بَاب وُجُوبِ الزَّكَاة
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، قَالَ : مَا لَهُ ؟ مَا لَهُ ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَبٌ مَا لَهُ ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ . وَقَالَ بَهْزٌ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَقَوْلُهُ فِيهِ : عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ . الْإِبْهَامُ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي عَنْ شُعْبَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ هَذَا الرَّجُلِ عَمْرٌو ، وَكَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِ مُحَمَّدًا ، وَكَانَ الْحُذَّاقُ مِنْ أَصْحَابِهِ يُبْهِمُونَهُ ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : مُحَمَّدٌ ، كَمَا قَالَ شُعْبَةُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي طَرِيقِ بَهْزٍ الَّتِي عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا ، وَوَصَلَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْآتِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْآتِي ذِكْرُهَا : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) هَذَا الرَّجُلُ حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ الرَّاوِي ، وَغَلَّطَهُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ . وَفِي التَّغْلِيطِ نَظَرٌ ، إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي نَفْسَهُ لِغَرَضٍ لَهُ ، وَلَا يُقَالُ يُبْعِدُ ، لِوَصْفِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ بِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا ، لِأَنَّا نَقُولُ : لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، فَيَكُونُ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ هُوَ نَفْسُهُ ؛ لِقَوْلِهِ : إِنَّ رَجُلًا ، وَالسَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَعْرَابِيٌّ آخَرُ قَدْ سُمِّيَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وأَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ وَغَيْرِهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ ، قَالَ : انْطَلَقْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ الْمُنْتَفِقِ ، وَهُوَ يَقُولُ : وُصِفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَلَبْتُهُ فَلَقِيتُهُ بِعَرَفَاتٍ ، فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ لِي : إِلَيْكَ عَنْهُ ، فَقَالَ : دَعُوا الرَّجُلَ ، أَرَبٌ مَا لَهُ .
قَالَ : فَزَاحَمْتُ عَلَيْهِ حَتَّى خَلَصْتُ إِلَيْهِ ، فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ فَمَا غَيَّرَ عَلَيَّ ، قَالَ : شَيْئَيْنِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا : مَا يُنْجِينِي مِنَ النَّارِ ؟ وَمَا يُدْخِلنِي الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ ، فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتَ أَوْجَزْتَ الْمَسْأَلَةَ لَقَدْ أَعْظَمْتَ وَطَوَّلْتَ ، فَاعْقِلْ عَلَيَّ ، اعْبُدِ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَصُمْ رَمَضَانَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : غَدَوْتُ ، فَإِذَا رَجُلٌ يُحَدِّثُهُمْ . قَالَ : وَقَالَ جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ فِيهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَالصَّوَابُ : الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ . وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ اسْمَ ابْنِ الْمُنْتَفِقِ هَذَا لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ وَافِدُ بَنِي الْمُنْتَفِقِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّائِلَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ؛ لِأَنَّ سِيَاقَهُ شَبِيهٌ بِالْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، لَكِنْ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : أَرَبٌ مَا لَهُ .
فِي رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بِلَفْظِ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي . فَذَكَرَهُ . وَهَذَا شَبِيهٌ بِقِصَّةِ سُؤَالِ ابْنِ الْمُنْتَفِقِ .
وَأَيْضًا فَأَبُو أَيُّوبَ لَا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ : إِنَّ أَعْرَابِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُ هَذَا السُّؤَالِ لِصَخْرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْبَاهِلِيِّ ، فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَزَعَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الْبَاهِلِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي خَالِي ، وَاسْمُهُ صَخْرُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ، قَالَ : لَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، فَأَخَذْتُ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ ؟ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ ؟ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : مَا لَهُ مَا لَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَبٌ مَا لَهُ ؟ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَذْكُرْ فَاعِلَ قَالَ : مَا لَهُ مَا لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ بَهْزٍ الْمُعَلَّقَةِ هُنَا الْمَوْصُولَةِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ : قَالَ الْقَوْمُ : مَا لَهُ مَا لَهُ ؟ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : هُوَ اسْتِفْهَامٌ وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ . وَقَوْلُهُ : أَرَبٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ مُنَوَّنًا ، أَيْ : حَاجَةٌ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، اسْتَفْهَمَ أَوَّلًا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَقَالَ : لَهُ أَرَبٌ .
