باب اتقوا النار ولو بشق تمرة
حدثنا بشر بن محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ، ولم تأكل منها ، ثم قامت فخرجت ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ، فأخبرته فقال : من ابتلي من هاذه البنات بشيء كن له سترا من النار . مطابقته للترجمة في قوله فقسمتها بين ابنتيها ، أي : لما قسمت التمرة بينهما صار لكل واحدة منهما شق تمرة ، فدخلت الأم في عموم قوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : من ابتلي إلى آخره ؛ لأنها ممن ابتلي بشيء من البنات ، وأما مناسبة فعل عائشة - رضي الله تعالى عنها - للترجمة ففي قوله : والقليل من الصدقة فإنه من الترجمة أيضا . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ، ذكروا كلهم ، وبشر بكسر الباء الموحدة تقدم في كتاب الوحي ، وعبد الله ، هو ابن المبارك ، ومعمر بفتح الميمين ، هو ابن راشد ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ، مر في باب الوضوء مرتين ، وعروة هو ابن الزبير .
وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في موضعين .
وفيه : القول في ثلاثة مواضع . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في الأدب ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وأخرجه مسلم في الأدب ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وأبي بكر بن إسحاق الصغاني ، وعن محمد بن عبد الله بن فهزاد ، وأخرجه الترمذي في البر ، عن أحمد بن محمد بن عبد الله ، عن ابن المبارك ، وقال : حسن صحيح . ( ذكر معناه ) قوله : لها في محل الرفع ؛ لأنها صفة لقوله ابنتان ، أي : ابنتان كائنتان لها ، قوله : تسأل جملة في محل النصب على الحال من الأحوال المقدرة ، قوله : من هذه البنات الظاهر أنها إشارة إلى أمثال المذكورات من أصحاب الفقر والفاقة ، ويحتمل أن يراد به الأشارة إلى جنس البنات مطلقا ، وإنما قال سترا ، ولم يقل أستارا ؛ لأن المراد الجنس ، فيتناول القليل والكثير ، قوله : بشيء ، أي : أحوال البنات أو من نفس البنات ، أي : من ابتلي منهن بأمر من أمورهن ، أو من ابتلي ببنت منهن ، سماه ابتلاء لموضع الكراهة لهن ، كما أخبر الله تعالى .
وفيه : حض على الصدقة بالقليل ، وإعطاء عائشة التمرة لئلا ترد السائل خائبا ، وهي تجد شيئا ، وروى أنها أعطت سائلا جبة عنب ، فجعل يتعجب فقالت : كما ترى فيها مثقال ذرة ، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي تميمة الهجيمي : لا تحقرن شيئا من المعروف ولو أن تضع من دلوك في إناء المستسقى . وفيه : قسمة المرأة التمرة بين ابنتيها لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة . وفيه : أن النفقة على البنات والسعي عليهن من أفضل أعمال البر المنجية من النار ، وكانت عائشة - رضي الله تعالى عنها - من أجود الناس ، أعطت في كفارة يمين أربعين رقبة .
وقيل : فعلت ذلك في نذر مبهم ، وكانت ترى أنها لم توف بما يلزمها فيه وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم .