حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاة

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ، ثُمَّ تَلَا : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسَاقَهُ مُطَوَّلًا ، وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَلْيَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، لَكِنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرَجَّحَهُ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَأٌ بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَصْلًا . انْتَهَى .

وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ ؟ نَعَمِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ سَلَكَ الْجَادَّةَ ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْهَا دَلَّ عَلَى مَزِيدِ حِفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( مَثَّلَ لَهُ ) أَيْ صَوَّرَ ، أَوْ ضَمَّنَ مَثَّلَ مَعْنَى التَّصْيِيرِ ، أَيْ : صَيَّرَ مَالَهُ عَلَى صُورَةِ شُجَاعٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ النَّاضُّ ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ : ( بَرَاءَةٌ ) ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ . وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِاحْتِمَالِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا ، فَرِوَايَةُ ابْنِ دِينَارٍ تُوَافِقُ الْآيَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ، وَهِيَ سَيُطَوَّقُونَ وَرِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ تُوَافِقُ قَوْلَهُ تَعَالَى : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ الْآيَةَ .

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : خَصَّ الْجَنْبَ وَالْجَبِينَ وَالظَّهْرَ ، لِأَنَّهُ جَمَعَ الْمَالَ ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ فِي حَقِّهِ ؛ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالتَّنَعُّمِ بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْفَقِيرِ وَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ ، أَوْ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَا الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ الَّتِي هِيَ مُقَدَّمُ الْبَدَنِ وَمُؤَخَّرُهُ وَجَنْبَاهُ ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ . وَالْمُرَادُ بِالشُّجَاعِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ جِيمٍ - الْحَيَّةُ الذَّكَرُ .

وَقِيلَ : الَّذِي يَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَيُوَاثِبُ الْفَارِسَ ، وَالْأَقْرَعُ الَّذِي تُقْرَعُ رَأْسُهُ ، أَيْ . تُمْعَطُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ . وَفِي كِتَابِ أَبِي عَبِيدٍ .

سُمِّيَ أَقْرَعَ ؛ لِأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ يَتَمَعَّطُ لِجَمْعِهِ السُّمَّ فِيهِ . وَتَعَقَّبَهُ الْقَزَّازُ بِأَنَّ الْحَيَّةَ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهَا ، فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ جِلْدُ رَأْسِهِ . وَفِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ : سُمِّيَ أَقْرَعَ ؛ لِأَنَّهُ يَقْرِي السُّمَّ وَيَجْمَعُهُ فِي رَأْسِهِ حَتَّى تَتَمَعَّطَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ : قَرَى السُّمَّ حَتَّى انمار فَرْوَةُ رَأْسِهِ عَنِ الْعَظْمِ صِلٌّ قاتل اللَّسْعِ مَارِدُهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَقْرَعُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّذِي ابْيَضَّ رَأْسُهُ مِنَ السُّمِّ ، وَمِنَ النَّاسِ الَّذِي لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ .

قَوْلُهُ : ( لَهُ زَبِيبَتَانِ ) تَثْنِيَةُ زَبِيبَةٍ بِفَتْحِ الزَّايِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، وَهُمَا الزُّبْدَتَانِ اللَّتَانِ فِي الشِّدْقَيْنِ ، يُقَالُ : تَكَلَّمَ حَتَّى زَبَدَ شِدْقَاهُ ، أَيْ : خَرَجَ الزَّبَدُ مِنْهُمَا ، وَقِيلَ : هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ ، وَقِيلَ : نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ ، وَقِيلَ : هُمَا فِي حَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ زَنَمَتَيِ الْعَنْزِ ، وَقِيلَ : لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْقَرْنَيْنِ ، وَقِيلَ : نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( يُطَوَّقُهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ ، أَيْ : يَصِيرُ لَهُ ذَلِكَ الثُّعْبَانُ طَوْقًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ) فَاعِلُ يَأْخُذُ هُوَ الشُّجَاعُ ، وَالْمَأْخُوذُ يَدُ صَاحِبِ الْمَالِ ، كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ بِلَفْظِ : لَا يَزَالُ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ .

قَوْلُهُ : ( بِلِهْزِمَتَيْهِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ، وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالشِّدْقَيْنِ ، وَفِي الصِّحَاحِ : هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ . وَفِي الْجَامِعِ : هُمَا لَحْمُ الْخَدَّيْنِ الَّذِي يَتَحَرَّكُ إِذَا أَكَلَ الْإِنْسَانُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ ) وَفَائِدَةُ هَذَا الْقَوْلِ الْحَسْرَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي التَّعْذِيبِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّهَكُّمِ .

وَزَادَ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ . وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ بَعْدَكَ ، فَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَمْضُغَهَا ثُمَّ يَتْبَعُهُ سَائِرُ جَسَدِهِ . وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُ ذَهَبَ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ ، فَجَعَلَ يَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ .

وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَنْقُرُ رَأْسَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ نَفْسَ الْمَالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِلَّا مُثِّلَ لَهُ كَمَا هُنَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ صُوِّرَ أَوْ نُصِبَ وَأُقِيمَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَثَلَ قَائِمًا ، أَيْ : مُنْتَصِبًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَلَا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الْآيَةَ ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَذَكَرَ الْآيَةَ ، وَنَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : قَرَأَ مِصْدَاقَهُ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالتَّطْوِيقِ فِي الْآيَةِ الْحَقِيقَةُ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَاهُ سَيُطَوَّقُونَ الْإِثْمَ . وَفِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِيمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ لَا يَصِلُهُمْ ، قَالَهُ مَسْرُوقٌ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث