1403 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ، ثُمَّ تَلَا : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسَاقَهُ مُطَوَّلًا ، وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَلْيَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، لَكِنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرَجَّحَهُ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَأٌ بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَصْلًا . انْتَهَى . وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ ؟ نَعَمِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ سَلَكَ الْجَادَّةَ ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْهَا دَلَّ عَلَى مَزِيدِ حِفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( مَثَّلَ لَهُ ) أَيْ صَوَّرَ ، أَوْ ضَمَّنَ مَثَّلَ مَعْنَى التَّصْيِيرِ ، أَيْ : صَيَّرَ مَالَهُ عَلَى صُورَةِ شُجَاعٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ النَّاضُّ ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ : ( بَرَاءَةٌ ) ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ . وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِاحْتِمَالِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا ، فَرِوَايَةُ ابْنِ دِينَارٍ تُوَافِقُ الْآيَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ، وَهِيَ سَيُطَوَّقُونَ وَرِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ تُوَافِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ الْآيَةَ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : خَصَّ الْجَنْبَ وَالْجَبِينَ وَالظَّهْرَ ، لِأَنَّهُ جَمَعَ الْمَالَ ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ فِي حَقِّهِ ؛ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالتَّنَعُّمِ بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْفَقِيرِ وَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ ، أَوْ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَا الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ الَّتِي هِيَ مُقَدَّمُ الْبَدَنِ وَمُؤَخَّرُهُ وَجَنْبَاهُ ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ . وَالْمُرَادُ بِالشُّجَاعِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ جِيمٍ - الْحَيَّةُ الذَّكَرُ . وَقِيلَ : الَّذِي يَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَيُوَاثِبُ الْفَارِسَ ، وَالْأَقْرَعُ الَّذِي تُقْرَعُ رَأْسُهُ ، أَيْ . تُمْعَطُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ . وَفِي كِتَابِ أَبِي عَبِيدٍ . سُمِّيَ أَقْرَعَ ؛ لِأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ يَتَمَعَّطُ لِجَمْعِهِ السُّمَّ فِيهِ . وَتَعَقَّبَهُ الْقَزَّازُ بِأَنَّ الْحَيَّةَ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهَا ، فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ جِلْدُ رَأْسِهِ . وَفِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ : سُمِّيَ أَقْرَعَ ؛ لِأَنَّهُ يَقْرِي السُّمَّ وَيَجْمَعُهُ فِي رَأْسِهِ حَتَّى تَتَمَعَّطَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ : قَرَى السُّمَّ حَتَّى انمار فَرْوَةُ رَأْسِهِ عَنِ الْعَظْمِ صِلٌّ قاتل اللَّسْعِ مَارِدُهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَقْرَعُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّذِي ابْيَضَّ رَأْسُهُ مِنَ السُّمِّ ، وَمِنَ النَّاسِ الَّذِي لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ . قَوْلُهُ : ( لَهُ زَبِيبَتَانِ ) تَثْنِيَةُ زَبِيبَةٍ بِفَتْحِ الزَّايِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، وَهُمَا الزُّبْدَتَانِ اللَّتَانِ فِي الشِّدْقَيْنِ ، يُقَالُ : تَكَلَّمَ حَتَّى زَبَدَ شِدْقَاهُ ، أَيْ : خَرَجَ الزَّبَدُ مِنْهُمَا ، وَقِيلَ : هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ ، وَقِيلَ : نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ ، وَقِيلَ : هُمَا فِي حَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ زَنَمَتَيِ الْعَنْزِ ، وَقِيلَ : لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْقَرْنَيْنِ ، وَقِيلَ : نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( يُطَوَّقُهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ ، أَيْ : يَصِيرُ لَهُ ذَلِكَ الثُّعْبَانُ طَوْقًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ) فَاعِلُ يَأْخُذُ هُوَ الشُّجَاعُ ، وَالْمَأْخُوذُ يَدُ صَاحِبِ الْمَالِ ، كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ بِلَفْظِ : لَا يَزَالُ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ . قَوْلُهُ : ( بِلِهْزِمَتَيْهِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ، وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالشِّدْقَيْنِ ، وَفِي الصِّحَاحِ : هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ . وَفِي الْجَامِعِ : هُمَا لَحْمُ الْخَدَّيْنِ الَّذِي يَتَحَرَّكُ إِذَا أَكَلَ الْإِنْسَانُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ ) وَفَائِدَةُ هَذَا الْقَوْلِ الْحَسْرَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي التَّعْذِيبِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّهَكُّمِ . وَزَادَ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ . وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ بَعْدَكَ ، فَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَمْضُغَهَا ثُمَّ يَتْبَعُهُ سَائِرُ جَسَدِهِ . وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُ ذَهَبَ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ ، فَجَعَلَ يَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَنْقُرُ رَأْسَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ نَفْسَ الْمَالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِلَّا مُثِّلَ لَهُ كَمَا هُنَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ صُوِّرَ أَوْ نُصِبَ وَأُقِيمَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَثَلَ قَائِمًا ، أَيْ : مُنْتَصِبًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَلَا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الْآيَةَ ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرَ الْآيَةَ ، وَنَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : قَرَأَ مِصْدَاقَهُ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالتَّطْوِيقِ فِي الْآيَةِ الْحَقِيقَةُ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَاهُ سَيُطَوَّقُونَ الْإِثْمَ . وَفِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِيمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ لَا يَصِلُهُمْ ، قَالَهُ مَسْرُوقٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاة · ص 317 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم مانع الزكاة · ص 252 9 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا هاشم بن القاسم قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول : أنا مالك ، أنا كنزك . ثم تلا : ولا يحسبن الذين يبخلون . . . الآية . مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في مطابقة الحديث الأول . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ؛ الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، تكرر ذكره . الثاني : هاشم بن القاسم ، أبو النضر التميمي - ويقال الليثي - الكناني ، قال الواقدي : مات ببغداد يوم الأربعاء غرة ذي القعدة سنة سبع وثمانين ، مر في باب وضع الماء عند الخلاء . الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله ، مر في باب الذي يغسل به شعر الإنسان . الرابع : أبوه عبد الله بن دينار ، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، مر في باب أمور الإيمان . الخامس : أبو صالح ، واسمه ذكوان الزيات . السادس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده وأنه بصري وأن هاشما خراساني سكن بغداد وعبد الرحمن وأباه وأبا صالح مدنيون ، وفيه رواية الابن عن أبيه ، وجعل أبو العباس الطرقي هذا الحديث والذي قبله حديثا واحدا ، ورواه مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح فوقفه على أبي هريرة ، وقال أبو عمر : ورواه عبد العزيز بن أبي سلمة عند النسائي عن عبد الله بن دينار سأل عن ابن عمر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال ، وهو عندي خطأ ، والمحفوظ حديث أبي هريرة . وقال أبو عمر : حديث عبد العزيز خطأ بين في الإسناد ؛ لأنه لو كان عنده عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي هريرة أبدا ، ورواية مالك وعبد الرحمن بن عبد الله فيه هي الصحيحة وهو مرفوع صحيح ، وعند الترمذي من حديث ابن مسعود مثله ، وقال : حسن صحيح . وعند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : ما من صاحب إبل . . . الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن عبد الله بن منير عن أبي النضر ، وأخرجه النسائي في الزكاة عن الفضل بن سهل عن الحسن بن موسى الأشيب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه ، وروى النسائي أيضا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ، قال : فيلزمه أو يطوقه ، قال : فيقول : أنا كنزك ، أنا كنزك . ( ذكر معناه ) : قوله ( من آتاه الله تعالى ) بمد الهمزة ؛ أي من أعطاه الله . قوله ( مثل له ) ؛ أي صور له ماله الذي لم يؤد زكاته شجاعا ، أو ضمن مثل معنى التصيير ؛ أي صير ماله على صورة شجاع . وقال ابن الأثير : ومثل يتعدى إلى مفعولين ، تقول مثلت الشمع فرسا ، فإذا بني لما لم يسم فاعله تعدى إلى مفعول واحد ، فلذا قال : مثل له شجاعا أقرع . قلت : التحقيق فيه أن قوله مثل على صيغة المجهول ، الضمير الذي فيه يرجع إلى قوله مالا وقد ناب عن المفعول الأول ، وقوله شجاعا منصوب على أنه مفعول ثان . وقال الطيبي : شجاعا نصب يجري مجرى المفعول الثاني ؛ أي صور ماله شجاعا . وقال ابن قرقول : وبالرفع ضبطناه ، وهي رواية الطرابلسي في الموطأ ، ولغيره شجاعا كأنه مفعول ثان . وقال ابن الأثير في شرح المسند : وفي رواية الشافعي شجاع بالرفع ؛ لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول لمثل ، لأنه أخلاه من الضمير وجعل له مفعولا واحدا ، ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤد زكاته وإنما هو حقيقة حية يخلق ماله حية تفعل به ذلك ، يعضد ذلك أنه لم يذكر في روايته ماله بخلاف ما في رواية البخاري . قلت : وللبخاري أيضا روايتان في رواية لفظة ماله مذكورة ، وفي رواية غير مذكورة والشجاع الحية ، وسُمي أقرع لأنه يقرع السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه . وفي جامع القزاز : ليس على رءوس الحيات شعر ، ولكن لعله يذهب جلد رأسه . وفي الموعب : الشجاع ضرب من الحيات ، والجمع الشجعان وثلاثة أشجعة . وفي التهذيب : هو الحية الذكر . وقال اللحياني : يقال للحية شجاع وشجاع وشجعان ، ويقال للحية أيضا أشجع . وقال شمر في كتاب الحيات : الشجاع ضرب من الحيات لطيف دقيق ، وهو كما زعموا أجرؤها . وفي المحكم : شجعان بالكسر أكثر . وفي البارع لأبي علي القالي : شجعة بفتح الشين والجيم إذا كان طويلا ملتويا . وفي الاستذكار : وقيل الشجاع الثعبان ، وقيل الحية ، وقيل هو الذي يواثب الفارس والراجل ويقوم على ذنبه ، وربما بلغ وجه الفارس ، ويكون في الصحاري ، والأقرع الذي في رأسه بياض ، وقيل كلما كثر سمه ابيض رأسه . وقال ابن خالويه : ليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلا ما كتبته في هذا الباب ، فذكر أربعة وثمانين اسما . قوله ( زبيبتان ) بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة الأولى ، الزبد في الشدقين إذا غضب ، يقال تكلم فلان حتى زبد شدقاه أي خرج الزبد عليهما . وقال أبو المعاني في المنتهى : الزبيبتان الزبدتان في الشدقين ، ومنه الحية ذو الزبيبتين وهما النكتتان السوداوان فوق عينيه ، وقيل هما نقطتان تكتنفان فاها . وقال الداودي : هما نابان يخرجان من فيها . وأنكر بعضهم هذا وقال : هذا لا يوجد . ويقال : الحية ذو الزبيبتين أخبث ما يكون من الحيات . وقال أبو عمر : هما علامات الحية الذكر المؤذي . وقال ابن حبيب عن مطرف : له زبيبتان في خلقه بمنزلة زنمتي العنز . وفي المسالك لابن العربي : سئل مالك عن الزبيبتين فقال : أراهما شنشنتين تكونان على رأسه مثل القرنين . قوله ( يطوقه ) بفتح الواو ؛ يجعل طوقا في عنقه ، وفي رواية وحتى يطوقه ، وفي التلويح قال أبو السعادات : يجوز أن تكون الواو - أي - مفتوحة ؛ يعني حتى يطوقه الله تعالى في عنقه ، كأنه قيل يجعل له طوقا . وقال الطيبي : وهو تشبيه لذكر المشبه والمشبه به كأنه قيل : يجعله كالطوق في عنقه . قلت : الضمير الذي فيه مفعوله الأول ، والضمير البارز مفعوله الثاني وهو يرجع إلى من في قوله من آتاه الله مالا ، والضمير المستتر يرجع إلى الشجاع . وفي التلويح : الهاء عائدة إلى الطوق لا إلى المطوق ، وفيه ما فيه . قوله ( بلهزمتيه ) بكسر اللام وسكون الهاء وكسر الزاي ، تثنية لهزمة . قال ابن سيده : اللهزمتان مضيغتان في أصل الحنك ، وقيل هما مضيغتان في منحنى اللحيين أسفل من الأذنين وهما معظم اللحيين ، وقيل هما ما تحت الأذنين من أعلى اللحيين والخدين ، وقيل هما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من اللحي ، زاد صاحب الموعب : لهزمتان يقال شنشنان ، ويقال للفرس الموسوم على ذلك المكان ملهوز . وفي الجامع : هي لحم الخدين اللذين يتحرك إذا أكل الإنسان ، والجمع اللهازم . وفي الجمهرة : لهزمه إذا ضرب لهزمته . وقال ابن العربي : هما الماضغتان اللتان بين الأذن والفم . قوله ( يعني شدقيه ) بكسر الشين ، هذا التفسير في الحديث أي جانبي الفم . قوله ( ثم يقول ) الشجاع المصور من المال ( أنا مالك ، أنا كنزك ) يخاطب به صاحب المال لمزيد الغصة والهم ؛ لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو فيه خيرا ، وفيه نوع تهكم . قوله ( ثم تلا ) ؛ أي قرأ - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية ، وتلاوته - صلى الله عليه وسلم - هذه تدل على أنها نزلت في مانع الزكاة ، وقيل إن المراد بها اليهود لأنهم بخلوا ، والمعنى : سيطوقون الإثم . وتأول مسروق أنها نزلت فيمن له مال فيمنع قرابته صلته فيطوق حية كما سلف ، وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة ، وقيل في الأحبار الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه دلالة على فرضية الزكاة لأن الوعيد الشديد يدل على ذلك ، وفيه ما يدل على قلب الأعيان وذلك في قدرة الله تعالى هين لا ينكر ، وفيه أن لفظ مالا بعمومه يتناول الذهب والفضة وغيرهما من الأموال الزكوية ، وقال المهلب : لم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر كما نقل عنه زكاة الفضة . قلت : صح من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولا ، وفيه : وفي كل أربعين دينارا دينار . رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما ، وكان صرف الدينار عشرة دراهم ، فعدل المسلمون بخمس أواق من الفضة عشرين مثقالا وجعلوه زكاة نصاب الذهب وتواتر العمل به ، وعليه جمهور العلماء أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا - وقيمتها مائتا درهم - فيها نصف دينار إلا ما روي عن الحسن أنه ليس فيما دون أربعين دينارا زكاة ، وهو شاذ لا يعرج عليه ، وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة وإن كان أقل من عشرين مثقالا ، وهو قول عطاء وطاوس والزهري ، فجعلوا الفضة أصلا في الزكاة .