أثبت من أبيه ، وقال صالح بن محمد ، هو ثقة ، إلا أنه كان يغلط ، والعاصي قتل يوم بدر كافرا ، وأبان أخوه عمرو الأشدق . الثاني : أبوه يحيى بن سعيد المذكور ، سمع يحيى الأنصاري ، وهشام بن عروة ، ويزيد ، وآخرين . قال ابن معين : هو من أهل الصدق ، وليس به بأس ، وقال يعقوب بن سفيان : ثقة ، توفي سنة أربع وسبعين ومائة بعد أن بلغ الثمانين ، روى له الجماعة ، ويحيى بن سعيد في الكتب الستة أربعة : الأول : هذا ، والثاني : يحيى بن سعيد التيمي ، والثالث : يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري ، والرابع : يحيى سعيد بن فروخ القطان . الثالث : أبو بردة ، بضم الباء الموحدة ، وسكون الراء ، واسمه بريد ، بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الكوفي ، يروي عن أبيه ، وجده ، والحسن ، وعطاء ، وعنه ابن المبارك ، وغيره من الأعلام ، وثقه ابن معين ، وقال أبو حاتم : ليس بالمتقن يكتب حديثه ، وقال النسائي : ليس بذلك القوي ، وقال أحمد بن عبد الله : كوفي ثقة ، روى له الجماعة ، وليس في الكتب الستة بريد غير هذا ، وفي الأربعة بريد ابن أبي مريم مالك ، وفي مسند علي النسائي بريد بن أصرم مجهول كما قال البخاري ، وليس في الصحابة من اسمه بريد ، ويشتبه بريد بأربعة أشياء ، وهم يزيد ، وبريد ، وبزيد ، وتريد . الرابع : أبو بردة . بضم الباء الموحدة مثل الأول ، وهو جد أبي بردة بريد ، وافقه في كنيته لا في اسمه ، فإن اسم الأول : بريد كما قلنا ، واسم جده هذا عامر ، وقيل : الحارث سمع أباه ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وابن سلام ، وعائشة ، وغيرهم روى عنه عمر بن عبد العزيز ، والشعبي ، وبنوه أبو بكر ، وعبد الله ، وسعيد ، وبلال ، وابن ابنه بريد بن عبد الله . قال أبو نعيم : ولي أبو بردة قضاء الكوفة بعد شريح . قال الواقدي : توفي بالكوفة سنة ثلاث ومائة ، وقال ابن سعيد قيل : إنه توفي هو والشعبي في جمعة ، وكان ثقة كثير الحديث ، روى له الجماعة ، وفي الصحابة : أبو بردة سبعة ، منهم : ابن نيار البلوي هاني أو الحارث أو مالك . وفي الرواة ، هو أبو بردة بريد المذكور . الخامس : أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليمان ، بضم السين بن حضار ، بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الضاد المعجمة ، وقيل : بكسر الحاء ، وتخفيف الضاد الأشعري الصحابي الكبير ، استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على زبيد ، وعدن ، وساحل اليمن ، واستعمله عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة ، والبصرة ، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن ، وخطبة عمر بالجابية ، وقدم دمشق على معاوية ، له ثلاثمائة وستون حديثا ، اتفقا منها على خمسين ، وانفرد البخاري بأربعة ، ومسلم بخمسة عشر ، روى عنه أنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وخلق من التابعين ، وبنوه أبو بردة ، وأبو بكر ، وإبراهيم ، وموسى ، مات بمكة أو بالكوفة سنة خمس أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين سنة ، وكان من علماء الصحابة ، ومفتيهم وأبو موسى في الصحابة أربعة : هذا ، والأنصاري ، والغافقي مالك بن عبادة أو ابن عبد الله ، وأبو موسى الحكمي ، وفي الرواة أبو موسى جماعة منهم في سنن أبي داود ، اثنان ، وآخر في سنن النسائي ، والله أعلم . ( بيان الأنساب ) القرشي نسبة إلى قريش ، وهو فهر بن مالك ، وقد ذكرناه ، والأموي بضم الهمزة نسبة إلى أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، وأمية تصغير أمة ، والنسبة إليه أموي بالضم . قال ابن دريد : ومن فتحها فقد أخطأ ، وكان الأصل فيه أن يقال أميي بأربع ياءات ، لكن حذفت الياء الزائدة للاستثقال كما تحذف من سليم وثقيف عند النسبة ، وقلبت الياء الأولى واوا كراهة اجتماع الياءات مع الكسرتين ، وحكى سيبويه قال : زعم يونس أن ناسا من العرب يقولون أميي فلا يغيرون ، وسمعنا من العرب من يقول أموي بالفتح ، وأمية أيضا بطن من الأنصار ، وهو أمية بن زيد بن مالك ، وفي قضاعة ، وهو أمية بن عصبة ، وفي طيئ ، وهو أمية بن عدي بن كنانة . والأشعري نسبة إلى الأشعر ، وهو نبت بن أدد ، وقيل : له الأشعر ؛ لأن أمه ولدته أشعر ، منهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المشاهير أبو موسى الأشعري رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن إسناده كلهم كوفيون ، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة فقط ، ومنها أنه ذكر في سعيد بن يحيى شيخه القرشي ، ولم يقل : الأموي مع كون الأموي أشهر في نسبته نظرا إلى النسبة الأعمية . ومنها أن فيه راويان متفقان في الكنية أحدهما أبو بردة بريد ، والآخر أبو بردة عامر أو الحارث كما ذكرنا ، وهو شيخ الأول وجده . ( بيان من أخرجه غيره ) هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه بلفظه ، وأخرجه أيضا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن أبي أسامة ، عن أبي بردة ، وفيه ، أي : المسلمين أفضل ؟ وأخرجه في الإيمان ، وكذا أخرجه النسائي فيه ، وأخرجه الترمذي في الزهد . ( بيان الإعراب ) . قوله : أي الإسلام ؟ كلام إضافي مبتدأ ، وقوله أفضل خبره ، وأي هاهنا للاستفهام ، وقد علم أن أقسامه على خمسة أوجه . شرط نحو : أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى . أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على . وموصول نحو لننزعن من كل شيعة أيهم أشد . التقدير : لننزعن الذي هو أشد ، وصفة للنكرة نحو زيد رجل أي رجل ، أي : كامل في صفات الرجال ، وحال للمعرفة كقولك مررت بعبد الله أي رجل . ووصلة إلى ما فيه أل نحو : يا أيها الرجل . والخامس : الاستفهام نحو : أيكم زادته هذه إيمانا . فبأي حديث بعده يؤمنون . ومنه الحديث ، فإن قيل : شرط أن تدخل على متعدد ، وهاهنا دخلت على مفرد ؛ لأن نفس الإسلام لا تعدد فيه . قلت فيه حذف تقديره : أي أصحاب الإسلام أفضل ، ويؤيد هذا التقدير رواية مسلم : أي المسلمين أفضل ؟ وقد قدر الشيخ قطب الدين ، والكرماني في ( شرحيهما ) ، أي : خصال الإسلام أفضل ، وهذا غير موجه ؛ لأن الاستفهام عن الأفضلية في المسلمين ، لا عن خصال الإسلام بدليل رواية مسلم ، ولأن في تقديرهما لا يقع الجواب مطابقا للسؤال . فإن قيل : أفضل أفعل التفضيل ، وقد علم أنه لا بد أن يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة ، وهي الإضافة ، ومن ، واللام . قلت : قد يجرد من ذلك كله عند العلم به كما في قوله تعالى : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى أي : أخفى من السر ، وقولك : الله أكبر ، أي : أكبر من كل شيء ، والتقدير هاهنا : أفضل من غيره ، ومعنى الأفضل هو الأكثر ثوابا عند الله تعالى ، كما تقول : الصدق أفضل من غيره ، أي : هو أكثر ثوابا عند الله تعالى من غيره . قوله : من سلم... إلى آخره مقول القول . فإن قلت : مقول القول يكون جملة ؟ قلت : ، هو أيضا جملة ؛ لأن تقدير الكلام : هو من سلم... إلى آخره ، فالمبتدأ محذوف ، ومن موصولة ، وسلم المسلمون من لسانه ويده صلتها ، وفيه العائد . ( بيان المعاني وغيره ) فيه وقوع المبتدأ والخبر معرفتين الدال على الحصر ، وهو على ثلاثة أقسام : عقلي كالعدد للزوجية ، والفردية ، ووقوعي كحصر الكلمة على ثلاثة أقسام ، وجعلي كحصر الكتاب على مقدمة ، ومقالات أو كتب أو أبواب وخاتمة ، ويسمى هذا ادعائيا أيضا . والحديث من هذا القسم . قوله : قال فاعله أبو موسى الأشعري . قوله : قالوا فاعله جماعة معهودون ، ووقع في رواية مسلم ، والحسن بن سفيان ، وأبي يعلى في ( مسنديهما ) عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري بإسناده المذكور بلفظ : قلنا ، ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمد القباني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى المذكور بلفظ قلت ، فتعين من هذا أن السائل هو أبو موسى وحده ، ومن رواية مسلم أن أبا موسى أحد السائلين ، ولا تنافي بين هذه الروايات ؛ لأن في رواية البخاري أخبر عن جماعة ، هو داخل فيهم ، وفي رواية مسلم صرح بأنه أحد الجماعة السائلين . فإن قلت : : بين رواية : قالوا ، وبين رواية : قلت منافاة ؟ قلت : لا ، لإمكان التعدد ، فمرة كان السؤال منهم ، فحكى سؤالهم ، ومرة كان منه فحكى سؤال نفسه ، وقد سأل هذا السؤال أيضا اثنان من الصحابة : أحدهما أبو ذر ، حديثه عند ابن حبان ، والآخر عمير بن قتادة ، حديثه عند الطبراني . قوله : من سلم قد ذكرنا أنه جواب . قال الكرماني : فإن قلت : سألوا عن الإسلام ، أي : الخصلة ، فأجاب بمن سلم ، أي : ذي الخصلة حيث قال : من سلم ، ولم يقل : هو سلامة المسلمين من لسانه ويده ، فكيف يكون الجواب مطابقا للسؤال ؟ قلت : هو جواب مطابق ، وزيادة من حيث المعنى ؛ إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة ، وذلك نحو قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ أو أطلق الإسلام وأراد الصفة ، كما يقال العدل ، ويراد العادل ، فكأنه قال : أي المسلمين خير ؟ كما في بعض الروايات : أي المسلمين خير ؟ قلت : هذا التعسف كله لأجل تقديره ، أي : خصال الإسلام أفضل ، ولو قدر بما قدرناه لاستغنى عن هذا السؤال ، والجواب فافهم .