8 - بَاب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ : وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ - إلى قوله - : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 1410 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ - ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ . تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ ، وَقَالَ وَرْقَاءُ : عَنْ ابْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ - إِلَى قَوْلِهِ - وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَعَلَى هَذَا فَتَخْلُو التَّرْجَمَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ ، وَتَكُونُ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْآيَةِ ، لَكِنْ تَزِيدُ عَلَيْهَا بِالْإِشَارَةِ إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي التَّرْجَمَةِ . وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ ، لِأَنَّهُ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِطَيِّبٍ لَا يُقْبَلُ ، وَالْغُلُولُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ غَيْرِ الطَّيِّبِ فَلَا يُقْبَلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ إِنْ كَانَ بَابُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ ، وَالتَّقْدِيرُ : هَذَا بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ، وَإِنْ كَانَ مُنَوَّنًا فَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : الصَّدَقَةُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ مَقْبُولَةٌ أَوْ يُكْثِرُ اللَّهُ ثَوَابَهَا . وَمَعْنَى الْكَسْبِ الْمَكْسُوبُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ تَعَاطِي التَّكَسُّبِ أَوْ حُصُولِ الْمَكْسُوبِ بِغَيْرِ تَعَاطٍ كَالْمِيرَاثِ . وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ الْكَسْبَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ ، وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ الْحَلَالُ ، لِأَنَّهُ صِفَةُ الْكَسْبِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَصْلُ الطَّيِّبِ الْمُسْتَلَذُّ بِالطَّبْعِ ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمُطْلَقِ بِالشَّرْعِ وَهُوَ الْحَلَالُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ : الصَّدَقَةُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ . فَقَدِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ تَكْثِيرَ أَجْرِ الصَّدَقَةِ لَيْسَ عِلَّةً لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ، بَلِ الْأَمْرُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ الْأَجْرِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَكَانَ الْأَبْيَنُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : لَمَّا كَانَتِ الْآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَنَّ الرِّبَا يَمْحَقُهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ حَرَامٌ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي تُتَقَبَّلُ لَا تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَمْحُوقِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَفْظُ الصَّدَقَاتِ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ وَمِنْ غَيْرِهِ ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالصَّدَقَاتِ الَّتِي مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ ، نَحْوَ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قَوْلُهُ : ( بِعَدْلِ تَمْرَةٍ ) أَيْ بِقِيمَتِهَا ، لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ ، وَبِالْكَسْرِ الْحِمْلُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَبِالْكَسْرِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَقِيلَ : بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ ، وَبِالْكَسْرِ فِي النَّظَرِ . وَأَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : هُمَا بِمَعْنًى كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْمِثْلِ لَا يَخْتَلِفُ . وَضُبِطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ الْآتِي ذِكْرُهَا : وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ . وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهُ ، زَادَ سُهَيْلٌ فِي رِوَايَتِهِ الْآتِي ذِكْرُهَا : فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّدَقَةَ بِالْحَرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمُتَصَدِّقِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، وَالْمُتَصَدَّقُ بِهِ مُتَصَرَّفٌ فِيهِ ، فَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ مُحَالٌ . قَوْلُهُ : ( يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ) فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ : إِلَّا أَخَذَهَا بِيَمِينِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْآتِي ذِكْرُهَا : فَيَقْبِضُهَا وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ : فَيَتَلَقَّاهَا الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلُوَّهُ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ ، وَهُوَ الْمُهْرُ لِأَنَّهُ يُفْلَى أَيْ : يُفْطَمُ ، وَقِيلَ : هُوَ كُلُّ فَطِيمٍ مِنْ ذَاتِ حَافِرٍ ، وَالْجَمْعُ أَفْلَاءٌ كَعَدُوٍّ وَأَعْدَاءٍ . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : إِذَا فَتَحْتَ الْفَاءَ شَدَّدْتَ الْوَاوَ ، وَإِذَا كَسَرْتَهَا سَكَّنْتَ اللَّامَ كَجِرْوٍ . وَضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ لِأَنَّهُ يَزِيدُ زِيَادَةً بَيِّنَةً ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ نِتَاجُ الْعَمَلِ ، وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ النِّتَاجُ إِلَى التَّرْبِيَةِ إِذَا كَانَ فَطِيمًا ، فَإِذَا أَحْسَنَ الْعِنَايَةَ بِهِ انْتَهَى إِلَى حَدِّ الْكَمَالِ ، وَكَذَلِكَ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ - لَا سِيَّمَا الصَّدَقَةُ - فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لَا يَزَالُ نَظَرُ اللَّهِ إِلَيْهَا يُكْسِبُهَا نَعْتَ الْكَمَالِ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِالتَّضْعِيفِ إِلَى نِصَابٍ تَقَعُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمَ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ التَّمْرَةِ إِلَى الْجَبَلِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : فَلُوَّهُ أَوْ مُهْرَهُ ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ : مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ : مُهْرَهُ أَوْ رَضِيعَهُ أَوْ فَصِيلَهُ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَلُوَّهُ أَوْ قَالَ : فَصِيلَهُ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَشِبْهُهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ فَكَنَّى عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ ، وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ ، وَيُؤْخَذُ بِهَا اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا ، وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ : تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ أَيْ هُوَ مُؤَهَّلٌ لِلْمَجْدِ وَالشَّرَفِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَارِحَةَ ، وَقِيلَ : عَبَّرَ بِالْيَمِينِ عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ ، إِذِ الشِّمَالُ بِضِدِّهِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ يَمِينُ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ ، وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ مِلْكٍ وَاخْتِصَاصٍ لِوَضْعِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي يَمِينِ الْآخِذِ لِلَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ : الْمُرَادُ سُرْعَةُ الْقَبُولِ ، وَقِيلَ : حُسْنُهُ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْكِنَايَةُ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ بِالتَّلَقِّي بِالْيَمِينِ لِتَثْبِيتِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَذْهَانِ وَتَحْقِيقِهَا فِي النُّفُوسِ تَحْقِيقَ الْمَحْسُوسَاتِ ، أَيْ لَا يَتَشَكَّكُ فِي الْقَبُولِ كَمَا لَا يَتَشَكَّكُ مَنْ عَايَنَ التَّلَقِّيَ لِلشَّيْءِ بِيَمِينِهِ ، لَا أَنَّ التَّنَاوُلَ كَالتَّنَاوُلِ الْمَعْهُودِ ، وَلَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ بِهِ جَارِحَةٌ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَلَا نَتَوَهَّمُ فِيهَا تَشْبِيهًا وَلَا نَقُولُ كَيْفَ ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ ، وَأَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ . انْتَهَى . وَسَيَأْتِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ . وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ : حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ . يَعْنِي التَّمْرَةَ . وَهِيَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ : حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ ، قَالَ : وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَيْضًا : فَتَصَدَّقُوا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِظَمِهَا أَنَّ عَيْنَهَا تَعْظُمُ لِتَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ ثَوَابِهَا . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ( عَنِ ابْنِ دِينَارٍ ) أَيْ : عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ : وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَسَاقَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً فِي اللَّفْظِ يَسِيرَةً ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كُلَّهُ ، وَهَذَا إِنْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَفِظَهُ فَلِسُلَيْمَانَ فِيهِ شَيْخَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، وَسُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَقَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ فَسَوَّى بَيْنَ رِوَايَتَيِ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ وَرْقَاءُ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ ( عَنِ ابْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) يَعْنِي أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانَ ، فَجَعَلَ شَيْخَ ابْنِ دِينَارٍ فِيهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ بَدَلَ أَبِي صَالِحٍ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ هَذِهِ مَوْصُولَةً ، وَقَدْ أَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إِلَى أَنَّهَا وَهَمٌ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ دُونَ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، وَلَيْسَ مَا قَالَ بِجَيِّدٍ ، لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا . نَعَمْ رِوَايَةُ وَرْقَاءَ شَاذَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُخَالَفَةِ سُلَيْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَفْتُ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ مَوْصُولَةً ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَسُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فَرُوِّينَاهَا مَوْصُولَةً فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لِيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ ، هُوَ ابْنُ أَبِي الْحُسَامِ عَنْهُ بِهِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَسُهَيْلٍ فَوَصَلَهُمَا مُسْلِمٌ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِي سِيَاقِ الثَّلَاثَةِ مِنْ فَائِدَةٍ وَزِيَادَةٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّب · ص 327 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يقبل الله صدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب · ص 267 ( باب لا يقبل الله صدقة من غلول ، ولا يقبل إلا من كسب طيب ، لقوله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ أي هذا باب ترجمته لا يقبل الله صدقة من غلول ، هكذا وقع في رواية المستملي . وفي رواية الأكثرين : باب لا تقبل صدقة من غلول ، فقوله : " لا تقبل " على صيغة المجهول ، وهذا قطعة من حديث أخرجه مسلم من حديث مصعب بن سعد قال : دخل عبد الله بن عمر ، على ابن عامر يعوده ، وهو مريض ، فقال : ألا تدعو الله لي يا ابن عمر ، فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تقبل صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول ، وكنت على البصرة . ( قلت ) : كأنه قاس الدعاء على الصلاة ، فكما أن الصلاة لا تكون إلا عن مصون من الأقذار ، فكذلك الدعاء للمصون من تبعات الناس ، وكنت على البصرة ، وتعلقت بك حقوق الناس ، وكأنه - رضي الله تعالى عنه - قصد بهذا الزجر عليه والحث على التوبة ، وأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده ، عن أبي كامل ، أحد مشايخ مسلم فيه بلفظ : " لا يقبل الله صلاة إلا بطهور ، ولا صدقة من غلول " وروى أبو داود في سننه : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقبل الله تعالى صدقة من غلول ، ولا صلاة بغير طهور " . الغلول بضم الغين : الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة ، يقال : غل في المغنم يغل من باب ضرب يضرب غلولا ، فهو غال : كل من خان في شيء خفية فقد غل ، وسميت غلولا ؛ لأن الأيدي فيها مغلولة ، أي : ممنوعة مجعول فيها غل ، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، ويقال لها : جامعة أيضا ، وذكر ابن سيده أنه يقال : غل يغل غلولا ، وأغل : خان ، وخص بعضهم به الخون في الفيء ، وأغله خونه ، والإغلال السرقة ، قال ابن السكيت : لم يسمع في المغنم إلا غل غلولا . وفي الصحاح يقال : من الخيانة أغل يغل ، ومن الحقد غل يغل ، ومن الغلول غل يغل بالضم ، قوله : " ولا صلاة " نكرة في سياق النفي ، فتعم وتشمل سائر الصلوات من الفرض والنفل ، والطهور بضم الطاء ، والمراد به الفعل ، وهو قول الأكثرين ، وقد قيل : يجوز فتحها ، وهو بعمومه يتناول الماء والتراب ، قوله : " ولا يقبل إلا من كسب طيب " هذا في رواية المستملي وحده ، وهو قطعة من حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا ، قوله : " لقوله " ، أي : لقول الله تعالى ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما وجه تعليله بقوله تعالى : وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ ( قلت ) : تلك الصدقة يتبعها الأذى يوم القيامة بسبب الخيانة ، ونقل عن بعضهم وجه مطابقة الترجمة للآية : أن الأذى بعد الصدقة يبطلها ، فكيف بالأذى المقارن لها ، وذلك أن الغال متصدق بمال مغصوب ، والغاصب مؤذ لصاحب المال ، عاص بتصرفه فيه ، فكان أولى بالإبطال ، وقال ابن المنير : ( فإن قلت ) : ما وجه الجمع بين الترجمة والآية ، وهلا ذكر قوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ قال : ( قلت ) : جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق الأفهام له ، ووجه الاستنباط له يحتمل أن الآية لها إثبات الصدقة غير أن الصدقة لما تبعها سيئة الأذى بطلت ، فالغلول غصب إذا ، فيقارن الصدقة فتبطل بطريق الأولى ، قوله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي : كلام حسن ورد جميل على السائل . وقيل : دعاء صالح يدعو له ، وارتفاع قول على الابتداء ، وإن كان نكرة ؛ لأنه يخصص بالصفة ، وقوله : خير خبره ، وقوله : ومغفرة ، أي : ستر ، وتجاوز من السائل إذا استطال عليه . خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى بمنة . وقيل : مغفرة ، أي : عفو عن ظلم قولي أو فعلي خير من صدقة يتبعها أذى ، وقال الضحاك : يقول أن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه منا وأذى ، ويقال : لما علم الله أن الفقير إذا رد بغير نوال يشق عليه ، وربما يدعو عليه ببسط اللسان وإظهار الشكوى ، حث على الصفح والعفو ، ثم قال : وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن صدقة العباد ، ولو شاء لأغنى جميع الخلق ولكنه أعطى الأغنياء لينظر كيف شكرهم وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم حليم لا يعجل بالعقوبة ، وقال الزمخشري : غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي ، حليم عن معالجته بالعقوبة ، وهذا سخط منه ووعيد له ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصدقة من كسب طيب · ص 268 ( باب الصدقة من كسب طيب ) أي هذا باب في بيان أن الصدقة لا تقبل إلا من كسب طيب ، ويجوز إضافة لفظ باب إلى ما بعده ، ويجوز قطعه عن الإضافة ، وعلى تقدير القطع يكون التقدير هذا باب يذكر فيه الصدقة من كسب طيب يعني : تقبل الصدقة الحاصلة من كسب طيب ، أو التقدير الصدقة إنما تقبل من كسب طيب ، فلفظ الصدقة مرفوع بالابتداء . وفي الوجه الأول مجرور بالإضافة ، ولما ذكر في الباب الأول في الترجمة ، قوله : " ولا تقبل إلا من كسب طيب " تعرض إلى بيان الكسب الطيب بهذه الترجمة التي لم تقع في الكتاب إلا في رواية المستملي وابن شبويه والكشميهني . ( لقوله : وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ علل كون الصدقة من كسب طيب بقوله تعالى : وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ أي : يزيد فيها ، ويبارك في الدنيا ، ويضاعف الثواب في الآخرة ، والكسب الطيب هو من الحلال ، قال تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ و كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وإنما لا يقبل الله المال الحرام ؛ لأنه غير مملوك للمتصدق ، وهو ممنوع من التصرف فيه ، والتصدق به تصرف فيه ، فلو قبلت لزم أن يكون مأمورا به ومنهيا عنه من وجه واحد ، وذلك محال . ( فإن قلت ) : قوله : " وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ " لفظ عام لما يكون من الكسب الطيب ومن غيره فكيف يدل على الترجمة . ( قلت ) : هو مقيد بالصدقات التي من المال الحلال بقرينة السياق نحو وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ( قلت ) : قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أقرب للاستدلال على ما ذكره من قوله وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ؛ لأن الله تعالى أخبر في هذه الآية الكريمة أنه يمحق الربا ، أي : يذهبه ، إما بأن يذهب بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله ، فلا ينتفع به ، بل يعذبه به في الدنيا ، ويعاقبه عليه يوم القيامة ، وروى الإمام أحمد في مسنده ، فقال : حدثنا حجاج ، حدثنا شريك ، عن الركين بن الربيع ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل ، وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود ، ثم إن الله تعالى لما أخبر بأنه يمحق الربا ؛ لأنه حرام ، أخبر أنه يربي الصدقات التي من الكسب الحلال . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من تصدق بعدل تمرة " الحديث على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى ، ولما قرن بين قوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وبين قوله وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ بواو العطف علم أن إرباء الصدقات إنما يكون إذا كانت من الكسب الحلال بقرينة محقه الربا لكونه حراما ، قوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ أي : لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل ، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة ، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة ، فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل ، ثم قال تعالى وتقدس مادحا للمؤمنين بربهم المطيعين أمره المؤدين شكره ، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مخبرا عما أعد لهم من الكرامة ، وأنهم يوم القيامة آمنون من التبعات ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي : لا خوف عليهم عند الموت ، ولا هم يحزنون يوم القيامة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصدقة من كسب طيب · ص 269 14 - حدثنا عبد الله بن منير ، سمع أبا النضر قال : حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه ، حتى تكون مثل الجبل . مطابقته للترجمة في قوله : من كسب طيب . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون ، مر في باب الغسل والوضوء في المخضب . الثاني : أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ، اسمه سالم بن أبي أمية ، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القريشي التيمي . الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر ، مر في باب المسح على الخفين . الرابع : أبوه عبد الله بن دينار . الخامس : أبو صالح ذكوان الزيات السمان . السادس : أبو هريرة - رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه رواية الابن ، عن الأب ، وفيه اثنان مذكوران بالكنية ، وفيه رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابي . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الزكاة أيضا ، عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن خالد بن مخلد به . ( ذكر معناه ) : قوله : بعدل تمرة بكسر العين هو ما عادل الشيء من غير جنسه ، وبالفتح : ما عادله من جنسه ، تقول : عندي عدل دراهمك من الثياب ، وعدل دراهمك من الدراهم ، وقال البصريون : العدل والعدل لغتان ، وقال الخطابي : بعدل تمرة ، أي : قيمة تمرة ، يقال : هذا عدله بفتح العين ، أي مثله في القيمة ، وبكسرها ، أي : مثله في المنظر ، وزعم ابن قتيبة أن العدل بالفتح المثل ، واحتج بقوله تعالى : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا والعدل بالكسر القيمة ، وزعم ابن التين أنه على هذا جماعة من أهل اللغة ، وفي المحكم : العدل والعديل ، والعدل النظير والمثل . وقيل : هو المثل وليس بالنظير عينه ، والجمع أعدال وعدلاء . وقيل : ضبط هاهنا بالفتح عند الأكثرين ، قوله : من كسب طيب ، أي : حلال ، وهي صفة مميزة لعدل تمرة ليمتاز الكسب الخبيث الحرام ، قوله : ولا يقبل الله إلا الطيب جملة معترضة واردة على سبيل الحصر بين الشرط والجزاء تأكيدا وتقريرا للمطلوب في النفقة . وفي رواية سليمان بن بلال الآتي ذكرها ولا يصعد إلى الله إلا الطيب وزاد سهيل في روايته الآتي ذكرها فيضعها في حقها قوله : بيمينه قال الخطابي : جرى ذكر اليمين ليدل به على حسن القبول ؛ لأن في عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز من الأمور . وقيل : المراد سرعة القبول ، وقال الطيبي : ولما قيد الكسب بالطيب أتبعه اليمين لمناسبة بينهما في الشرف ، ومن ثمة كانت يده اليمنى - صلى الله عليه وسلم - للطهور . وفي رواية سهيل : إلا أخذها بيمينه . وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذكرها : فيقبضها . وفي حديث عائشة عند البزار : فيتلقاها الرحمن بيده ، ويقال : لما كانت الشمال عادة تنقص عن اليمين بطشا وقوة ، عرفنا الشارع بقوله : وكلتا يديه يمين ، فانتفى النقص تعالى عنه ، والجارحة على الرب محال ، قوله : فلوه بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو ، وهو المهر ؛ لأنه يعلى ، أي : يعظم ، والأنثى : فلوة ، مثال عدوة ، والجمع : أفلاء مثل أعداء ، وقال الداودي : يقال للمهر فلو ، وللجحش ولد الحمار فلوة بكسر الفاء ، وقال الجوهري ، عن أبي زيد : إذا فتحت الفاء شددت الواو ، وإذا كسرت خففت ، فقلت : فلو مثل جرو . وفي المخصص إذا بلغ سنة ، يعني : ولد الجحش ، فهو فلو ، وعن سيبويه ، والجمع أفلاء ، ولم يكسر على فعل كراهية الإخلال ، ولا كسروه على فعلان كراهية الكسرة قبل الواو ، وإن كان بينهما حاجز ؛ لأن الساكن ليس بحاجز حصين ، وعن الأعرابي : الفلو كالتلو ، وخص أبو عبيد به فلو الأتان ، والجمع كالجمع إلا أنه لا يحوج إلى الاعتذار من فعلان ، وقد فلى مهره إذا فصله من أمه وأفلاه ، وعن ابن السكيت : فلوته عن أمه وافتليته : فصلته عنها ، وعن ابن دريد : فلوت المهر : نحيته ، وعن أبي عبيد : فلوت المهر عن أمه فهو فلو ، وفرس مفل ومفلية ذات فلو . وفي المحكم : فلوت الصبي والمهر والجحش فلوا . وفي الجامع زاد القزاز : الجمع