انْتَهَى . وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ ، بَلِ الْمُسْتَفْهِمُ الصَّحَابَةُ وَالْمُجِيبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَا زَائِدَةٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَهُ حَاجَةٌ مَا .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَعْنَى لَهُ حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ مُفِيدَةٌ جَاءَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالسُّؤَالِ أَنَّ لَهُ حَاجَةً . وَرُوِيَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ وَالْمَعْنَى التَّعَجُّبُ مِنَ السَّائِلِ . وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : يُقَالُ : أَرِبَ الرَّجُلُ فِي الْأَمْرِ إِذَا بَلَغَ فِيهِ جَهْدَهُ .
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَرِبَ فِي الشَّيْءِ صَارَ مَاهِرًا فِيهِ فَهُوَ أَرِيبٌ ، وَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ حُسْنِ فِطْنَتِهِ وَالتَّهَدِّي إِلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ وُفِّقَ ، أو لَقَدْ هُدِيَ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : قَوْلُهُ : أَرِبَ مِنَ الْآرَابِ ، وَهِيَ الْأَعْضَاءُ ، أَيْ : سَقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ وَأُصِيبَ بِهَا كَمَا يُقَالُ : تَرِبَتْ يَمِينُكَ وَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِصِيغَةِ الدُّعَاءِ ، وَلَا يُرَادُ حَقِيقَتُهُ .
وَقِيلَ : لَمَّا رَأَى الرَّجُلَ يُزَاحِمُهُ دَعَا عَلَيْهِ ، لَكِنْ دُعَاؤُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ طُهْرٌ لَهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ . وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ ؛ أَيْ : هُوَ أَرِبٌ ، أَيْ : حَاذِقٌ فَطِنٌ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ .
وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْفُوظَةً . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ : أَرَبَ بِفَتْحِ الْجَمِيعِ ، وَقَالَ : لَا وَجْهَ لَهُ ، قُلْتُ : وَقَعَتْ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ . وَقَوْلُهُ : يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ بِضَمِّ اللَّامِ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِقَوْلِهِ : بِعَمَلٍ وَيَجُوزُ الْجَزْمُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ .
وَرَدَّهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ لِأَنَّ قَوْلَهُ : بِعَمَلٍ يَصِيرُ غَيْرَ مَوْصُوفٍ مَعَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ فَلَا يُفِيدُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ تَقْدِيرًا ؛ لِأَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّعْظِيمِ فَأَفَادَ ، وَلِأَنَّ جَزَاءَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ عَمِلْتُهُ يُدْخِلُنُي . قَوْلُهُ : ( وَتَصِلِ الرَّحِمَ ) أَيْ : تُوَاسِي ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْخَيْرَاتِ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى أَقَارِبِكَ ذَوِي رَحِمِكَ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَى حَسَبِ حَالِكَ وَحَالِهِمْ مِنْ إِنْفَاقٍ أَوْ سَلَامٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ طَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَخَصَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مِنْ بَيْنِ خِلَالِ الْخَيْرِ نَظَرًا إِلَى حَالِ السَّائِلِ ، كَأَنَّهُ كَانَ لَا يَصِلُ رَحِمَهُ ، فَأَمَرَهُ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُهِمُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِالْحَضِّ عَلَيْهَا بِحَسَبِ حَالِ الْمُخَاطَبِ وَافْتِقَارِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا سِوَاهَا ، إِمَّا لِمَشَقَّتِهَا عَلَيْهِ ، وَإِمَّا لِتَسْهِيلِهِ فِي أَمْرِهَا .
قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ . قَوْلُهُ : ( أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو ) وَجَزَمَ فِي التَّارِيخِ بِذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ مُسْلِمٌ فِي شُيُوخِ شُعْبَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ وَآخَرُونَ : الْمَحْفُوظُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ مِنْ شُعْبَةَ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ عَمْرٌو ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .