باب 1420 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا ؟ قَالَ : أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا ، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا ، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ ، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ تَرْجَمَةِ فَضْلِ صَدَقَةِ الصَّحِيحِ ، وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنْهُ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ سُؤَالِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ : أَيَّتُهُنَّ أَسْرَعُ لُحُوقًا بِهِ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُنَّ : أَطْوَلُكُنَّ يَدًا . الْحَدِيثَ . وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَضَمَّنَ أَنَّ الْإِيثَارَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي زَمَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ سَبَبٌ لِلَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ الْغَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ . وقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الْمُقْتَضِي لِلَّحَاقِ بِهِ الطَّوْلُ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِلصَّحِيحِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُرَادُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلَةِ مِنْهُنَّ عَنْ ذَلِكَ ، إِلَّا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : قَالَتْ : فَقُلْتُ . بِالْمُثَنَّاةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : فَقُلْنَ بِالنُّونِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا ) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : يَدًا ، وَأَطُولُكُنَّ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا ) أَيْ : يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لَا بِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ تَعْظِيمًا . وَقَوْلُهُ : أَطُولُكُنَّ يُنَاسِبُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا لَقَالَ : طُولَاكُنَّ . قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ سَوْدَةُ ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( أَطْوَلُهُنَّ يَدًا ) فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ : ذِرَاعًا ، وَهِيَ تُعِينُ أَنَّهُنَّ فَهِمْنَ مِنْ لَفْظِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ . قَوْلُهُ : ( فَعَلِمْنَا بَعْدُ ) أَيْ : لَمَّا مَاتَتْ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا ) بِالْفَتْحِ ، وَالصَّدَقَةُ بِالرَّفْعِ ، وَطُولَ يَدِهَا بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ الْخَبَرُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا ) كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَوَقَعَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ ، عَنْ مُوسَى ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ : قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - يَعْنِي الْوَاقِدِيَّ - هَذَا الْحَدِيثُ : وُهِلَ فِي سَوْدَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، فَهِيَ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا ، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَبَقِيَتْ سَوْدَةُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ زَيْنَبَ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَعْنِي أَنَّ الصَّوَابَ : وَكَانَتْ زَيْنَبُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ ، وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِسَوْدَةَ . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ : ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ سَوْدَةَ كَانْتَ أَسْرَعَ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَزْوَاجِ ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، قَالَ : وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ ، كَيْفَ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَا أَصْحَابُ التَّعَالِيقِ ، وَلَا عَلِمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ ، وَقَالَ : لُحُوقُ سَوْدَةَ بِهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ . وَكُلُّ ذَلِكَ وَهَمٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَبُ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالْعَطَاءِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ : فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينب ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ . انْتَهَى . وَتَلَقَّى مُغَلْطَايْ كَلَامَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ، فَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ لَهُ . وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ : الْمُرَادُ الْحَاضِرَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهِ دُونَ زَيْنَبَ ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا . قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ مُغَلْطَايْ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاةِ سَوْدَةَ ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَاتَتْ سَوْدَةُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَجَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : أَنَّهُ الْمَشْهُورُ . وَهَذَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ حَيْثُ قَالَ : أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ . وَسَبَقَهُ إِلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا تَقَدَّمَ . وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ النَّقْلَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ السِّيَرِ ، فَلَا يَرِدُ نَقْلُ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ السِّيَرِ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يَصِحُّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : فَكَانَتْ لِزَيْنَبَ وَذَكَرْتُ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ بِسَوْدَةَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِكَوْنِ غَيْرِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ ، فَلَمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ زَيْنَبَ وَكَوْنِهَا أَوَّلَ الْأَزْوَاجِ لُحُوقًا بِهِ جَعَلَ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا لِسَوْدَةَ ، وَهَذَا عِنْدِي مِنْ أَبِي عَوَانَةَ ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ فِرَاسٍ كَمَا قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ رَشِيدٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ ، وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ ، لَكِنْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِزَيْنَبَ ، لَكِنْ قَصَّرَ زَكَرِيَّا فِي إِسْنَادِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا وَلَا عَائِشَةَ ، وَلَفْظُهُ : قُلْنَ النِّسْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا ؟ قَالَ : أَطْوَلُكُنَّ يَدًا . فَأَخَذْنَ يَتَذَارَعْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فِي الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ : أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً ، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا - فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الصَّدَقَةَ ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةَ صِنَاعَةٍ بِالْيَدِ ، وَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَصَدَّقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . انْتَهَى . وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ لَا تَعْنِي سَوْدَةَ قَوْلُهَا فَعَلِمْنَا بَعْدُ إِذْ قَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ سَوْدَةَ بِالطُّولِ الْحَقِيقِيِّ ، وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا الْمَوْتَ ، فَإِذَا طَلَبَ السَّامِعُ سَبَبَ الْعُدُولِ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْإِضْمَارَ مَعَ أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهَا إِنَّمَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالصَّدَقَةِ لِمَوْتِهَا قَبْلَ الْبَاقِيَاتِ ، فَيَنْظُرُ السَّامِعُ وَيَبْحَثُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا زَيْنَبَ ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضْمَارِ مَا لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهَا : فَعَلِمْنَا بَعْدُ يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا أَنَّهُنَّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، ثُمَّ عَلِمْنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ ، وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ ، وَالَّذِي عَلِمْنَهُ آخِرًا خِلَافَ مَا اعْتَقَدْنَهُ أَوَّلًا ، وَقَدِ انْحَصَرَ الثَّانِي فِي زَيْنَبَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةُ . وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ : فَكَانَتْ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ ، وَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ . قُلْتُ : الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ حَذَفَ لَفْظَ سَوْدَةَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ ، وَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ فِي التَّارِيخِ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوقًا بِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَأَنَّهُ سَنَةَ عِشْرِينَ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ قَالَتْ : لَمَّا خَرَجَ الْعَطَاءُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِالَّذِي لَهَا ، فَتَعَجَّبَتْ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ ، وَأَمَرَتْ بِتَفْرِقَتِهِ ، إِلَى أَنْ كُشِفَ الثَّوْبُ فَوَجَدَتْ تَحْتَهُ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا ، ثُمَّ قَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا ، فَمَاتَتْ ، فَكَانَتْ أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوقًا بِهِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ قَالَ : كَانَتْ زَيْنَبُ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُوقًا بِهِ . فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَهْمًا . وَقَدْ سَاقَهُ يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا ، وَلَفْظُهُ : فَأَخَذْنَ قَصَبَةً يَتَذَارَعْنَهَا ، فَمَاتَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ : أَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ . هَذَا لَفَظَهُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْهُ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ عَنْهُ : فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا ، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا ، وَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ . وَهَذَا السِّيَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَى الرَّاوِي فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ظَاهِرٌ ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهُوَ لَفْظُ أَطُولُكُنَّ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْذُورٌ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ آجَالٍ مُقَدَّرَةٍ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ أَجَابَهُنَّ بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ ، وَأَحَالَهُنَّ عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِآخَرَ . وَسَاغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَمْ يُلَمْ ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مَجَازَهُ ، لِأَنَّ نِسْوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُنَّ : لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي ، إِنَّمَا أَعْنِي أَصْنَعُكُنَّ يَدًا . فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَحْتَجْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَرْعِ أَيْدِيهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ ، لِأَنَّ النِّسْوَةَ فَهِمْنَ مِنْ طُولِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطُّولِ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ ، وَمَا قَالَهُ لَا يُمْكِنُ اطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريباب · ص 335 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 281 ( باب ) أي هذا باب كذا ، وقع في رواية الأكثرين ، وسقط هذا في رواية أبي ذر ، فعلى روايته يكون هذا من ترجمة الباب السابق ، وعلى رواية غيره يكون قوله باب كالفصل من الباب ؛ لأن دأب المصنفين جرى بذكر لفظ كتاب في كذا ، ثم يذكرون فيه أبوابا ثم يذكرون في كل باب فصولا . 24 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن للنبي صلى الله عليه وسلم : أينا أسرع بك لحوقا ؟ قال : أطولكن يدا ، فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة ، وكانت أسرعنا لحوقا به ، وكانت تحب الصدقة . وجه تعلق هذا الحديث بما قبله من حيث إنه يبين أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول بالفتح ، وذلك لا يأتي إلا من الصحيح ؛ لأنه لا يحصل إلا بالمداومة في حال الصحة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري ، وقد مضى عن قريب . الثاني : أبو عوانة بفتح العين المهملة ، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري . الثالث : فراس بكسر الفاء وتخفيف الراء ، وفي آخره سين مهملة ابن يحيى الخارفي بالخاء المعجمة والراء والفاء ، المكتب . الرابع : عامر بن شراحيل الشعبي . الخامس : مسروق بن الأجدع . السادس عائشة أم المؤمنين ، رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . وفيه : أن شيخه بصري ، وأبو عوانة واسطي ، وفراس والشعبي ومسروق كوفيون . وفيه : رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابية . وفيه : أن أحد الرواة مذكور بكنيته ، والآخر بنسبته ، والآخر مجرد . والحديث أخرجه النسائي أيضا في الزكاة ، عن أبي داود الحراني ، عن يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي به . ( ذكر معناه ) : قوله : " أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن " بصيغة جمع المؤنث ، وعند ابن حبان من طريق يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة بهذا الإسناد ، قالت : فقلت ، وأخرجه النسائي في هذا الوجه بلفظ : " فقلن " بصيغة الجمع ، قوله : " أينا " إنما لم يقل أيتنا بتاء التأنيث ؛ لأن سيبويه يشبه تأنيث ، أي : بتأنيث كل في قولهم كلتهن يعني : ليس بفصيحة ، ذكره الزمخشري في سورة لقمان ، قوله : " لحوقا " نصب على التمييز ، أي : من حيث اللحوق بك ، قوله : " أطولكن " مرفوع يجوز أن يكون مبتدأ ، ويجوز أن يكون خبرا ، أما الأول فتقديره : أطولكن يدا أسرع بي لحوقا ، وأما الثاني فتقديره : أسرع بي لحوقا أطولكن يدا ، ويدا نصب على التمييز ، وإنما لم يقل طولاكن بلفظ فعلى ؛ لأن القياس هذا ؛ لأن في مثله يجوز الإفراد والمطابقة لمن أفعل التفضيل له قوله : " يذرعونها " ، أي : يقدرونها بذراع كل واحدة منهن ، وإنما ذكر بلفظ جمع المذكر ، والقياس : ذكر لفظ جمع المؤنث اعتبارا لمعنى الجمع ، أو عدل إليه كقول الشاعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم ذكره بلفظ جمع المذكر تعظيما ، قوله : " فكانت سودة " بفتح السين المهملة . وفي رواية ابن سعد ، عن عفان ، عن أبي عوانة بهذا الإسناد : سودة بنت زمعة القرشية العامرية ، تزوجها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد خديجة رضي الله تعالى عنها على المشهور ، قوله : " بعد " مبني على الضم ، أي : بعد ذلك ، يعني : بعد موت أول نسائه ، قوله : " إنما " بالفتح ؛ لأنه في محل مفعول علمنا ، قوله : " طول يدها " هو كلام إضافي منصوب ؛ لأنه خبر كانت والصدقة مرفوع ؛ لأنه اسم كانت ، قوله : " وكانت أسرعنا لحوقا به " ، أي : بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم ، والضمير في كانت بحسب الظاهر ، ويرجع إلى سودة ، وقد صرح به البخاري في تاريخه الصغير في روايته ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد ، فكانت سودة أسرعنا إلى آخره ، وكذا أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق العباس الدوري ، عن موسى بن إسماعيل ، وكذا في رواية عفان عند أحمد وابن سعد عنه ، وقال ابن سعد : قال لنا محمد بن عمر - يعني : الواقدي - هذا الحديث وهم في سودة ، وإنما هو في زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها ، فهي أول نسائه به لحوقا ، وتوفيت في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه - وبقيت سودة إلى أن توفت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين . وفي التلويح : هذا الحديث غلط من بعض الرواة ، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ، ولا من بعده من أصحاب التعاليق ، حتى إن بعضه فسره بأن لحوق سودة من أعلام النبوة ، وكل ذلك وهم ، وإنما هي زينب بنت جحش فإنها كانت أطولهن يدا بالمعروف ، وتوفيت سنة عشرين ، وهي أول الزوجات وفاة ، وسودة توفيت سنة أربع وخمسين ، وقد ذكر مسلم ذلك على الصحة من حديث عائشة بنت طلحة ، عن عائشة ، قالت : وكانت زينب أطولنا يدا ؛ لأنها كانت تعمل وتتصدق . ( قلت ) : أخذ صاحب التلويح هذا كله من كلام ابن الجوزي ، وقوله : حتى إن بعضهم المراد به الخطابي ، وذكر صاحب التلويح أيضا ، فقال : يحتمل أن تكون رواية البخاري لها وجه ، وهو أن يكون خطابه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لمن كان حاضرا عنده إذ ذاك من الزوجات ، وأن سودة وعائشة كانتا ثمة وزينب غائبة لم تكن حاضرة . ( قلت ) : هذا من كلام الطيبي ، فإنه قال : يمكن أن يقال فيما رواه البخاري : المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب ، فكانت سودة أولهن موتا . ( قلت ) : يرد ما قاله ما رواه ابن حبان من رواية يحيى بن حماد أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة ، ويمكن أن يأتي هذا على أحد القولين في وفاة سودة ، فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال أنه قال : ماتت سودة في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه - وجزم الذهبي في التاريخ الكبير : بأنها ماتت في آخر خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه - ، وقال ابن سيد الناس : إنه المشهور ، وأما على قول الواقدي الذي تقدم ذكره فلا يصح ، وقال ابن بطال : هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . ( قلت ) : مراده أن الصواب : وكانت زينب أسرعنا لحوقا به ، وقال بعضهم : يعكر على هذا التأويل الروايات المصرح فيها بأن الضمير لسودة . ( قلت ) : ابن بطال لم يؤول ، ولا يقال لمثل هذا تأويل ، وأراد بالروايات ما ذكرناه من البخاري الذي ذكره في تاريخه ، والبيهقي وأحمد وكل هذه الروايات لا تعارض قول من قال مات بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه زينب لا سودة ، وقال النووي : أجمع أهل السير أن زينب أول نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موتا بعده ، ويؤيد ذلك ما رواه يونس بن بكير في زيادة المغازي والبيهقي في الدلائل بإسناده عنه ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب ، ولكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقا ، ولا عائشة ، ولفظه : قلن النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أينا