1351 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ : مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا . فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَطَاءٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ( عَنْ جَابِرٍ ) هَكَذَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ حُسَيْنٍ ، وَلَمْ أَرَهُ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الْكَثِيرِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى جَابِرٍ إِلَّا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ عَزَّ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَخْرَجُهُ ، فَأَخْرَجَهُ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ، وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ فَقَالَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ . وَقَالَ بَعْدَهُ : لَيْسَ أَبُو نَضْرَةَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . قَالَ : وَرِوَايَتُهُ عَنْ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَزِيزَةٌ جِدًّا . قُلْتُ : وَطَرِيقُ سَعِيدٍ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ ، أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَاحْتَمَلَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ لِبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ فِيهِ شَيْخَانِ ، إِلَى أَنْ رَأَيْتُهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ ، قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ بِشْرٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو الْأَشْعَثِ ، عَنْ بِشْرٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي الْإِكْلِيلِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى جَابِرٍ وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ سَوَاءٌ ، فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حِينَئِذٍ أَنَّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَ وَهْمًا ، لَكِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي مِمَّنْ هُوَ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَشْعَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَقَّبَ هَذِهِ الطَّرِيقَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ مُخْتَصَرًا لِيُوَضِّحَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مَا أُرَانِي ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى الظَّنِّ ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ سَبَبَ ظَنِّهِ ذَلِكَ مَنَامٌ رَآهُ ، أَنَّهُ رَأَى مُبَشِّرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ - وَكَانَ مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ - يَقُولُ لَهُ : أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : هَذِهِ الشَّهَادَةُ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ : إِنِّي مُعَرِّضٌ نَفْسِي لِلْقَتْلِ . الْحَدِيثَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَارَةً إِلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ سَيُقْتَلُ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( وَإنَّ عَلَيَّ دَيْنًا ) سَيَأْتِي مِقْدَارُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَاقْضِ ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ : فَاقْضِهِ . قَوْلُهُ : ( بِأَخَوَاتِكَ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذِكْرِ عِدَّتِهِنَّ ، وَمَنْ عُرِفَ اسْمُهَا مِنْهُنَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ ) هُوَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَكَانَ صَدِيقَ وَالِدِ جَابِرٍ وَزَوْجِ أُخْتِهِ هِنْدِ بِنْتِ عَمْرٍو ، وَكَأَنَّ جَابِرًا سَمَّاهُ عَمُّهُ تَعْظِيمًا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ : اجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُمَا كَانَا مُتَصَادِقَيْنِ فِي الدُّنْيَا . وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَأَتْ هِنْدَ بِنْتَ عمر تَسُوقُ بَعِيرًا لَهَا عَلَيْهِ زَوْجُهَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ ، وَأَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ لِتَدْفِنَهُمَا بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّ الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ : إِنَّ قَوْلَهُ : وَعَمِّي وَهَمٌ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ مَحْمَلًا سَائِغًا ، وَالتَّجَوُّزُ فِي مِثْلِ هَذَا يَقَعُ كَثِيرًا . وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ : وَعَمِّي تَصْحِيفٌ مِنْ عَمْرٍو ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قُتِلَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَابْنُ أَخِيهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُعِلَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : لَيْسَ هُوَ ابْنُ أَخِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَمِّهِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ) أَيْ : مِنْ يَوْمِ دَفْنِهِ ، وَهَذَا يُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا ، وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ ، وَكَانَ بَيْنَ أُحُدٍ وَيَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ دَفَنَ أَبَاهُ فِي قَبْرٍ وَحْدَهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَفِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ قُرْبَ الْمُجَاوَرَةِ ، أَوْ أَنَّ السَّيْلَ خَرَقَ أَحَدَ الْقَبْرَيْنِ ، فَصَارَا كَقَبْرٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ الْقِصَّةَ فِي الْمَغَازِي ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالُوا : لَمَّا ضَرَبَ مُعَاوِيَةُ عَيْنَهُ الَّتِي مَرَّتْ عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ انْفَجَرَتِ الْعَيْنُ عَلَيْهِمْ فَجِئْنَا فَأَخْرَجْنَاهُمَا - يَعْنِي عَمْرًا ، وَعَبْدَ اللَّهِ - وَعَلَيْهِمَا بُرْدَتَانِ قَدْ غُطِّيَ بِهِمَا وُجُوهُهُمَا ، وَعَلَى أَقْدَامِهِمْا شَيْءٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ ، فَأَخْرَجْنَاهُمَا يَتَثَنَّيَانِ تَثَنِّيًا كَأَنَّهُمَا دُفِنَا بِالْأَمْسِ . وَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ ) وَقَالَ عِيَاضٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي السَّكَنِ ، وَالنَّسَفِيِّ : غَيْرَ هُنَيَّةٍ فِي أُذُنِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ بِتَقْدِيمِ : غَيْرَ وَزِيَادَةِ : فِي ، وَفِي الْأَوَّلِ تَغْيِيرٌ ، قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : هُنَيَّةً ؛ أَيْ شَيْئًا يَسِيرًا ، وَهُوَ بِنُونٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مُصَغَّرًا ، وَهُوَ تَصْغِيرُ هَنَةٍ ؛ أَيْ : شَيْءٍ ، فَصَغَّرَهُ لِكَوْنِهِ أَثَرًا يَسِيرًا . انْتَهَى . وَقَدْ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ سِيَاقِهِ بِلَفْظِ الْأَكْثَرِ . إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ . قُلْتُ : وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيٍّ ، لَكِنْ يَبْقَى فِي الْكَلَامِ نَقْصٌ ، وَيُبَيِّنُهُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ غَسَّانَ بْنِ مُضَرَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ : وَهُوَ كَيَوْمِ دَفَنْتُهُ ، إِلَّا هُنَيَّةً عِنْدَ أُذُنِهِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِرِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ الَّتِي صَوَّبَهَا عِيَاضٌ . وَجَمَعَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ بَيْنَ لَفْظِ : غَيْرَ وَلَفْظِ : عِنْدَ فَقَالَ : غَيْرَ هُنَيَّةٍ عِنْدَ أُذُنِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا : فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ . سَقَطَ مِنْهَا لَفْظُ هُنَيَّةٍ وَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْمَعْنَى . وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ فِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، وَالْمُرَادُ بِالْأُذُنِ بَعْضُهَا . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ فِي رِوَايَتِهِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ مَنْصُوبَةٌ ثُمَّ هَاءُ الضَّمِيرِ ، أَيْ : عَلَى حَالَتِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ ، بِلَفْظِ : غَيْرَ أَنَّ طَرَفَ أُذُنِ أَحَدِهِمْ تَغَيَّرَ ، وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ : إِلَّا قَلِيلًا مِنْ شَحْمَةِ أُذُنِهِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ : إِلَّا شَعَرَاتٍ كُنَّ مِنْ لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ . وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ الشَّعَرَاتُ الَّتِي تَتَّصِلُ بِشَحْمَةِ الْأُذُنِ ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ سَبَبَ تَغَيُّرِ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ مَثَّلُوا بِهِ ، فَجَدَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ ، الْحَدِيثَ . وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَطَعُوا بَعْضَ أُذُنَيْهِ لَا جَمِيعَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يُخْرَجُ الْمَيِّتُ مِنْ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّة · ص 256 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة · ص 165 107 - حدثنا مسدد قال : أخبرنا بشر بن المفضل قال : حدثنا حسين المعلم ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه قال : لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن علي دينا فاقض ، واستوص بأخواتك خيرا ، فأصبحنا فكان أول قتيل ، ودفن معه آخر في قبر ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه . مطابقته للترجمة في قوله فاستخرجته ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، والمفضل بضم الميم وتشديد الضاد المعجمة ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، وقال الجياني : كذا روي هذا الإسناد عن البخاري ، إلا أبا علي بن السكن وحده ، فإنه قال في روايته : شعبة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن جابر ، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث عن بشر بن المفضل فقال : سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، وقال بعده : ليس أبو نضرة من شرط البخاري . قال : وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدا ، وأخرجه أبو داود ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة ، عن أبي نضرة ، عن جابر قال : دفن مع أبي رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة ، فأخرجته بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئا إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض ، وأبو نضرة المنذر بن مالك العوفي ، وأخرجه أيضا ابن سعد ، والحاكم ، والطبراني من طريق سعيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر رضي الله تعالى عنه . ( ذكر معناه ) قوله : ( لما حضر أحد ) أي وقعة أحد ، وإسناد الحضور إليه مجازي ، وكانت وقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال ، وقال مالك : كانت أحد وخيبر في أول النهار ، قوله : ( ما أراني ) بضم الهمزة أي ما أظنني ، أي ما أظن نفسي ، وذكر الحاكم في ( مستدركه ) عن الواقدي أن سبب ظنه ذلك منام رآه أنه رأى مبشر بن عبد الله المنذر ، وكان ممن استشهد ببدر ، يقول له : أنت قادم علينا في هذه الأيام ، فقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هذه شهادة ، وفي رواية أبي علي بن السكن ، عن أبي نضرة ، عن جابر أن أباه قال له : إني معرض نفسي للقتل الحديث ، وقال ابن التين : إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه ، وإنما قال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إشارة إلى ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعض أصحابه سيقتل ، قوله : ( فإن علي دينا ) كانت عليه أوسق تمر ليهودي ، قوله : ( فاقض ) من قضى يقضي أي أد الدين ، ويروى فاقضه بذكر الضمير الذي هو المفعول ، قوله : ( واستوص ) أي اطلب الوصل بأخواتك خيرا ، يقال : وصيت الشيء بكذا إذا وصلته به ، قال ابن بطال : أي اقبل وصيتي بالخير إليهن ، وكانت له تسع أخوات باختلاف فيه ، فوكد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير ، فوجب لهن حق القرابة ، وحق وصية الأب ، وحق اليتيم ، وحق الإسلام ، وفي ( الصحيح ) : لما قال له صلى الله عليه وسلم : تزوجت بكرا أم ثيبا قال : بل ثيبا فقال : هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ؟ قال : إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن فلم ينكر عليه ذلك ، قوله : ( أن أتركه ) أن مصدرية ، أي لم تطب نفسي تركه مع الآخر ، وهو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري ، وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو ، فكان جابر سماه عما تعظيما ، وقال ابن إسحاق في المغازي : حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح : اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا ، وفي مغازي الواقدي عن عائشة : أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيرا لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنها بالمدينة ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برد القتلى إلى مضاجعهم . وروى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث أبي قتادة قال : قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلا في قبر واحد ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : ليس هو ابن أخيه ، وإنما هو ابن عمه ، قوله : ( فاستخرجته بعد ستة أشهر ) أي من يوم دفنته . ( فإن قلت ) : وقع في ( الموطأ ) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة له بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاري كانا قد حفر السيل قبرهما ، وكانا في قبر واحد ، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما ، فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة ، انتهى . وهذا يخالف ما ذكره جابر . ( قلت ) : أجاب ابن عبد البر بتعدد القصة ، ورد عليه بعضهم بقوله : لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر واحد بعد ستة أشهر ، وفي حديث ( الموطأ ) : أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة ، فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة ، أو أن السيل غرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد . ( قلت ) : فيه ما لا يخفى ، والأوجه أن يقال المنقول عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بلاغ فلا يقاوم المروي عن جابر رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فإذا هو ) كلمة إذا للمفاجأة ، وقوله هو مبتدأ وخبره قوله : ( كيوم وضعته ) بإضافة يوم إلى وضعته ، والكاف بمعنى المثل ، واليوم بمعنى الوقت ، قوله : ( هنية ) بضم الهاء وتشديد الياء آخر الحروف مصغر هنا أي قريبا ، وانتصابه على الحال ، وقوله : ( غير إذنه ) مستثنى مما قبله ، وحاصل المعنى استخرجت أبي من قبره ففاجأته قريبا مثل الوقت الذي وضعته فيه غير أن أذنه تغير بسبب التصاقها بالأرض ، وهذا المذكور هو رواية المروزي والجرجاني وأبي ذر ، وفي رواية ابن السكن والنسفي : كيوم وضعته في القبر غير هنية في أذنه يريد غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه ، وهذا هو الصواب ، وحكى ابن التين : أنه في روايته بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة ثم تاء مثناة من فوق ثم هاء الضمير ومعناه على حالته ، ووقع في رواية ابن أبي خيثمة والطبراني من طريق غسان بن نصر عن أبي سلمة بلفظ : وهو كيوم دفنته إلا هنية عند أذنيه ، ووقع في رواية أبي نعيم من طريق الأشعث : غير هنية عند أذنه ، ووقع في رواية الحاكم : فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه سقط منه لفظ هنية ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع في أفراد البخاري ، ووقع في رواية ابن السكن من طريق شعبة عن أبي مسلمة بلفظ : غير أن طرف أذن أحدهم تغير ، ووقع في رواية ابن سعد من طريق أبي هلال عن أبي مسلمة : إلا قليلا من شحمة أذنه ، ووقع في رواية أبي داود ، وقد ذكرناها من طريق حماد بن زيد عن أبي مسلمة : إلا شعيرات كن من لحيته مما يلي الأرض . ( فإن قلت ) : ما وجه رواية أبي داود بالنسبة إلى الروايات المذكورة ؟ ( قلت ) : المراد بالشعيرات التي تتصل بشحمة الأذن . ( فإن قلت ) : روى الطبراني بإسناد صحيح عن محمد بن المنكدر عن جابر أن أباه قتل يوم أحد ثم مثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه الحديث ، ( قلت ) : يحمل هذا على أنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما فافهم .