15 - بَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ 1422 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي ، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ ) أَيِ الشَّخْصُ ( عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ اخْتِصَارًا ، وَتَقْدِيرُهُ جَازَ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ . وَمُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْخَبَرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ يَزِيدَ أَعْطَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ ، وَكَانَ هُوَ السَّبَبُ فِي وُقُوعِ الصَّدَقَةِ فِي يَدِ وَلَدِهِ ، قَالَ : وَعَبَّرَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِنَفْيِ الشُّعُورِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِنَفْيِ الْعِلْمِ ، لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ فِي السَّابِقَةِ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ إِعْطَاءِ الْفَقِيرِ فَأَخْطَأَ اجْتِهَادُهُ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الْعِلْمَ ، وَأَمَّا هَذَا فَبَاشَرَ التَّصَدُّقَ غَيْرُهُ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ صَاحِبِ الصَّدَقَةِ الشُّعُورَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا اسْمُهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ سَمَاعُهُ منْ مَعْنٍ ، وَمَعْنٌ أَمِيرٌ عَلَى غَزَاةٍ بِالرُّومِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي ) اسْمُ جَدِّهِ الْأَخْنَسُ بْنُ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَوَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ لِمُطَيَّنٍ ، وَتَبِعَهُ الْبَارُودِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ مَنْدَهْ ، وَأَبُو نُعَيْمْ أَنَّ اسْمَ جَدِّ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ثَوْرٌ ، فَتَرْجَمُوا فِي كُتُبِهِمْ بِثَوْرٍ ، وَسَاقُوا حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ وَالِدِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ثَوْرٍ السُّلَمِيِّ ، أَخْرَجَهُ مُطَيَّنٌ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَرَوَاهُ الْبَارُودِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مُطَيَّنٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، عَنِ الْبَارُودِيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ ، وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ ، لَمْ يُسَمُّوا جَدَّ مَعْنٍ ، بَلْ تَفَرَّدَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ بِذَلِكَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَظُنُّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي ثَوْرٍ السُّلَمِيِّ فَتَصَحَّفْتُ أَدَاةَ الْكُنْيَةِ بِابْنٍ ، فَإِنَّ مَعْنًا كَانَ يُكَنَّى أَبَا ثَوْرٍ ، فَقَدْ ذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ ، وَابْنَهُ ثَوْرًا قُتِلَا يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ . وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي الصَّحَابَةِ : ثَوْرٌ السُّلَمِيُّ جَدُّ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيِّ لِأُمِّهِ . فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ شَهِدَ بَدْرًا هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَسْلَمَ مَعَهُ جَمِيعُ أَهْلِهِ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً أَبَتْ أَنْ تُسْلِمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ فَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا ، لِأَنَّ الْآيَةَ مُتَأَخِّرَةُ الْإِنْزَالِ عَنْ بَدْرٍ قَطْعًا . وَقَدْ فَرَّقَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ بَيْنَ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ وَبَيْنَ يَزِيدَ وَالِدِ مَعْنٍ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ . قَوْلُهُ : ( وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي ) أَيْ : طَلَبَ لِيَ النِّكَاحَ فَأُجِيبَ ، يُقَالُ : خَطَبَ الْمَرْأَةَ إِلَى وَلِيِّهَا إِذَا أَرَادَهَا الْخَاطِبُ لِنَفْسِهِ ، وَعَلَى فُلَانٍ إِذَا أَرَادَهَا لِغَيْرِهِ ، وَالْفَاعِلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّاوِي بَيَانُ أَنْوَاعِ عَلَاقَاتِهِ بِهِ مِنَ الْمُبَايَعَةِ وَغَيْرِهَا . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَخْطُوبَةِ ، وَلَوْ وَرَدَ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ لَضَاهَى بَيْتَ الصَّدِيقِ فِي الصُّحْبَةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِمْ أَرْبَعَةً فِي نَسَقٍ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ حَارِثَةَ قَدِمَ فَأَسْلَمَ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ أُسَامَةَ وُلِدَ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ نَظَائِرَ لِذَلِكَ أَكْثَرُهَا فِيهِ مَقَالٌ ذَكَرْتُهَا فِي النُّكَتِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا إِذْنًا مُطْلَقًا . قَوْلُهُ : ( فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا ) أَيْ : مِنَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا بِإِذْنِهِ لَا بِطَرِيقِ الِاعْتِدَاءِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قُلْتُ : مَا كَانَتْ خُصُومَتُكَ ؟ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَغْشَى الْمَسْجِدَ فَيَتَصَدَّقُ عَلَى رِجَالٍ يَعْرِفُهُمْ ، فَظَنَّ أَنِّي بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْتُهُ ) الضَّمِيرُ لِأَبِيهِ أَيْ : فَأَتَيْتُ أَبِي بِالدَّنَانِيرِ الْمَذْكُورَةِ . قَوْلُهُ : ( وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ ) يَعْنِي لَوْ أَرَدْتُ أَنَّكَ تَأْخُذُهَا لَنَاوَلْتُهَا لَكَ وَلَمْ أُوَكِّلْ فِيهَا ، أَوْ كَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لَا تُجْزِئُ ، أَوْ يَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَلُ . قَوْلُهُ : ( فَخَاصَمْتُهُ ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا : وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( لَكَ مَا نَوَيْتَ ) أَيْ : إِنَّكَ نَوَيْتَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ، وَابْنُكَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فَوَقَعَتِ الْمَوْقِعَ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِكَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا . قَوْلُهُ : ( وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ ) أَيْ : لِأَنَّكَ أَخَذْتَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ : وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ ؛ أَيْ : إِنِّي أَخْرَجْتُكَ بِنِيَّتِي ، وَإِنَّمَا أَطْلَقْتُ لِمَنْ تُجْزِئُ عَنِّي الصَّدَقَةُ وَلَمْ تَخْطُرْ أَنْتَ بِبَالِي ، فَأَمْضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِطْلَاقَ ، لِأَنَّهُ فَوَّضَ لِلْوَكِيلِ بِلَفْظٍ مُطْلَقٍ فَنَفَّذَ فِعْلَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقَاتِ عَلَى إِطْلَاقِهَا وَإِنِ احْتَمَلَ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ فَرْدٌ مِنَ الْأَفْرَادِ لَقَيَّدَ اللَّفْظَ بِهِ ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الصَّدَقَةِ إِلَى كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعٍ ، وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا لَا يَلْزَمُ أَبَاهُ يَزِيدَ نَفَقَتُهُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطًا فِي بَابِ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ بَابًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِيهِ جَوَازُ الِافْتِخَارِ بِالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّحَدُّثِ بِنِعَمِ اللَّهِ . وَفِيهِ جَوَازُ التَّحَاكُمِ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ عُقُوقًا . وَجَوَازُ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّدَقَةِ وَلَا سِيَّمَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ، لِأَنَّ فِيهِ نَوْعُ إِسْرَارٍ . وَفِيهِ أَنَّ لِلمتَّصَدُّقِ أَجْرَ مَا نَوَاهُ سَوَاءٌ صَادَفَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ لَا . وَأَنَّ الْأَبَ لَا رُجُوعَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ · ص 341 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر · ص 287 ( باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر ) أي هذا باب يذكر فيه إذا تصدق شخص على ابنه والحال أنه لا يشعر وجواب الشرط محذوف تقديره : جاز ، وإنما حذفه إما اختصارا وإما اكتفاء بما دل حديث الباب عليه . وقيل : إنما حذفه ؛ لأنه يصير لعدم شعوده كالأجنبي . 26 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا إسرائيل قال : حدثنا أبو الجويرية أن معن بن يزيد - رضي الله عنه - حدثه قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأبي وجدي وخطب علي فأنكحني وخاصمت إليه ، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها ، فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لك ما نويت يا يزيد ، ولك ما أخذت يا معن . مطابقته للترجمة من حيث إن يزيد أعطى دنانير للرجل ليتصدق عنه ، ولم يحجر عليه ، فجاء ابنه معن وأخذها من الرجل ، فكان يزيد هو السبب في وقوع صدقته في يد ابنه ، فكأنه تصدق عليه ، وهو لا يشعر . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : محمد بن يوسف الفريابي ، وقد مر . الثاني : إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي . الثالث : أبو الجويرة مصغر الجارية بالجيم والراء حطان بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة وبالنون ابن جفاف بضم الجيم وتخفيف الفاء الأولى الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء . الرابع : معن بفتح الميم وسكون العين المهملة ابن يزيد من الزيادة السلمي بضم السين المهملة ، يقال أنه شهد بدرا مع أبيه وجده ، ولم يتفق ذلك لغيرهم . وقيل : لم يتابع على ذلك ، فقد روى أحمد والطبراني من طريق صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن يزيد بن الأخنس السلمي أنه أسلم فأسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم ، فأنزل الله تعالى على رسوله وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ فهذا دال على أن إسلامه كان متأخرا ؛ لأن الآية متأخرة الإنزال ، عن بدر قطعا ، واسم جده الأخنس بن حبيب السلمي . وقيل : ثور ، وممن قاله الطبراني وابن منده وأبو نعيم ، فترجموا في كتبهم لثور ، وساقوا حديث الباب من طريق الجراح والد وكيع ، عن أبي الجويرية ، عن معن بن يزيد بن ثور السلمي . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد . وفيه : أن سماع أبي الجويرية ، عن معن ، ومعن أمير على غزاة الروم في خلافة معاوية . وفيه : أن شيخه سكن قيسارية من الشام وإسرائيل وحطان ومعن كوفيون ، وهذا الحديث من أفراد البخاري . ( ذكر معناه ) قوله : " أنا " تأكيد للضمير المرفوع الذي في بايعت ، قوله " وأبي " هو يزيد ، قوله : " وجدي " هو الأخنس بن حبيب ، قوله : " وخطب علي " ، أي : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ، يقال : خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه ، وعلى فلان إذا أرادها لغيره ، قال الكرماني : الفاعل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه أقرب المذكورين ، قوله : " فأنكحني " ، أي : طلب لي الإنكاح فأجبت ، ومقصود معن من ذلك بيان أنواع علاقاته من المبايعة وغيرها من الخطبة عليه وإنكاحه وعرض الخصومة عليه ، قوله : " وخاصمت إليه " ، أي : إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولفظ خاصمته ثانيا تفسير لقوله " خاصمت إليه " قوله : " وكان أبي يزيد " ، ويزيد بالرفع عطف بيان ، لقوله " أبي " وليس ببدل كما قاله بعضهم على ما لا يخفى ، قوله " فوضعها عند رجل " ، أي : فوضع الدنانير التي أخرجها للصدقة عند رجل . وفيه : حذف ، تقديره : عند رجل وأذن له أن يتصدق بها على من يحتاج إليها إذنا مطلقا من غير تعيين ناس ، فجئت فأخذتها ، يعني : من الرجل الذي أذن له في التصدق باختيار منه لا بطريق الغصب ، ووقع عند البيهقي من طريق أبي حمزة اليشكري ، عن أبي الجويرية في هذا الحديث . ( قلت ) : وما كانت خصومتك ، قال : كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم ، فظن أني بعض من يعرف ، فذكر الحديث ، قوله : " والله ما إياك أردت " يعني : قال يزيد لابنه معن : ما إياك أردت في الصدقة ، ولو أردت أنك تأخذها لناولتها لك ، ولم أوكل فيها ، قوله " فخاصمته " ، أي : خاصمت أبي يزيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لك ما نويت يا يزيد " يعني : من أجر الصدقة ؛ لأنه نوى أن يتصدق بها على من يحتاج إليها وابنك يحتاج إليها ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا : " ولك ما أخذت يا معن " لأنك أخذت محتاجا إليها ، ومفعول كل من نويت وأخذت محذوف . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه دليل على العمل بالمطلقات على إطلاقها ؛ لأن يزيد فوض إلى الرجل بلفظ مطلق ، فنفذ فعله . وفيه : جواز التحاكم بين الأب والابن وخصومته معه ، ولا يكون هذا عقوقا إذا كان ذلك في حق على أن مالكا - رحمه الله - كره ذلك ، ولم يجعله من باب البر واختياري هذا . وفيه : أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لا رجوع للأب فيه ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، واتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده حاشا التطوع ، قال ابن بطال : وعليه حمل حديث معن ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى : يجوز أن يأخذها لولد بشرط أن يكون غارما أو غازيا ، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبسا بأحد هذين النوعين ، قالوا : وإذا كان الولد أو الوالد فقيرا أو مسكينا ، وقلنا في بعض الأحوال : لا تجب نفقته ، فيجوز لوالده أو لولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف عند الشافعي ؛ لأنه حينئذ كالأجنبي ، وقال ابن التين : يجوز دفع الصدقة الواجبة إلى الولد بشرطين أحدهما أن يتولى غيره من صرفها إليه . والثاني : أن لا يكون في عياله ، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه ، فروى مطرف عن مالك لا ينبغي له أن يفعل ذلك ، فإن فعله فقد أساء ، ولا يضمن إن لم يقطع ، عن نفسه إنفاقه عليهم ، قال ابن حبيب : فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزه . واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا يلزمه نفقتهم : فروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - : أنه يجزيه ، وهو قول عطاء والقاسم وأحمد ، وقالوا : هي لهم صدقة وصلة ، وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - وطاوس : لا يعطي قرابته من الزكاة ، وهو قول أشهب ، وذكر ابن المواز ، عن مالك - رضي الله تعالى عنه - : أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقاتهم ، وممن قال بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن المسيب وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد ، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عنهم . وفي مسند الدارمي من حديث حكيم مرفوعا " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " . وفيه : جواز الافتخار بالمواهب الربانية ، والتحدث بنعم الله تعالى . وفيه : جواز الاستخلاف في الصدقة لا سيما في التطوع ؛ لأن فيه نوع إسرار . وفيه : أن للمتصدق جزاء ما نواه سواء صادف المستحق أو لا .