باب أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح
( باب أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح ) أي باب يذكر فيه أي الصدقة من الصدقات أفضل وأعظم أجرا ، هكذا هو الترجمة في رواية الأكثرين . وفي رواية أبي ذر : باب فضل صدقة الشحيح الصحيح ، قوله : " وصدقة الشحيح " بالرفع عطف على ما قبله من المقدر ، تقديره : وفضل صدقة الشحيح ، ولم يتردد فيه ؛ لأن فضل صدقة الشحيح الصحيح على غيره ظاهر ؛ لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو شقيق الروح ، مع قيام مانع الشح ، وليس هذا إلا من قوة الرغبة في القربة وصحة العقد ، فكان أفضل من غيره ، وتردد في الأول بكلمة ، أي التي هي للاستفهام ؛ لأن إطلاق الأفضلية فيه موضع التردد ، قوله : " الشحيح " صفة مشبهة من الشح ، قال ابن سيده : والشح والشح والشح : البخل ، والضم أعلى ، وقد شححت تشح وتشح وشححت تشح ، ورجل شحيح وشحاح من قوم أشحة وأشحاء ومشحاح ، ونفس شحة شحيحة ، وعن ابن الأعرابي : وشاحوا في الأمر وعليه . وفي الجامع حكى قوم : الشح والشح ، وأرى أن يكون الفتح في المصدر والضم في الاسم ، وجمعه في أقل العدد أشحة ، ولم أسمع غيره .
وفي المنتهى لأبي المعاني : الشح بخل مع حرص ، وقال أبو إسحاق الحربي في كتابه غريب الحديث : للشح ثلاثة وجوه : الأول : أن تأخذ مال أخيك بغير حقه ، قال رجل لابن مسعود : ما أعطي ما أقدر على منعه ؟ قال : ذاك البخل ، والشح أن تأخذ مال أخيك بغير حق . الثاني : ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : الشح منع الزكاة وادخار الحرام . الثالث : ما روي أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، قال : والذي يبرئ من الوجوه الثلاثة ، ما روي : " بريء من الشح من أدى الزكاة ، وقرى الضيف ، وأعطى في النائبة " .
وفي المغيث : الشح أبلغ في المنع من البخل ، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء ، والشح عام وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة ، وقيل : البخل بالمال والشح بالماء والمعروف . وقيل : الشحيح : البخيل مع التحرص . وفي مجمع الغرائب : الشح المطاع هو البخل الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فيه .
( لقوله : مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية ) . علل الترجمة بهذه الآية الكريمة ؛ لأن معناها التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل ، واشتغالا بطول الأمل ، والترجمة في فضل صدقة الصحيح الشحيح ؛ لأن فيها مجاهدة النفس على الإنفاق خوفا من هجوم الأجل مع قيام المانع ، وهو الشح ، فلذلك كانت صدقته أفضل من صدقة غيره ، وهذا هو وجه المطابقة بين الترجمة والآية ، والآية الكريمة في سورة المنافقين ، ومعنى : " أنفقوا " تصدقوا مما رزقكم الله من الأموال مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني : يقول يا سيدي ردني إلى الدنيا فَأَصَّدَّقَ يعني : فأتصدق ، ويقال : أصدق بالله وأكن من الصالحين . يعني : أفعل ما فعل المصدقون ، وروى الضحاك ، عن ابن عباس أنه قال : من كان له مال تجب فيه الزكاة فلم يزكه ، أو مال يبلغه بيت ربه فلم يحج ، سأل عند الموت الرجعة قال : فقال رجل : اتق الله يا ابن عباس ، إنما سألت الكفار الرجعة ، قال ابن عباس : إني أقرأ عليك بهذا القرآن .
وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ الآية . وقوله : بالجر عطف على لقوله ، وهذه الآية الكريمة في سورة البقرة ، وهذه متأخرة عن الآية الأولى في رواية الأكثرين . وفي رواية أبي ذر بالعكس ، وقد أمر الله تعالى هنا أيضا بالإنفاق مما رزقهم الله في سبيله ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ، فعليهم المبادرة إلى ذلك مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ أي : لا بدل فيه ، وذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل ، وَلا خُلَّةٌ أي : ليس خليل ينفع في ذلك اليوم ، وَلا شَفَاعَةٌ للكافرين ، وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير ج٨ / ص٢٨٠موضعها ، وعولوا على شفاعة الأصنام ، وروى ابن أبي حاتم ، عن عطاء بن دينار أنه قال : الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ، ولم يقل والظالمون هم الكافرون .
23 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا عمارة بن القعقاع قال : حدثنا أبو زرعة قال : حدثنا أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : " جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، أي الصدقة أعظم أجرا ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم . قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان " . مطابقته للترجمة في قوله : " أن تصدق وأنت صحيح شحيح " ، فالصدقة في هذه الحالة أعظم أجرا ؛ لأن هذا القول من النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواب السائل ، أي : الصدقة أعظم أجرا ، فإذا كانت هذه الصدقة أعظم أجرا كانت أفضل من غيرها .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل ، أبو سلمة المنقري ، وقد مر غير مرة . الثاني : عبد الواحد بن زياد أبو بشر . الثالث : عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن القعقاع بالقافين المفتوحتين والعينين المهملتين ابن شبرمة .
الرابع : أبو زرعة بضم الزاي وسكون الراء ، قيل : اسمه هرم . وقيل : عبد الرحمن . وقيل : عمرو ، وقد مر في باب الجهاد من الإيمان .
الخامس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في الإسناد كله ، وإلى هنا ما وقع في الكتاب نظير هذا . وفيه : القول في موضع واحد .
وفيه : أحد الرواة مذكور بغير نسبة ، والآخر مذكور بكنيته . وفيه : أن شيخه وشيخ شيخه بصريان ، وعمارة وأبو زرعة كوفيان . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الوصايا ، عن محمد بن العلاء ، عن أبي أسامة ، عن سفيان ، وأخرجه مسلم في الزكاة ، عن زهير بن حرب ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير ، وعن أبي كامل ، عن عبد الواحد ، وأخرجه النسائي فيه ، عن أحمد بن حرب .
وفي الزكاة ، عن محمود بن غيلان . ( ذكر معناه ) : قوله : " جاء رجل " قيل : يحتمل أن يكون أبا ذر ؛ لأنه في مسند أحمد سأل ، أي : الصدقة أفضل ، وكذا روى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أبا ذر سأل ، لكن جوابه جهد من مقل ، أو سرى إلى فقير ، قوله : " قال : أن تصدق " بتشديد الصاد ، وأصله أن تتصدق من باب التفعل ، فأبدلت إحدى التاءين صادا ، وأدغمت الصاد في الصاد ، ويجوز تخفيف الصاد بحذف إحدى التاءين ، والمتصدق هو الذي يعطي الصدقة ، وأما المصدق ، فهو الذي يأخذ الصدقة من التصديق من باب التفعيل . ( فإن قلت ) : ما محل " أن تصدق " من الإعراب ؟ ( قلت ) : مرفوع على الخبرية ، والمبتدأ محذوف ، تقديره : أعظم الصدقة أجرا أن تصدق ، أي : بأن تصدق ، قوله : " وأنت صحيح " جملة اسمية وقعت حالا ، قوله : " شحيح " خبر بعد خبر ، قوله : " تخشى الفقر " جملة فعلية وقعت حالا ، قوله : " وتأمل الغنى " عطف على ما قبله ، وتأمل بضم الميم ، أي : تطمع بالغنى والصدقة في هاتين الحالتين أشد مراغمة للنفس ، قوله : " ولا تمهل " بفتح اللام من الإمهال ، وهو التأخير ، تقديره : وأن لا تمهل ؛ لأنه معطوف على قوله : " أن تصدق " ، ويروى بسكون اللام على صورة النهي ، قوله : " حتى إذا بلغت الحلقوم " كلمة حتى للغاية ، والضمير في بلغت يرجع إلى الروح بدلالة سياق الكلام عليه ، والمراد منه : قاربت البلوغ إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ، ولا شيء من تصرفاته ، والحلقوم هو الحلق .
وفي المخصص عن أبي عبيدة : هو مجرى النفس ، والسعال من الجوف ، وهو أطباق غراضيف ليس دونه من ظاهر باطن العضو إلا جلد ، وطرفه الأسفل في الرئة ، والأعلى في أصل عقدة اللسان ، ومنه مخرج البصاق والصوت . وفي المحكم ذكر الحلقوم في باب حلق ، بحذف زائدته ، وهما الواو والميم ، وقال : الحلقوم كالحلق ، فعلوم عند الخليل ، وفعلول عند غيره ، قوله : " لفلان " كناية عن الموصى له ، وقوله : " كذا " كناية عن الموصى به ، وحاصل المعنى أفضل الصدقة أن تتصدق حال حياتك وصحتك مع احتياجك إليه واختصاصك به ، لا في حال سقمك وسياق موتك ؛ لأن المال حينئذ خرج عنك ، وتعلق بغيرك ، ويشهد لهذا التأويل حديث أبي سعيد ؛ لأن يتصدق المرء في حال حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته ، وقال الخطابي : فيه دليل على أن ج٨ / ص٢٨١المرض يقصر يد المالك ، عن بعض ملكه وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل ، ولذلك شرط أن يكون صحيح البدن شحيحا بالمال ، يجد له وقعا في قلبه ، لما يأمله من طول العمر ، ويخاف من حدوث الفقر ، قال : والاسمان الأولان كناية ، عن الموصى له ، والثالث عن الوارث ، يريد أنه إذا صار للوارث فإنه إن شاء أبطله ، ولم يجزه ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون كناية عن المورث ، أي : خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرفات ، فليس له في وصيته كثير ثواب بالنسبة إلى ما كان كامل التصرف . ( قلت ) : في قوله كناية عن المورث نظر لا يخفى ، وروى أبو الدرداء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مثل الذي يعتق عند الموت كالذي يهدي إذا شبع " ولما بلغ ميمون بن مهران أن رقية امرأة هشام ماتت وأعتقت كل مملوك لها ، قال : يعصون الله في أموالهم مرتين ، يبخلون بما في أيديهم ، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها ، قوله : " وقد كان لفلان " يريد به الوارث كما قاله الخطابي آنفا ، فإنه إذا شاء لم يجزه ، قيل : لعله إذا جاوزت الوصية الثلث ، أو كانت لوارث ، وقبل سبق القضاء به للموصى له .