29 - بَاب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ قَوْلُهُ : ( بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ الْآيَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - حَمِيدٌ هَكَذَا أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ قَالَ : مِنَ التِّجَارَةِ الْحَلَالِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ : مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ قَالَ : مِنَ التِّجَارَةِ ، وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ قَالَ : مِنَ الثِّمَارِ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ قَالَ : يَعْنِي مِنَ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ ، كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يُقَيِّدِ الْكَسْبَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالطَّيِّبِ كَمَا فِي الْآيَةِ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ : بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ . 30 - بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ 1445 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ، فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ؟ قَالَ : يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ ، قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ؟ قَالَ : يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ ، قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ؟ قَالَ : فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ؟ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُعْمِلْ بِالْمَعْرُوفِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : نَصَبَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَمًا عَلَى الْخَبَرِ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ إِيجَازًا . قَوْلُهُ : ( سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ) أَيْ : ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ . وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ) أَيْ : عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْعِبَارَةُ صَالِحَةٌ لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ اتِّفَاقًا ، وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِكُلِّ يَوْمٍ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا : يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ : الْمَفْصِلُ ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةِ مَفْصِلٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ ، فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَهَلْ تَلْتَحِقُ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ الَّتِي تُحْسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي أَخَلَّ بِهِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا غَيْرُهَا لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا شُرِعَتْ بِسَبَبِ عِتْقِ الْمَفَاصِلِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ : فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( الْمَلْهُوفُ ) أَيِ : الْمُسْتَغِيثُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا . قَوْلُهُ : ( فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ : فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ . زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ : وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ . قَوْلُهُ : ( وَلْيُمْسِكْ ) فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَدَبِ قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ؟ قَالَ : فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ كَذَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَهُوَ أَصَحُّ سِيَاقًا ، فَظَاهِرُ سِيَاقِ الْبَابِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ رُتْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلِ الْإِمْسَاكُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأَخِيرَةُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهَا ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَصْلَةِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَدَبِ : فَإِنَّهُ - أَيِ الْإِمْسَاكُ - لَهُ ، أَيْ : لِلْمُمْسِكِ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْمُمْسِكِ عَنِ الشَّرِّ إِذَا نَوَى بِالْإِمْسَاكِ الْقُرْبَةَ ، بِخِلَافِ مَحْضِ التَّرْكِ ، وَالْإِمْسَاكُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ ، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالسُّلَامَةِ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ شَرُّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ فَقَدْ تَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ مَنَعَهَا مِنَ الْإِثْمِ ، قَالَ : وَلَيْسَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَرْتِيبًا ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِيضَاحِ لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ عَجَزَ عَنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ خَصْلَةً أُخْرَى ، فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَيَتَصَدَّقَ ، وَأَنْ يُغِيثَ الْمَلْهُوفَ ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ فَلْيَفْعَلِ الْجَمِيعَ ، وَمَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَعْمَالَ الْخَيْرِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَجْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا . وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَاصِرَةِ ، وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ ، وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَالْمَالُ إِمَّا حَاصِلٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ ، وَغَيْرُ الْمَالِ إِمَّا فِعْلٌ ، وَهُوَ الْإِغَاثَةُ ، وَإِمَّا تَرْكٌ ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ . انْتَهَى ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ : تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْإِغَاثَةُ ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ ، أَيْ : مِنْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَإِنْ لَمْ يُطِقْ فَتَرْكُ الشَّرِّ ، وَذَلِكَ آخِرُ الْمَرَاتِبِ . قَالَ : وَمَعْنَى الشَّرِّ هُنَا مَا مَنَعَهُ الشَّرْعُ ، فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْعَاجِزِ عَنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبَاتِ إِذَا كَانَ عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ . قُلْتُ : وَأَشَارَ بِالصَّلَاةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى . وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لَا يُكَمِّلُ مِنْهَا مَا يَخْتَلُّ مِنَ الْفَرْضِ ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُكَمِّلُ الصَّلَاةَ وَلَا الْعَكْسُ . فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ الصَّدَقَتَيْنِ . وَاسْتُشْكِلَ الْحَدِيثُ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، فَكَيْفَ تُجْزِئُ عَنْهُ صَلَاةُ الضُّحَى وَهِيَ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ ؟ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْأَمْرِ هُنَا عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ ، وَكَأَنَّ فِي كَلَامِهِ هُوَ زِيَادَةٌ فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ فَلَوْ تَرَكَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ صَلَاةُ الضُّحَى ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تَقُومُ مَقَامَ الثَّلَاثِمَائَةِ وَسِتِّينَ حَسَنَةً الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِهَا كُلَّ يَوْمٍ لِيُعْتِقَ مَفَاصِلَهُ الَّتِي هِيَ بِعَدَدِهَا ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى تُغْنِي عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ الْجَسَدِ ، فَتَتَحَرَّكُ الْمَفَاصِلُ كُلُّهَا فِيهَا بِالْعِبَادَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الرَّكْعَتَيْنِ تَشْتَمِلَانِ عَلَى ثَلَاثِمَائِةٍ وَسِتِّينَ مَا بَيْنَ قَوْلٍ وَفِعْلٍ إِذَا جَعَلْتَ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَثَلًا صَدَقَةً ، وَكَأَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ تَطَوُّعَاتِ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَرْضِ وَرَاتِبَتِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى أَنَّ صَدَقَةَ السُّلَامَى نَهَارِيَّةٌ لِقَوْلِهِ : يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : فَيُمْسِي وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْكَامَ تَجْرِي عَلَى الْغَالِبِ ، لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ الْمَأْمُورَ بِصَرْفِهَا ، وَقَدْ قَالَ : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ . وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْعَالِمِ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّكَسُّبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ ، وَتَقْدِيمُ النَّفْسِ عَلَى الْغَيْرِ ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ذَاتُ الشَّخْصِ وَمَا يَلْزَمُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَة وبَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوف · ص 360 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف · ص 311 ( باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف ) أي هذا باب يذكر فيه على كل مسلم صدقة ، قوله : فمن لم يجد من الترجمة ، أي : فمن لم يقدر على الصدقة فليعمل بالمعروف ، والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله عز وجل والتقرب إليه ، والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع ، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات . 47 - حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : على كل مسلم صدقة ، فقالوا : يا نبي الله ، فمن لم يجد ؟ قال : يعمل بيده فينفع نفسه ، ويتصدق قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : يعين ذا الحاجة الملهوف ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر ، فإنها له صدقة . مطابقته للترجمة للجزء الأول بعينه وللجزء الثاني في قوله فليعمل بالمعروف . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب ، وقد مر غير مرة . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : سعيد بن أبي بردة بضم الباء الموحدة واسمه عامر . الرابع : أبوه أبو بردة عامر . الخامس : جد سعيد ، وهو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن شيخه بصري وشعبة واسطي ، والبقية كوفيون . وفيه : رواية الابن ، عن أبيه ، عن جده . والحديث أخرجه مسلم في الزكاة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن عبد الأعلى . ( ذكر معناه ) : قوله : " على كل مسلم صدقة " قال بعضهم ، أي : على سبيل الاستحباب المتأكد . ( قلت ) : كلمة " على " تنافي هذا المعنى ، وقال القرطبي : ظاهره الوجوب ، لكن خففه عز وجل حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطا له لطفا منه وتفضلا . ( قلت ) : يمكن أن يحمل ظاهر الوجوب على كل مسلم رأى محتاجا عاجزا عن التكسب ، وقد أشرف على الهلاك ، فإنه يجب عليه أن يتصدق عليه إحياء له ، قال القرطبي : أطلق الصدقة هنا وبينها في حديث أبي هريرة بقوله " في كل يوم " ، وهذا أخرجه مسلم عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس " الحديث ، وروي عن أبي ذر مرفوعا " يصبح على كل سلامى على أحدكم صدقة " والسلامى بضم السين المهملة وتخفيف اللام المفصل ، وله في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها " خلق الله كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل " قوله : " يا نبي الله فمن لم يجد " ، أي : فمن لم يقدر على الصدقة ، فكأنهم فهموا من الصدقة العطية ، فلذلك قالوا فمن لم يجد ، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ، ولو بإغاثة الملهوف ، والأمر بالمعروف ، قوله : " يعمل بيده " . وفي رواية مسلم " يعتمل بيديه " من الاعتمال من باب الافتعال . وفيه : معنى التكلف ، قوله : " يعين " من أعان إعانة ، قوله : " الملهوف " بالنصب ؛ لأنه صفة ذا الحاجة ، وانتصاب هذا على المفعولية ، والملهوف يطلق على المتحسر والمضطر ، وعلى المظلوم ، وتلهف على الشيء : تحسر ، قوله : " فليعمل بالمعروف " . وفي رواية البخاري في الأدب " قالوا فإن لم يفعل قال فليمسك عن الشر " وإذا أمسك شره عن غيره ، فكأنه قد تصدق عليه لأمنه منه ، فإن كان شرا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم ، قوله " فإنها " تأنيث الضمير فيه إما باعتبار الفعلة التي هي الإمساك ، أو باعتبار الخبر ، ووقع في رواية الأدب " فإنه " ، أي : فإن الإمساك ، قوله " له " ، أي : للممسك . ( ذكر ما يستفاد منه ) : يستفاد منه أن الشفقة على خلق الله تعالى لا بد منها ، وهي إما بالمال أو بغيره ، والمال إما حاصل أو مقدور التحصيل له ، والغير إما فعل ، وهو الإعانة ، أو ترك وهو الإمساك ، وأعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزل منزلة الصدقات في الأجور ، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة ، ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها ، وأجر الفرض أكثر من النفل ، لقوله : صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة ، عن الرب - عز وجل - " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه " قال إمام الحرمين ، عن بعض العلماء : ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة . واعلم أنه لا ترتيب فيما تضمنه الحديث المذكور ، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز ، عن خصلة من الخصال المذكورة ، فإنه يمكنه خصلة أخرى ، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق ، وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويمسك عن الشر ، فليفعل الجميع . وفيه فضل التكسب لما فيه من الإعانة وتقديم النفس على الغير ، والله أعلم .