1396 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، قَالَ : مَا لَهُ ؟ مَا لَهُ ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَبٌ مَا لَهُ ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ . وَقَالَ بَهْزٌ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَقَوْلُهُ فِيهِ : عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ . الْإِبْهَامُ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي عَنْ شُعْبَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ هَذَا الرَّجُلِ عَمْرٌو ، وَكَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِ مُحَمَّدًا ، وَكَانَ الْحُذَّاقُ مِنْ أَصْحَابِهِ يُبْهِمُونَهُ ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : مُحَمَّدٌ ، كَمَا قَالَ شُعْبَةُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي طَرِيقِ بَهْزٍ الَّتِي عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا ، وَوَصَلَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْآتِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْآتِي ذِكْرُهَا : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) هَذَا الرَّجُلُ حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ الرَّاوِي ، وَغَلَّطَهُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ . وَفِي التَّغْلِيطِ نَظَرٌ ، إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي نَفْسَهُ لِغَرَضٍ لَهُ ، وَلَا يُقَالُ يُبْعِدُ ، لِوَصْفِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ بِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا ، لِأَنَّا نَقُولُ : لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، فَيَكُونُ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ هُوَ نَفْسُهُ ؛ لِقَوْلِهِ : إِنَّ رَجُلًا ، وَالسَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَعْرَابِيٌّ آخَرُ قَدْ سُمِّيَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وأَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ وَغَيْرِهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ ، قَالَ : انْطَلَقْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ الْمُنْتَفِقِ ، وَهُوَ يَقُولُ : وُصِفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَلَبْتُهُ فَلَقِيتُهُ بِعَرَفَاتٍ ، فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ لِي : إِلَيْكَ عَنْهُ ، فَقَالَ : دَعُوا الرَّجُلَ ، أَرَبٌ مَا لَهُ . قَالَ : فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ حَتَّى خَلَصْتُ إِلَيْهِ ، فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ فَمَا غَيَّرَ عَلَيَّ ، قَالَ : شَيْئَيْنِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا : مَا يُنْجِينِي مِنَ النَّارِ ؟ وَمَا يُدْخِلنِي الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ ، فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتَ أَوْجَزْتَ الْمَسْأَلَةَ لَقَدْ أَعْظَمْتَ وَطَوَّلْتَ ، فَاعْقِلْ عَلَيَّ ، اعْبُدِ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَصُمْ رَمَضَانَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : غَدَوْتُ ، فَإِذَا رَجُلٌ يُحَدِّثُهُمْ . قَالَ : وَقَالَ جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ فِيهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَالصَّوَابُ : الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ . وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ اسْمَ ابْنِ الْمُنْتَفِقِ هَذَا لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ وَافِدُ بَنِي الْمُنْتَفِقِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّائِلَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ؛ لِأَنَّ سِيَاقَهُ شَبِيهٌ بِالْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، لَكِنْ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : أَرَبٌ مَا لَهُ . فِي رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بِلَفْظِ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي . فَذَكَرَهُ . وَهَذَا شَبِيهٌ بِقِصَّةِ سُؤَالِ ابْنِ الْمُنْتَفِقِ . وَأَيْضًا فَأَبُو أَيُّوبَ لَا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ : إِنَّ أَعْرَابِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُ هَذَا السُّؤَالِ لِصَخْرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْبَاهِلِيِّ ، فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَزَعَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الْبَاهِلِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي خَالِي ، وَاسْمُهُ صَخْرُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ، قَالَ : لَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ ؟ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ ؟ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : مَا لَهُ مَا لَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَبٌ مَا لَهُ ؟ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَذْكُرْ فَاعِلَ قَالَ : مَا لَهُ مَا لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ بَهْزٍ الْمُعَلَّقَةِ هُنَا الْمَوْصُولَةِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ : قَالَ الْقَوْمُ : مَا لَهُ مَا لَهُ ؟ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : هُوَ اسْتِفْهَامٌ وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ . وَقَوْلُهُ : أَرَبٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ مُنَوَّنًا ، أَيْ : حَاجَةٌ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، اسْتَفْهَمَ أَوَّلًا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَقَالَ : لَهُ أَرَبٌ . انْتَهَى . وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ ، بَلِ الْمُسْتَفْهِمُ الصَّحَابَةُ وَالْمُجِيبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَا زَائِدَةٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَهُ حَاجَةٌ مَا . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَعْنَى لَهُ حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ مُفِيدَةٌ جَاءَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالسُّؤَالِ أَنَّ لَهُ حَاجَةً . وَرُوِيَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ وَالْمَعْنَى التَّعَجُّبُ مِنَ السَّائِلِ . وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : يُقَالُ : أَرِبَ الرَّجُلُ فِي الْأَمْرِ إِذَا بَلَغَ فِيهِ جَهْدَهُ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَرِبَ فِي الشَّيْءِ صَارَ مَاهِرًا فِيهِ فَهُوَ أَرِيبٌ ، وَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ حُسْنِ فِطْنَتِهِ وَالتَّهَدِّي إِلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ وُفِّقَ ، أو لَقَدْ هُدِيَ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : قَوْلُهُ : أَرِبَ مِنَ الْآرَابِ ، وَهِيَ الْأَعْضَاءُ ، أَيْ : سَقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ وَأُصِيبَ بِهَا كَمَا يُقَالُ : تَرِبَتْ يَمِينُكَ وَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِصِيغَةِ الدُّعَاءِ ، وَلَا يُرَادُ حَقِيقَتُهُ . وَقِيلَ : لَمَّا رَأَى الرَّجُلَ يُزَاحِمُهُ دَعَا عَلَيْهِ ، لَكِنْ دُعَاؤُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ طُهْرٌ لَهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ . وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ ؛ أَيْ : هُوَ أَرِبٌ ، أَيْ : حَاذِقٌ فَطِنٌ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْفُوظَةً . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ : أَرَبَ بِفَتْحِ الْجَمِيعِ ، وَقَالَ : لَا وَجْهَ لَهُ ، قُلْتُ : وَقَعَتْ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ . وَقَوْلُهُ : يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ بِضَمِّ اللَّامِ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِقَوْلِهِ : بِعَمَلٍ وَيَجُوزُ الْجَزْمُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ . وَرَدَّهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ لِأَنَّ قَوْلَهُ : بِعَمَلٍ يَصِيرُ غَيْرَ مَوْصُوفٍ مَعَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ فَلَا يُفِيدُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ تَقْدِيرًا ؛ لِأَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّعْظِيمِ فَأَفَادَ ، وَلِأَنَّ جَزَاءَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ عَمِلْتُهُ يُدْخِلُنُي . قَوْلُهُ : ( وَتَصِلِ الرَّحِمَ ) أَيْ : تُوَاسِي ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْخَيْرَاتِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى أَقَارِبِكَ ذَوِي رَحِمِكَ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَى حَسَبِ حَالِكَ وَحَالِهِمْ مِنْ إِنْفَاقٍ أَوْ سَلَامٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ طَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَخَصَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مِنْ بَيْنِ خِلَالِ الْخَيْرِ نَظَرًا إِلَى حَالِ السَّائِلِ ، كَأَنَّهُ كَانَ لَا يَصِلُ رَحِمَهُ ، فَأَمَرَهُ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُهِمُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِالْحَضِّ عَلَيْهَا بِحَسَبِ حَالِ الْمُخَاطَبِ وَافْتِقَارِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا سِوَاهَا ، إِمَّا لِمَشَقَّتِهَا عَلَيْهِ ، وَإِمَّا لِتَسْهِيلِهِ فِي أَمْرِهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ . قَوْلُهُ : ( أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو ) وَجَزَمَ فِي التَّارِيخِ بِذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ مُسْلِمٌ فِي شُيُوخِ شُعْبَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ وَآخَرُونَ : الْمَحْفُوظُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ مِنْ شُعْبَةَ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ عَمْرٌو ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وُجُوبِ الزَّكَاة · ص 310 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وجوب الزكاة · ص 239 151 - حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا شعبة ، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني بعمل يدخلني الجنة . قال : ماله ؟ ماله ؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرب ماله ؟ تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم . مطابقته للترجمة في قوله وتؤتي الزكاة ، فإنها ذكرت مقارنة للصلاة التي ذكرت مقارنة للتوحيد ، فإن قوله تعبد الله ولا تشرك به شيئا عبارة عن التوحيد . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ؛ الأول : حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة ، أبو عمر الحوضي . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب - بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء وبالباء الموحدة . الرابع : موسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي ، مات سنة أربع ومائة . الخامس : أبو أيوب الأنصاري ، واسمه خالد بن زيد بن كليب ، يقول في حديثه : إن رجلا . وقال ابن قتيبة : إن هذا الرجل هو أبو أيوب الراوي . ونسبه بعضهم إلى الغلط وهو غير موجه ، إذ لا مانع أن يبهم الراوي نفسه لغرض له ، فإن قلت : هذا يبعد هاهنا ؛ لأنه جاء في رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه التي تأتي بعد بأنه أعرابي - قلت : أجيب بالمنع لعدم المانع من تعدد القصة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده وأنه كوفي وشعبة واسطي وابن عثمان وموسى مدنيان ، وفيه ابن مختلف فيه هل هو محمد بن عثمان أو عمرو بن عثمان وفي بعض النسخ حدثنا شعبة عن محمد بن عثمان ، ونذكر عن قريب وجه ذلك . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أبي الوليد عن شعبة ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن عمرو بن عثمان عنه به ، وعن محمد بن حاتم وعبد الرحمن بن نصر كلاهما عن بهز عن شعبة عن محمد بن عثمان وأبيه عثمان به ، وعن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عنه به . وأخرجه النسائي في الصلاة وفي العلم عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان عن بهز به . ( ذكر معناه ) : قوله ( يدخلني ) الجزم فيه على جواب الأمر غير مستقيم ؛ لأنه إذا جعل جواب الأمر يبقى قوله بعمل غير موصوف ، والنكرة غير الموصوفة لا تفيد ، كذا قاله صاحب المظهر شارح المصابيح . قلت : التنكير في بعمل للتفخيم أو التنويع ؛ أي بعمل عظيم أو معتبر في الشرع ، أو نقول إذا صح الجزم فيه إن جزاء الشرط محذوف تقديره أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة ، فالجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل ، فافهم . قوله ( ماله ؟ ماله ؟ ) ، كلمة ما للاستفهام ، والتكرار للتأكيد ، قاله ابن بطال . ويجوز أن تكون بمعنى : أي شيء جرى له ؟ قوله ( أرب ) ، اختلفوا في هيئة هذه الكلمة وفي معناها أيضا ، أما في الأول فقيل أرب بفتح الهمزة وكسر الراء وتنوين الباء على وزن حذر ، وقال ابن قرقول : يروى أرب ماله اسم فاعل مثل حذر . قلت : لا يسمى مثل هذا اسم فاعل ، بل هو صفة مشبهة . وقيل أرب بفتح الهمزة وفتح الراء أيضا وتنوين الباء . وقيل أرب بفتح الهمزة وفتح الراء وفتح الباء على صيغة الماضي ، وروي هذا عن أبي ذر . وقيل على صيغة الماضي ولكنه بكسر الراء . فهذه أربعة أقوال ، وأما اختلافهم في المعنى ففي الوجه الأول معناه صاحب الحاجة ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أرب ، ولما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حريص في سؤاله قال ماله ؟ متعجبا من حرصه بطريق الاستفهام . وفي الوجه الثاني معناه له أرب ؛ أي حاجة ، فيكون ارتفاعه على أنه مبتدأ خبره محذوف . وفي الوجه الثالث والرابع اللذين بصورة الماضي على اختلاف حركة عين الفعل معناه احتاج فسأل عن حاجته ، وقال النضر بن شميل : يقال أرب الرجل في الأمر إذا بلغ فيه جهده . وقال ابن الأنباري : سقط آرابه أي أعضاؤه ، ومفرده الأرب هذه كلمة لا يراد بها وقوع الأمر ، كما تقول تربت يداك وإنما تستعمل عند التعجب ، وقيل لما رأى الرجل يزاحم دعا عليه دعاء لا يستجاب في المدعو عليه . وقال الأصمعي : أرب الرجل في الشيء إذا صار ماهرا فيه ، فيكون المعنى التعجب من حسن فطنته والتهدي إلى موضع حاجته ، فلذلك قال ماله ؟ بالاستفهام . وقال الكرماني : وأما ما رواه بعضهم بكسر الراء وتنوين الباء ومعناه هو أرب أي صادق فطن فليس بمحفوظ عند أهل الحديث ، وفي رواية قال الناس : ماله ؟ ماله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرب ماله ؟ ، و ما صلة ؛ أي حاجة ما أو أمر ماله ، انتهى . قلت : لهذه المادة معان كثيرة : الأرب - بكسر الهمزة وسكون الراء - العضو ، كما في الحديث : أمرت أن أسجد على سبعة آراب . وهو جمع أرب وجاء على أرؤب . والأرب أيضا الدهاء ، ويقال هو ذو أرب أي ذو عقل ، ومنه الأريب وهو العاقل . والأرب أيضا الحاجة ، وفيه لغات : أرب وأربة وأرب ومأربة ، تقول منه أرب الرجل بالكسر يأرب بالفتح أربا ، ويقال أرب الدهر إذا اشتد ، وأرب الرجل إذا تساقطت أعضاؤه ، وأرب بالشيء درب به وصار بصيرا فيه فهو أرب . والأربة بالضم العقدة ، والإربة بالكسر المعتوه ، قال تعالى : غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ قال سعيد بن جبير : هو المعتوه ، وتأريب العقدة إحكامها ، ومنه يقال أرب عقدتك أي أحكمها ، وتأريب الشيء أيضا توفيره ، وكل موفر مؤرب . وقال الأصمعي : التأرب التشدد في الشيء ، وأربت على القوم أي فزت عليهم ، والأرب بالضم صغار الغنم حين تولد . قوله ( تعبد الله ) ؛ أي توحده ، وفسره بقوله ولا تشرك به شيئا ، قال تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ؛ أي ليوحدوني ، والتحقيق هنا أن العبادة الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته ، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وعطف ما بعدها عليها لإدخالها في الإسلام وأنها لم تكن دخلت في العبادة ، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها ، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب عطف الخاص على العام تنبيها على شرفه ومزيته ، وإنما ذكر قوله ولا تشرك به شيئا بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه سبحانه في الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء ، فنفى هذا . قوله ( وتقيم الصلاة المكتوبة ) اقتباس من قوله تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة كقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، و أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل ، وخمس صلوات كتبهن الله . ومعنى إقامة الصلاة إدامتها والمحافظة عليها ، وقيل إتمامها على وجهها . قوله ( وتصل الرحم ) من وصل يصل صلة ، وصلة الرحم مشاركة ذوي القرابة في الخيرات ، وإنما خص هذا من بين سائر واجبات الدين نظرا إلى حال السائل كأنه كان قطاعا للرحم مبيحا لذلك ، فأمره به لأنه هو المهم بالنسبة إليه . وقال ابن الجوزي : فإن قيل : قد علم بسؤال الرجل أن له حاجة ، فما الفائدة في قوله له حاجة ؟ فالجواب أن المعنى له حاجة مهمة مفيدة جاءت به ، وقال القرطبي : إنما لم يخبرهم بالتطوع لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم للتخفيف ولئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة ، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها فتسهل عليهم . وقال بهز : حدثنا شعبة قال : حدثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان بن عبد الله أنهما سمعا موسى بن طلحة ، عن أبي أيوب بهذا . قال أبو عبد الله : أخشى أن يكون محمد غير محفوظ ، إنما هو عمرو . بهز - بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي - ابن أسد العمي أبو الأسود البصري ، مر في باب الغسل بالصاع . قوله ( شعبة : حدثنا محمد بن عثمان ) ، وفي رواية حفص بن عمر عن شعبة قال : حدثنا ابن عثمان كما مر ، وقد أوضح شعبة في هذه الرواية هو محمد بن عثمان ولكنه وهم فيه ، وإنما هو عمرو بن عثمان ، ولهذا قال البخاري رضي الله تعالى عنه : أخشى أن يكون محمد غير محفوظ ، وإنما هو عمرو بن عثمان . وقال الدارقطني : إن شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب فسماه محمدا ، وإنما هو عمرو بن عثمان ، والحديث محفوظ عنه ؛ حدث به عنه يحيى بن سعيد القطان ومحمد بن عبيد وإسحاق الأزرق وأبو أسامة وأبو نعيم ومروان الفزاري وغيرهم عن عمرو بن عثمان . وقال الكلاباذي : رَوى شعبة عن عمرو بن عثمان ، ووهم في اسمه فقال محمد بن عثمان في أول كتاب الزكاة . وقال الغساني : هذا مما عد على شعبة أنه وهم فيه ، حيث قال محمد بدل عمرو . وقد ذكر البخاري هذا الحديث من رواية شعبة في كتاب الأدب فقال : حدثني عبد الرحمن ، حدثنا بهز ، حدثنا شعبة ، حدثنا ابن عثمان بن عبد الله - غير مسمى ليكون أقرب إلى الصواب . قوله ( وأبوه عثمان ) ؛ أي أبو محمد ، وأشار بهذا إلى أن شعبة رواه عن محمد بن عثمان وعن أبيه عثمان بن عبد الله كلاهما عن موسى بن طلحة ، وكذا رواه النسائي فقال : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي صفوان عن بهز عن شعبة عن محمد بن عثمان وأبيه عثمان . وكذا رواه أحمد عن بهز ، وقال الإسماعيلي : جوده بهز فقال : حدثنا شعبة ، حدثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان . قال : وانفرد ابن أبي عدي فيه بالرواية عن محمد عن أبيه عن موسى . وقال مسلم : حدثني محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثني أبي ، حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا موسى بن طلحة ، حدثني أبو أيوب أن أعرابيا عرض لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ، ثم قال : يا رسول الله - أو يا محمد - أخبرني بما يقربني إلى الجنة وما يباعدني من النار . قال : فكف النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نظر في أصحابه ، ثم قال : لقد وفق هذا - أو لقد هدي . قال : كيف ؟ قلت : قال فأعادها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم ، دع الناقة ! ثم روى من طريق بهز : حدثنا شعبة ، حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا الحديث . قوله ( وقال أبو عبد الله ) هو البخاري نفسه ؛ لأن كنيته أبو عبد الله ، وفي بعض النسخ قال محمد هو البخاري أيضا ؛ لأن اسمه محمد .