أسرع بك لحوقا ، قال : أطولكن يدا ، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدا ، فلما توفيت زينب ، علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة ، ويؤيده أيضا ما رواه الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه : " أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا " . قالت عائشة : فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نمد أيدينا في الجدار ، نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش ، وكانت امرأة قصيرة ، ولم تكن أطولنا ، فعرفنا حينئذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد بطول اليد الصدقة ، وكانت زينب امرأة صناع باليد ، فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله ، قال الحاكم على شرط مسلم : وهذه رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب ، وقال الكرماني : لا يخلو أن يقال إما أن في الحديث اختصارا وتلفيقا ، يعني : اختصر البخاري القصة ، ونقل القطعة الأخيرة من حديث فيه ذكر زينب ، فالضمائر راجعة إليها ، وإما أنه اكتفى بشهرة الحكاية ، وعلم أهل هذا الشأن بأن الأسرع لحوقا هي زينب ، فتعود الضمائر إلى من هي مفردة في أذهانهم ، وإما أن يؤول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي هي علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوقها به أولا ، وعلمنا بعد ذلك أنها هي التي طول صدقة يديها ، والحال أنها كانت أسرع لحوقا به ، وكانت محبة للصدقة . ( قلت ) : هذا الذي قاله الكرماني ليس بسديد ، لا من جهة التوفيق بين الأخبار ، ولا من جهة ما يقتضيه تركيب الكلام ، بل كلامه بعيد جدا من هذا الوجه ، وقال الطيبي : قوله " فعلمنا بعد " يعني : فهمنا من قوله أطولكن يدا ابتداء ظاهره ، فأخذنا لذلك قصبة نذرع بها يدا يدا لننظر أينا أطول يدا ، فلما فطنا محبتها الصدقة ، وعلمنا أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يرد باليد العضو ، وبالطول طولها ، بل أراد العطاء وكثرته ، أجريناه على الصدقة ، فاليد هاهنا استعارة للصدقة ، والطول ترشيح لها ؛ لأنه ملائم للمستعار منه ، ولو قيل : أكبركن ، لكان تجريدا لها . وقيل : وجه الجمع أن في قولها " فعلمنا " بعد إشعار بأنهن حملن طول اليد على ظاهره ، ثم علمن بعد ذلك خلاف ما اعتقدن أولا ، وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها آخرهن موتا فتعين أن تكون هي المرادة ، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله " فكانت " واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك ، انتهى . وقال بعضهم : وكأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في الصحيح لعلمه بالوهم فيه ، وأنه ساقه في التاريخ بإثبات ذكرها ، انتهى . ( قلت ) : قول القائل الأول فتعين أن تكون هي المرادة إلى آخره غير مسلم ، فمن أين التعيين من التركيب على أن زينب هي المرادة ، وكيف تقول وكذلك بقية الضمائر بعد قوله " فكانت " واستغنى عن تسميتها ، أي : عن تسمية زينب لشهرتها بذلك ، والمذكور فيه بالتصريح سودة ، ولا يبادر الذهن إلا إلى أن الضمير في " فكانت " يرجع إلى سودة بمقتضى حق التركيب ، وهذا الذي قاله خلاف ما يقتضيه حق التركيب ، وقول بعضهم : وكان هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة إلى آخره كلام تمجه الأسماع ؛ لأنه كيف يحذف لفظ سودة في الصحيح بالوهم ، ويثبته في التاريخ ، وكان اللائق به أن يكون الأمر بالعكس . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم ، وإن كان مراد المتكلم مجازه ؛ لأن نسوة النبي - صلى الله عليه وسلم - حملن طول اليد على الحقيقة ، فلم ينكر عليهن . ( فإن قلت ) : روى الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم ، عن ميمونة رضي الله عنها ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهن : ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يدا . ( قلت ) : هذا حديث ضعيف جدا ، ولو كان ثابتا لم يحتجن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذرع أيديهن ، كما مر في رواية عمرة ، عن عائشة . وفيه : دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ ؛ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة ، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة قاله المهلب ، ولكنه غير مطرد في جميع الأحوال . وفيه : علم من أعلام النبوة ظاهر . وفيه : أنه لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي ، أجابهن - صلى الله عليه وسلم - بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخره ، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية . وفيه : على ما قاله بعضهم : جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة إذا لم يكن هناك محذور . ( قلت ) : ليت شعري ما اللفظ المشترك هنا حتى يجوز إطلاقه بين الحقيقة والمجاز فإن كان مراده لفظ الطول ، فهو غير مشترك ، بل هو ترشيح الاستعارة ، وإن كان مراده لفظ اليد ، فهو ليس بمشترك هنا ، بل هو استعارة للصدقة على ما ذكرنا .