باب
( باب ) 24 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن للنبي صلى الله عليه وسلم : أينا أسرع بك لحوقا ؟ قال : أطولكن يدا ، فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة ، وكانت أسرعنا لحوقا به ، وكانت تحب الصدقة . وجه تعلق هذا الحديث بما قبله من حيث إنه يبين أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول بالفتح ، وذلك لا يأتي إلا من الصحيح ؛ لأنه لا يحصل إلا بالمداومة في حال الصحة .
( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري ، وقد مضى عن قريب . الثاني : أبو عوانة بفتح العين المهملة ، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري . الثالث : فراس بكسر الفاء وتخفيف الراء ، وفي آخره سين مهملة ابن يحيى الخارفي بالخاء المعجمة والراء والفاء ، المكتب .
الرابع : عامر بن شراحيل الشعبي . الخامس : مسروق بن الأجدع . السادس عائشة أم المؤمنين ، رضي الله تعالى عنها .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . وفيه : أن شيخه بصري ، وأبو عوانة واسطي ، وفراس والشعبي ومسروق كوفيون .
وفيه : رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابية . وفيه : أن أحد الرواة مذكور بكنيته ، والآخر بنسبته ، والآخر مجرد . والحديث أخرجه النسائي أيضا في الزكاة ، عن أبي داود الحراني ، عن يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي به .
( ذكر معناه ) : قوله : " أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن " بصيغة جمع المؤنث ، وعند ابن حبان من طريق يحيى بن حماد ، عن أبي عوانة بهذا الإسناد ، قالت : فقلت ، وأخرجه النسائي في هذا الوجه بلفظ : " فقلن " بصيغة الجمع ، قوله : " أينا " إنما لم يقل أيتنا بتاء التأنيث ؛ لأن سيبويه يشبه تأنيث ، أي : بتأنيث كل في قولهم كلتهن يعني : ليس بفصيحة ، ذكره الزمخشري في سورة لقمان ، قوله : " لحوقا " نصب على التمييز ، أي : من حيث اللحوق بك ، قوله : " أطولكن " مرفوع يجوز أن يكون مبتدأ ، ويجوز أن يكون خبرا ، أما الأول فتقديره : أطولكن يدا أسرع بي لحوقا ، وأما الثاني فتقديره : أسرع بي لحوقا أطولكن يدا ، ويدا نصب على التمييز ، وإنما لم يقل طولاكن بلفظ فعلى ؛ لأن القياس هذا ؛ لأن في مثله يجوز الإفراد والمطابقة لمن أفعل التفضيل ج٨ / ص٢٨٢له قوله : " يذرعونها " ، أي : يقدرونها بذراع كل واحدة منهن ، وإنما ذكر بلفظ جمع المذكر ، والقياس : ذكر لفظ جمع المؤنث اعتبارا لمعنى الجمع ، أو عدل إليه كقول الشاعر :
( قلت ) : أخذ صاحب التلويح هذا كله من كلام ابن الجوزي ، وقوله : حتى إن بعضهم المراد به الخطابي ، وذكر صاحب التلويح أيضا ، فقال : يحتمل أن تكون رواية البخاري لها وجه ، وهو أن يكون خطابه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لمن كان حاضرا عنده إذ ذاك من الزوجات ، وأن سودة وعائشة كانتا ثمة وزينب غائبة لم تكن حاضرة . ( قلت ) : هذا من كلام الطيبي ، فإنه قال : يمكن أن يقال فيما رواه البخاري : المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب ، فكانت سودة أولهن موتا . ( قلت ) : يرد ما قاله ما رواه ابن حبان من رواية يحيى بن حماد أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة ، ويمكن أن يأتي هذا على أحد القولين في وفاة سودة ،
فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال أنه قال : ماتت سودة في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه -وجزم الذهبي في التاريخ الكبير : بأنها ماتت في آخر خلافة عمر - رضي الله تعالى عنه - ، وقال ابن سيد الناس : إنه المشهور ، وأما على قول الواقدي الذي تقدم ذكره فلا يصح ، وقال ابن بطال : هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
( قلت ) : مراده أن الصواب : وكانت زينب أسرعنا لحوقا به ، وقال بعضهم : يعكر على هذا التأويل الروايات المصرح فيها بأن الضمير لسودة . ( قلت ) : ابن بطال لم يؤول ، ولا يقال لمثل هذا تأويل ، وأراد بالروايات ما ذكرناه من البخاري الذي ذكره في تاريخه ، والبيهقي وأحمد وكل هذه الروايات لا تعارض قول من قال مات بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه زينب لا سودة ، وقال النووي : أجمع أهل السير أن زينب أول نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موتا بعده ، ويؤيد ذلك ما رواه يونس بن بكير في زيادة المغازي والبيهقي في الدلائل بإسناده عنه ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب ، ولكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقا ، ولا عائشة ، ولفظه : قلن النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أينا أسرع بك لحوقا ، قال : أطولكن يدا ، فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يدا ، فلما توفيت زينب ، علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة ، ويؤيده أيضا ما رواه الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه : " أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا " . قالت عائشة : فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نمد أيدينا في الجدار ، نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش ، وكانت ج٨ / ص٢٨٣امرأة قصيرة ، ولم تكن أطولنا ، فعرفنا حينئذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد بطول اليد الصدقة ، وكانت زينب امرأة صناع باليد ، فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله ، قال الحاكم على شرط مسلم : وهذه رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب ، وقال الكرماني : لا يخلو أن يقال إما أن في الحديث اختصارا وتلفيقا ، يعني : اختصر البخاري القصة ، ونقل القطعة الأخيرة من حديث فيه ذكر زينب ، فالضمائر راجعة إليها ، وإما أنه اكتفى بشهرة الحكاية ، وعلم أهل هذا الشأن بأن الأسرع لحوقا هي زينب ، فتعود الضمائر إلى من هي مفردة في أذهانهم ، وإما أن يؤول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي هي علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوقها به أولا ، وعلمنا بعد ذلك أنها هي التي طول صدقة يديها ، والحال أنها كانت أسرع لحوقا به ، وكانت محبة للصدقة .
( قلت ) : هذا الذي قاله الكرماني ليس بسديد ، لا من جهة التوفيق بين الأخبار ، ولا من جهة ما يقتضيه تركيب الكلام ، بل كلامه بعيد جدا من هذا الوجه ، وقال الطيبي : قوله " فعلمنا بعد " يعني : فهمنا من قوله أطولكن يدا ابتداء ظاهره ، فأخذنا لذلك قصبة نذرع بها يدا يدا لننظر أينا أطول يدا ، فلما فطنا محبتها الصدقة ، وعلمنا أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يرد باليد العضو ، وبالطول طولها ، بل أراد العطاء وكثرته ، أجريناه على الصدقة ، فاليد هاهنا استعارة للصدقة ، والطول ترشيح لها ؛ لأنه ملائم للمستعار منه ، ولو قيل : أكبركن ، لكان تجريدا لها . وقيل : وجه الجمع أن في قولها " فعلمنا " بعد إشعار بأنهن حملن طول اليد على ظاهره ، ثم علمن بعد ذلك خلاف ما اعتقدن أولا ، وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها آخرهن موتا فتعين أن تكون هي المرادة ، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله " فكانت " واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك ، انتهى . وقال بعضهم : وكأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في الصحيح لعلمه بالوهم فيه ، وأنه ساقه في التاريخ بإثبات ذكرها ، انتهى .
( قلت ) : قول القائل الأول فتعين أن تكون هي المرادة إلى آخره غير مسلم ، فمن أين التعيين من التركيب على أن زينب هي المرادة ، وكيف تقول وكذلك بقية الضمائر بعد قوله " فكانت " واستغنى عن تسميتها ، أي : عن تسمية زينب لشهرتها بذلك ، والمذكور فيه بالتصريح سودة ، ولا يبادر الذهن إلا إلى أن الضمير في " فكانت " يرجع إلى سودة بمقتضى حق التركيب ، وهذا الذي قاله خلاف ما يقتضيه حق التركيب ، وقول بعضهم : وكان هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة إلى آخره كلام تمجه الأسماع ؛ لأنه كيف يحذف لفظ سودة في الصحيح بالوهم ، ويثبته في التاريخ ، وكان اللائق به أن يكون الأمر بالعكس . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم ، وإن كان مراد المتكلم مجازه ؛ لأن نسوة النبي - صلى الله عليه وسلم - حملن طول اليد على الحقيقة ، فلم ينكر عليهن . ( فإن قلت ) : روى الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم ، عن ميمونة رضي الله عنها ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهن : ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يدا .
( قلت ) : هذا حديث ضعيف جدا ، ولو كان ثابتا لم يحتجن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذرع أيديهن ، كما مر في رواية عمرة ، عن عائشة . وفيه : دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ ؛ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة ، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة قاله المهلب ، ولكنه غير مطرد في جميع الأحوال . وفيه : علم من أعلام النبوة ظاهر .
وفيه : أنه لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي ، أجابهن - صلى الله عليه وسلم - بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخره ، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية . وفيه : على ما قاله بعضهم : جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة إذا لم يكن هناك محذور . ( قلت ) : ليت شعري ما اللفظ المشترك هنا حتى يجوز إطلاقه بين الحقيقة والمجاز فإن كان مراده لفظ الطول ، فهو غير مشترك ، بل هو ترشيح الاستعارة ، وإن كان مراده لفظ اليد ، فهو ليس بمشترك هنا ، بل هو استعارة للصدقة على ما ذكرنا .