أفلاء وفلاء ، وقول العامة فلو خطأ ، وجمع الفلوة فلاوى مثل خطايا . وفي المنتخب : لكراع يصف أولاد الخيل ، ولا يقع عليه اسم الفلو حتى يفتلى من أمه ، أي : يفطم ثم هو فلو حتى يحول عليه الحول ثم هو حولي حتى يتجاذع . وفي المغيث لأبي موسى ، والجمع فلو بضم الفاء . وفي كتاب الفرق لأبي حاتم السجستاني قالوا في ولد الخيل العراب والبراذين للذكران مهر وللأنثى مهرة ، فإذا كانت له سبعة أشهر أو ثمانية يقال له الخروف ، والجمع خرف ، فإذا كانت له سنة ، فهو فلو والأنثى فلوة ، ولا يقال فلو ، ولا فلوة كما يقول من لا يعلم من العوام ، وقد أولعوا بذلك . وفي كتاب الوحوش : يقال لولد الحمار مهر وتولب وتالب ، وهي المهار والفلاء ، قال : وحمر الوحوش على هذه الصفة ، وقوله : كما يربي أحدكم فلوه ضرب المثل ؛ لأنه يزيد زيادة بينة فكذلك الصدقة نتاج العمل ، فإذا كانت من حلال لا يزال نظر الله إليها حتى تنتهي بالتضعيف إلى أن تصير التمرة كالجبل ، وهو معنى قوله : حتى تكون مثل الجبل قال الداودي : أي كمن تصدق بمثل الجبل وتربية الصدقات مضاعفة الأجر عليها وإن أريد به الزيادة في كمية عينها ، ليكون أثقل في الميزان لم ينكر ذلك . وفي رواية مسلم رحمه الله تعالى من طريق سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - : حتى تكون أعظم من الجبل . وفي رواية ابن جرير من وجه آخر ، عن القاسم : حتى يوافي بها يوم القيامة ، وهي أعظم من أحد . وفي رواية القاسم عند الترمذي بلفظ : حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد . ( تابعه سليمان عن ابن دينار ) أي تابع عبد الرحمن سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - هذه المتابعة ذكرها البخاري في التوحيد ، وقال : خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار فساق مثله ، إلا أن فيه مخالفة في اللفظ يسيرة ، وقد وصله أبو عوانة والجوزقي من طريق محمد بن معاذ بن يوسف ، عن خالد بن مخلد بهذا الإسناد ، وقال مسلم : حدثنا يزيد يعني : ابن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم وحدثنيه أحمد بن عثمان الأودي قال : حدثنا خالد بن مخلد قال : حدثني سليمان يعني : ابن بلال كلاهما ، عن سهيل بهذا الإسناد من حديث روح من الكسب الطيب فيضعها في حقها ، وفي حديث سليمان : فيضعها في موضعها . ( وقال ورقاء ، عن ابن دينار ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ) . أي قال ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري ، عن عبد الله بن دينار ، عن سعيد بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة ، وورقاء هذا قد خالف سليمان ، حيث جعل شيخ ابن دينار فيه سعيد بن يسار بدل أبي صالح ، وقال الداودي : هذا وهم لتوارد الرواة ، عن أبي صالح دون سعيد بن يسار . وفيه نظر ؛ لأنه محفوظ ، عن سعيد بن يسار من وجه آخر كما أخرجه مسلم قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربوا في كف الرحمن ، حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله وأخرجه الترمذي أيضا ، عن قتيبة إلى آخره نحوه ، ورواه النسائي أيضا ، عن قتيبة ، ورواه ابن ماجه ، عن عيسى بن حماد ، عن الليث ، وقال بعضهم : ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة . ( قلت ) : قد وصلها البيهقي في سننه من رواية أبي النضر هاشم بن القاسم ، حدثنا ورقاء ، وقال : شيخنا زين الدين ، ورويناه أيضا في الجزء الرابع من فوائد أبي بكر الشافعي ، قال : حدثنا محمد ، يعني : ابن غالب ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا ورقاء . ( ورواه مسلم بن أبي مريم ، وزيد بن أسلم وسهيل ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ) . أي روى الحديث المذكور مسلم بن أبي مريم السلمي المدني ، ووصل يوسف بن يعقوب القاضي في كتاب الزكاة رواية مسلم هذه ، قال : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا سعيد بن سلمة هو ابن أبي الحسام عنه به ، قوله : وزيد بن أسلم عطف على مسلم ، ووصل روايته مسلم ، وقال : حدثنا أبو الطاهر ، وقال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعيد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث يعقوب ، عن سهيل ، ونذكره الآن ، قوله : وسهيل عطف على زيد بن أسلم ، ووصل روايته أيضا مسلم ، وقال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا يعقوب يعني : ابن عبد الرحمن القاري ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه يربيها كما يربي أحدكم فلوه ، أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم قال أولا تابعه ، وثانيا قال ورقاء ، وثالثا قال رواه مع أن الثالث أيضا فيه متابعة ؛ لأن الثلاثة تابعوا ابن دينار في الرواية ، عن أبي صالح . ( قلت ) : الأول : متابعة ؛ لأن اللفظ فيه بعينه لفظه ، والثالث رواية لا متابعة لاختلاف اللفظ وإن اتحد المعنى فيهما ، والثاني لما لم يكن على سبيل النقل والرواية ، بل على سبيل المذاكرة ، قال بلفظ القول .