14 - بَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ 1421 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ ، فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، عَلَى زَانِيَةٍ ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ ، تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، عَلَى سَارِقٍ ، وَعَلَى زَانِيَةٍ ، وَعَلَى غَنِيٍّ ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ) أَيْ : فَصَدَقَتُهُ مَقْبُولَةٌ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ . قَوْلُهُ : ( لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ . وَكَرَّرَ كَذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عَقَبَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ . وَقَوْلُهُ : لَأَتَصَدَّقَنَّ مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ كَالنَّذْرِ مَثَلًا ، وَالْقَسَمُ فِيهِ مُقَدَّرٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ . قَوْلُهُ : ( فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ ) أَيْ : وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سَارِقٌ . قَوْلُهُ : ( فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَيَّةَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ : تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى فُلَانٍ السَّارِقِ . وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَسْمِيَةَ أَحَدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ . وَقَوْلُهُ : تُصُدِّقَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ) أَيْ : لَا لِي لِأَنَّ صَدَقَتِي وَقَعَتْ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَلَكَ الْحَمْدُ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِكَ لَا بِإِرَادَتِي ، فَإِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ كُلَّهَا جَمِيلَةٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مُسْتَحِقٍّ فَوَضَعَهَا بِيَدِ زَانِيَةٍ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهَا ، أَوْ أَجْرَى الْحَمْدَ مَجْرَى التَّسْبِيحِ فِي اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ ، فَلَمَّا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ تَعَجَّبَ هُوَ أَيْضًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، عَلَى زَانِيَةٍ ، أَيْ : الَّتِي تَصَدَّقْتُ عَلَيْهَا ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ . انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَمَّا الَّذِي قَبْلَهُ فَأَبْعَدُ مِنْهُ . وَالَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ سَلَّمَ وَفَوَّضَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، لِأَنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالِ ، لَا يُحْمَدُ عَلَى الْمَكْرُوهِ سِوَاهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى مَا لَا يُعْجِبُهُ قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ . قَوْلُهُ : ( فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَأَتَى فِي مَنَامِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْهُ ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُعَيْبٍ وَفِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ أُتِيَ أَيْ : أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَوْ سَمِعَ هَاتِفًا مَلَكًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ أَوْ أَفْتَاهُ عَالِمٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَوْ أَتَاهُ مَلَكٌ فَكَلَّمَهُ ، فَقَدْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُكَلِّمُ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ . وَقَدْ ظَهَرَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا كُلَّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا النَّقْلَ الْأَوَّلَ . قَوْلُهُ : ( أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ ) زَادَ أَبُو أُمَيَّةَ : فَقَدْ قُبِلَتْ . وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَابْنِ لَهِيعَةَ : أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مُخْتَصَّةً بِأَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَلِهَذَا تَعَجَّبُوا مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ . وَفِيهِ أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِجْزَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفَرْضِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَلَا عَلَى الْمَنْعِ ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا تَضَمَّنَ قِصَّةً خَاصَّةً وَقَعَ الِاطِّلَاعُ فِيهَا عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِرُؤْيَا صَادِقَةٍ اتِّفَاقِيَّةٍ ، فَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّنْصِيصَ فِي هَذَا الْخَبرِ عَلَى رَجَاءِ الِاسْتِعْفَافِ هُوَ الدَّالُّ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ ، فَيَقْتَضِي ارْتِبَاطُ الْقَبُولِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ . وَفِيهِ فَضْلُ صَدَقَةِ السِّرِّ ، وَفَضْلُ الْإِخْلَاصِ ، وَاسْتِحْبَابُ إِعَادَةِ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سِوَاهُ ، وَبَرَكَةُ التَّسْلِيمِ وَالرِّضَا ، وَذَمُّ التَّضَجُّرِ بِالْقَضَاءِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَا تَقْطَعِ الْخِدْمَةَ ، وَلَوْ ظَهَرَ لَكَ عَدَمُ الْقَبُولِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَم · ص 340 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم · ص 285 ( باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم ) أي هذا باب يذكر فيه إذا تصدق رجل على شخص غني ، والحال أنه لم يعلم أنه غني ، يعني : ظنه فقيرا ، وجواب إذا مقدر ، أي : فصدقته مقبولة ، وإن كانت وقعت في غير محلها ، لعدم التقصير من جهته . 25 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال رجل : لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق على سارق ، فقال : اللهم لك الحمد ، لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على زانية ، فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق على غني ، فقال : اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني ، فأتي فقيل له : أما صدقتك على سارق ، فلعله أن يستعف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها ، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله . مطابقته للترجمة من قوله " فخرج بصدقته فوضعها في يد غني " . ( فإن قلت ) : المذكور في الحديث ثلاثة أشياء ، فما وجه الترجمة في التصدق على الغني . ( قلت ) : التصدق على الغني لا يجوز على كل حال حتى إذا أعطى زكاته لغني يظنه فقيرا ، ثم بان له أنه غني يعيد زكاته عند البعض على ما نذكره عن قريب ، إن شاء الله تعالى ، وأما دفعها إلى سارق فقير ، أو إلى زانية فقيرة ، فهو جائز بلا خلاف . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا غير مرة وأبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف الحكم بن نافع الحمصي وشعيب بن حمزة الحمصي وأبو الزناد بالزاي والنون ذكوان والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار كذلك في موضع . وفيه : العنعنة في موضعين . وفي رواية مالك في الغرائب للدارقطني ، عن أبي الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره أنه سمع أبا هريرة . وفيه : راويان مذكوران بكنيتهما ، والآخر بلقبه ، والآخر مجردا عن نسبة ، فافهم . والحديث أخرجه النسائي أيضا في الزكاة بالإسناد ، وأخرجه مسلم من حديث موسى بن عقبة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على زانية ، قال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون : تصدق على غني ، قال : اللهم لك الحمد على غني ، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق على سارق ، فقال : اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق ، فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ؛ أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها ، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته . ( ذكر معناه ) قوله : " قال رجل " لم يعرف اسمه ، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة ، عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل ، قوله : " لأتصدقن " في معرض القسم ، فلذلك أكده باللام والنون المشددة ، كأنه قال : " والله لأتصدقن " ، وهو من باب الالتزام كالنذر ، قوله " بصدقة " وفي رواية أبي عوانة ، عن أبي أمية ، عن أبي اليمان بهذا الإسناد : " لأتصدقن الليلة " . وفي رواية مسلم : " لأتصدقن في الليلة بصدقة " . قوله : " فوضعها في يد سارق " ، أي : فوضع صدقته في يد سارق من غير أن يعلم أنه سارق ، قوله : " فأصبحوا " ، أي : القوم الذين فيهم هذا الرجل المتصدق ، قوله : " يتحدثون " في محل النصب ؛ لأنه خبر أصبحوا الذي هو من الأفعال الناقصة ، قوله : " تصدق " على صيغة المجهول هذا إخبار في معنى التعجب والإنكار . وفي رواية أبي أمية : " تصدق الليلة على سارق " . وفي رواية ابن لهيعة : " تصدق على فلان السارق " قوله : " فقال اللهم لك الحمد " ، أي : على تصدقي على سارق ، هذا وارد إما إنكارا أو إما تعجبا ، أما الإنكار فأن يجري الحمد على الشكر ، وذلك أنه لما جزم أن يتصدق على مستحق ليس بعده بدلالة التنكير في صدقة أبرز كلامه في معرض القسمية تأكيدا وقطعا للقبول به ، فلما جوزي بوضعه على يد سارق حمد الله بأنه لم يقدر على من هو أسوأ حالا من السارق ، وأما التعجب فأن يجري الحمد على غير الشكر وأن يعظم الله تعالى عند رؤية العجب كما يقال سبحان الله عند مشاهدة ما يتعجب منه وللتعظيم ؛ قرن به اللهم ، قوله : " لك الحمد على زانية " قال الطيبي : لما قالوا تصدق على زانية تعجب هو أيضا من فعل نفسه ، وقال : الحمد لله على زانية ، أي : أتصدق عليها ، فهو متعلق بمحذوف ، انتهى . ( قلت ) : معنى قوله " على زانية " متعلق بمحذوف ، وهو قوله " أتصدقت " وليس هو متعلقا بقوله " لك الحمد " ، ولم يفهم معنى هذا بعضهم حتى قال ولا يخفى بعد هذا ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما معنى الحمد عليه ، وهو لا يكون إلا على أمر جميل ، وما فائدة تقديم لك . ( قلت ) : التقديم يفيد الاختصاص ، أي : لك الحمد لا لي ، على زانية حيث كان التصدق عليها بإرادتك لا بإرادتي ، وإرادة الله تعالى كلها جميلة حتى إرادة الله الإنعام على الكفار ، قوله : " تصدق الليلة على زانية " على صيغة المجهول أيضا ، وكذلك لفظ تصدق الثالث ، قوله : " فأتي " على صيغة المجهول ، أي : رأى في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أخبره نبي أو أفتاه عالم ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبي زمانه ، أو أخبر في نومه ، وقال صاحب التلويح : لو رأى ما في مستخرج أبي نعيم لما احتاج إلى هذا التخرص ، وهو قوله : فساءه ذلك فأتي في منامه ، فقيل له : إن الله عز وجل قد قبل صدقتك . وفي رواية الطبراني أيضا في مسند الشامين ، عن أحمد بن عبد الوهاب ، عن أبي اليمان بالإسناد المذكور : فساءه ذلك فأتي في منامه ، قوله : " أما صدقتك على سارق " زاد أبو أمية : " فقد قبلت " . وفي رواية موسى بن عقبة وابن لهيعة : " أما صدقتك فقد قبلت " . وفي رواية الطبراني : " إن الله قد قبل صدقتك " قوله : " لعله أن يستعف " لعل من الله تعالى على معنى القطع والحتم ، وأنه تارة يستعمل استعمال عسى ، وتارة استعمال كاد ، قوله " عن زناها " قال ابن التين : رويناه بالمد ، وعند أبي ذر بالقصر ، وهي لغة أهل الحجاز ، والمد لأهل نجد . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه دلالة على أن الصدقة كانت عندهم في أيامهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة . وفيه : دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير ؛ لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله تعالى قبلت منه ، ولم يضره وضعها عند من لا يستحقها ، وهذا في صدقة التطوع ، وأما الزكاة فلا يجوز دفعها إلى الأغنياء . وفيه : اعتبار لمن تصدق عليه ، بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال الممدوحة ، ويستعف السارق من سرقته والزانية من زناها ، والغني من إمساكه . وفيه : فضل صدقة السر وفضل الإخلاص . وفيه : استحب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع . وفيه : أن الحكم للظاهر حتى يتبين خلافه . وفيه : التسليم والرضى وذم التضجر بالقضاء . وفيه : ما يحتج به أبو حنيفة ومحمد فيما إذا أعطى زكاته لشخص وظنه فقيرا فبان أنه غني سقطت عنه تلك الزكاة ، ولا تجب عليه الإعادة ، وحكي ذلك أيضا ، عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي ، وقال أبو يوسف والشافعي والحسن بن صالح : لا يجزيه وعليه الإعادة ، وهو قول الثوري ؛ لأنه لم يضع الصدقة موضعها وأخطأ في اجتهاده كما لو نسي الماء في رحله وتيمم لصلاة لم يجزه ، فافهم . ( فإن قيل ) هذا الخبر خاص وقع فيه الاطلاع على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفق وقوعها ، فهل يتعدى هذا الحكم إلى غيره ؟ ( قيل له ) إن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف ، فيدل ذلك على التعدية فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب .