باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر
( باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر ) 26 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا إسرائيل قال : حدثنا أبو الجويرية أن معن بن يزيد - رضي الله عنه - حدثه قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأبي وجدي وخطب علي فأنكحني وخاصمت إليه ، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها ، فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لك ما نويت يا يزيد ، ولك ما أخذت يا معن .
مطابقته للترجمة من حيث إن يزيد أعطى دنانير للرجل ليتصدق عنه ، ولم يحجر عليه ، فجاء ابنه معن وأخذها من الرجل ، فكان يزيد هو السبب في وقوع صدقته في يد ابنه ، فكأنه تصدق عليه ، وهو لا يشعر . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : محمد بن ج٨ / ص٢٨٨يوسف الفريابي ، وقد مر . الثاني : إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي .
الثالث : أبو الجويرة مصغر الجارية بالجيم والراء حطان بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة وبالنون ابن جفاف بضم الجيم وتخفيف الفاء الأولى الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء . الرابع : معن بفتح الميم وسكون العين المهملة ابن يزيد من الزيادة السلمي بضم السين المهملة ، يقال أنه شهد بدرا مع أبيه وجده ، ولم يتفق ذلك لغيرهم . وقيل : لم يتابع على ذلك ، فقد روى أحمد والطبراني من طريق صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن يزيد بن الأخنس السلمي أنه أسلم فأسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم ، فأنزل الله تعالى على رسوله وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ فهذا دال على أن إسلامه كان متأخرا ؛ لأن الآية متأخرة الإنزال ، عن بدر قطعا ، واسم جده الأخنس بن حبيب السلمي .
وقيل : ثور ، وممن قاله الطبراني وابن منده وأبو نعيم ، فترجموا في كتبهم لثور ، وساقوا حديث الباب من طريق الجراح والد وكيع ، عن أبي الجويرية ، عن معن بن يزيد بن ثور السلمي . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد . وفيه : أن سماع أبي الجويرية ، عن معن ، ومعن أمير على غزاة الروم في خلافة معاوية .
وفيه : أن شيخه سكن قيسارية من الشام وإسرائيل وحطان ومعن كوفيون ، وهذا الحديث من أفراد البخاري . ( ذكر معناه ) قوله : " أنا " تأكيد للضمير المرفوع الذي في بايعت ، قوله " وأبي " هو يزيد ، قوله : " وجدي " هو الأخنس بن حبيب ، قوله : " وخطب علي " ، أي : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ، يقال : خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه ، وعلى فلان إذا أرادها لغيره ، قال الكرماني : الفاعل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه أقرب المذكورين ، قوله : " فأنكحني " ، أي : طلب لي الإنكاح فأجبت ، ومقصود معن من ذلك بيان أنواع علاقاته من المبايعة وغيرها من الخطبة عليه وإنكاحه وعرض الخصومة عليه ، قوله : " وخاصمت إليه " ، أي : إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولفظ خاصمته ثانيا تفسير لقوله " خاصمت إليه " قوله : " وكان أبي يزيد " ، ويزيد بالرفع عطف بيان ، لقوله " أبي " وليس ببدل كما قاله بعضهم على ما لا يخفى ، قوله " فوضعها عند رجل " ، أي : فوضع الدنانير التي أخرجها للصدقة عند رجل . وفيه : حذف ، تقديره : عند رجل وأذن له أن يتصدق بها على من يحتاج إليها إذنا مطلقا من غير تعيين ناس ، فجئت فأخذتها ، يعني : من الرجل الذي أذن له في التصدق باختيار منه لا بطريق الغصب ، ووقع عند البيهقي من طريق أبي حمزة اليشكري ، عن أبي الجويرية في هذا الحديث .
( قلت ) : وما كانت خصومتك ، قال : كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم ، فظن أني بعض من يعرف ، فذكر الحديث ، قوله : " والله ما إياك أردت " يعني : قال يزيد لابنه معن : ما إياك أردت في الصدقة ، ولو أردت أنك تأخذها لناولتها لك ، ولم أوكل فيها ، قوله " فخاصمته " ، أي : خاصمت أبي يزيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لك ما نويت يا يزيد " يعني : من أجر الصدقة ؛ لأنه نوى أن يتصدق بها على من يحتاج إليها وابنك يحتاج إليها ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا : " ولك ما أخذت يا معن " لأنك أخذت محتاجا إليها ، ومفعول كل من نويت وأخذت محذوف . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه دليل على العمل بالمطلقات على إطلاقها ؛ لأن يزيد فوض إلى الرجل بلفظ مطلق ، فنفذ فعله . وفيه : جواز التحاكم بين الأب والابن وخصومته معه ، ولا يكون هذا عقوقا إذا كان ذلك في حق على أن مالكا - رحمه الله - كره ذلك ، ولم يجعله من باب البر واختياري هذا .
وفيه : أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لا رجوع للأب فيه ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، واتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده حاشا التطوع ، قال ابن بطال : وعليه حمل حديث معن ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى : يجوز أن يأخذها لولد بشرط أن يكون غارما أو غازيا ، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبسا بأحد هذين النوعين ، قالوا : وإذا كان الولد أو الوالد فقيرا أو مسكينا ، وقلنا في بعض الأحوال : لا تجب نفقته ، فيجوز لوالده أو لولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف عند الشافعي ؛ لأنه حينئذ كالأجنبي ، وقال ابن التين : يجوز دفع الصدقة الواجبة إلى الولد بشرطين أحدهما أن يتولى غيره من صرفها إليه . والثاني : أن لا يكون في عياله ، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه ، فروى مطرف ج٨ / ص٢٨٩عن مالك لا ينبغي له أن يفعل ذلك ، فإن فعله فقد أساء ، ولا يضمن إن لم يقطع ، عن نفسه إنفاقه عليهم ، قال ابن حبيب : فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزه . واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا يلزمه نفقتهم : فروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - : أنه يجزيه ، وهو قول عطاء والقاسم وأحمد ، وقالوا : هي لهم صدقة وصلة ، وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - وطاوس : لا يعطي قرابته من الزكاة ، وهو قول أشهب ، وذكر ابن المواز ، عن مالك - رضي الله تعالى عنه - : أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقاتهم ، وممن قال بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن المسيب وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد ، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عنهم .
وفي مسند الدارمي من حديث حكيم مرفوعا " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " . وفيه : جواز الافتخار بالمواهب الربانية ، والتحدث بنعم الله تعالى . وفيه : جواز الاستخلاف في الصدقة لا سيما في التطوع ؛ لأن فيه نوع إسرار .
وفيه : أن للمتصدق جزاء ما نواه سواء صادف المستحق أو لا .