49 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ وَقَالَ الْحَسَنُ : إِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ جَازَ وَيُعْطِي فِي الْمُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ تَلَا : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ الْآيَةَ فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ حَمَلَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ . 1468 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ فَقِيلَ : مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا . تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : حُدِّثْتُ عَنِ الْأَعْرَجِ مِثْلِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهَا فِي بَيَانِ مَصَارِيفِ الزَّكَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ ) وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي : كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِ حَسَّانَ بْنِ أَبِي الْأَشْرَسِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فِي الْحَجِّ ، وَأَنْ يُعْتِقَ مِنْهُ الرَّقَبَةَ ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَعْتِقْ مِنْ زَكَاةِ مَالِكَ . ، وَتَابَعَ أَبَا مُعَاوِيَةَ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ ، عَنْ عَبْدَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْأَشْرَسِ ، وَلَفْظُهُ : كَانَ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ ثُمَّ يَقُولُ : جَهِّزُوا مِنْهَا إِلَى الْحَجِّ . وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَشْتَرِي الرَّجُلُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ الرِّقَابَ فَيُعْتِقُ ، وَيَجْعَلُ فِي ابْنِ السَّبِيلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ ذَلِكَ ، وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ . وَقَالَ الْخَلَّالُ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : قَالَ أَحْمَدُ : كُنْتُ أَرَى أَنْ يُعْتِقَ مِنَ الزَّكَاةِ ، ثُمَّ كَفَفْتُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنِّي لَمْ أَرَهُ يَصِحُّ . قَالَ حَرْبٌ : فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : هُوَ مُضْطَرِبٌ . انْتَهَى . وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالِاضْطِرَابِ لِلِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى الْأَعْمَشِ كَمَا تَرَى ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْبُخَارِيُّ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي الرِّقَابِ فَقِيلَ : الْمُرَادُ شِرَاءُ الرَّقَبَةِ لِتُعْتَقَ ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَعْلَى مَا جَاءَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ وَأَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا فِي الْمُكَاتَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ سَهْمَ الرِّقَابِ يُجْعَلُ نِصْفَيْنِ : نَصِفٌ لِكُلِّ مُكَاتَبٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ، وَنِصْفٌ يَشْتَرِى بِهَا رِقَاب مِمَّنْ صَلَّى وَصَامَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَاحْتَجَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّهَا لَوِ اخْتَصَّتْ بِالْمُكَاتَبِ لَدَخَلَ فِي حُكْمِ الْغَارِمِينَ ، لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَبِأَنَّ شِرَاءَ الرَّقِيقِ لِيُعْتَقَ أَوْلَى مِنْ إِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ قَدْ يُعَانُ وَلَا يُعْتَقُ ، وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَالزَّكَاةُ لَا تُصْرَفُ لِلْعَبْدِ ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ يَتَيَسَّرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ ، وَلِأَنَّ وَلَاءَهُ يَرْجِعُ لِلسَّيِّدِ فَيَأْخُذُ الْمَالَ ، وَالْوَلَاءُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ عِتْقَهُ يَتَنَجَّزُ وَيَصِيرُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا الْأَخِيرُ عَلَى طَرِيقَةِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : يَرِدُ وَلَاؤُهُ فِي شِرَاءِ الرِّقَابِ لِلْعِتْقِ أَيْضًا . وَعَنْ مَالِكٍ : الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ تَمَسُّكًا بِالْعُمُومِ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ : يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . وَأَمَّا سَبِيلُ اللَّهِ ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْغَازِي غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَخْتَصُّ بِالْغَازِي الْمُحْتَاجِ . وَعَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَمَا إِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ . أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ أَبِي لَاسٍ - يَعْنِي الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ - قُلْتُ بِذَلِكَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَحَمَلُوا عَلَيْهَا خَاصَّةً . وَلَمْ يَتَمَلَّكُوهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ . . . إِلَخْ ) هَذَا صَحِيحٌ عَنْهُ ، أَخْرَجَ أَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى الْقَوْلِ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا : الاعتناق مِنَ الزَّكَاةِ ، وَالصَّرْفِ مِنْهَا فِي الْحَجِّ ، إِلَّا أَنَّ تَنْصِيصَهُ عَلَى شِرَاءِ الْأَبِ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِيرُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَسْتَعِيدُ الْمَنْفَعَةَ وَيُوَفِّرُ مَا كَانَ يُخْرِجُهُ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ لِدَفْعِ عَارِ اسْتِرْقَاقِ أَبِيهِ . وَقَوْلُهُ : فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ جَزَتْ كَذَا فِي الْأَصْلِ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ : قَضَتْ ، وَفِيهِ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ لَا لِلتَّمْلِيكِ ، فَلَوْ صَرَفَ الزَّكَاةَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ كَفَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ خَالِدًا إِلَخْ ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، خُزَاعِيٌّ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ : زِيَادٌ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَنَمَةَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ . لَهُ صُحْبَةٌ وَحَدِيثَانِ هَذَا أَحَدُهُمَا . وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ : عَلَى إِبِلٍ مِنَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ضِعَافٌ لِلْحَجِّ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا نَرَى أَنْ تَحْمِلَ هَذِهِ . فَقَالَ : إِنَّمَا يَحْمِلُ اللَّهُ . الْحَدِيثَ . وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَلِهَذَا تَوَقَّفَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي ثُبُوتِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُعَيْبٍ مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ : قَالَ عُمَرُ : فَذَكَرَهُ ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي الْإِسْنَادِ ، وَزَادَ فِيهِ عُمَرَ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا جَرَى لِعُمَرَ فِيهِ ذِكْرٌ فَقَطْ . قَوْلُهُ : ( أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَةِ . وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا صَدَقَةُ الْفَرْضِ ، لِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا يُبْعَثُ عَلَيْهَا السُّعَاةُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ : الْأَلْيَقُ أَنَّهَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ، لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ مَنَعُوا الْفَرْضَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ مَا مَنَعُوهُ كُلُّهُمْ جَحْدًا وَلَا عِنَادًا ، أَمَّا ابْنُ جَمِيلٍ فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ، ثُمَّ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَذَا حَكَاهُ الْمُهَلَّبُ ، وَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ الْآيَةَ . انْتَهَى . وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَكَانَ مُتَأَوِّلًا بِإِجْزَاءِ مَا حَبَسَهُ عَنِ الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ الْعَبَّاسُ لِاعْتِقَادِهِ مَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ ، وَلِهَذَا عَذَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدًا ، وَالْعَبَّاسَ ، وَلَمْ يَعْذُرِ ابْنَ جَمِيلٍ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ ) قَائِلُ ذَلِكَ عُمَرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ الْعَبَّاسِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ : فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَلْمِزُ أَيْ : يَعِيبُ . وَابْنُ جَمِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيِّ الشَّافِعِيِّ ، وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ أَنَّ ابْنَ بَزِيزَةَ سَمَّاهُ حُمَيْدًا ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ بَزِيزَةَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بَدَلَ ابْنِ جَمِيلٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ لِإِطْبَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى ابْنِ جَمِيلٍ ، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ : أَنَّهُ كَانَ أَنْصَارِيًّا ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ فَهُوَ قُرَشِيٌّ فَافْتَرَقَا ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ الْبَكْرِيَّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْأَمْثَالِ لَهُ أَنَّهُ أَبُو جَهْمِ بْنُ جَمِيلٍ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَبَّاسُ ) زَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ : أَنْ يُعْطُوا الصَّدَقَةَ قَالَ : فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَبَّ عَنِ اثْنَيْنِ : الْعَبَّاسِ ، وَخَالِدٍ . قَوْلُهُ : ( مَا يَنْقِمُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ : مَا يُنْكِرُ أَوْ يَكْرَهُ ، وَقَوْلُهُ : فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِنَّمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَأَصْبَحَ غَنِيًّا بَعْدَ فَقْرِهِ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَبَاحَ لِأُمَّتِهِ مِنَ الْغَنَائِمِ ، وَهَذَا السِّيَاقُ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ إِلَّا مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُ فَلَا عُذْرَ لَهُ ، وَفِيهِ التَّعْرِيضُ بِكُفْرَانِ النِّعَمِ وَتَقْرِيعٌ بِسُوءِ الصَّنِيعِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ . قَوْلُهُ : ( احْتَبَسَ ) أَيْ : حَبَسَ . قَوْلُهُ : ( وَأَعْتُدَهُ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ جَمْعُ عَتَدٍ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَعْتَادَهُ وَهُوَ جَمْعُهُ أَيْضًا ، قَيلَ : هُوَ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّلَاحِ ، وَقِيلَ : الْخَيْلُ خَاصَّةً ، يُقَالُ : فَرَسٌ عَتِيدٌ ، أَيْ : صُلْبٌ أَوْ مُعَدٌّ لِلرُّكُوبِ أَوْ سَرِيعُ الْوُثُوبِ ، أَقْوَالٌ . وَقِيلَ : إِنَّ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ : وَأَعْبُدَهُ بِالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ عَبْدٍ ، حَكَاهُ عِيَاضٌ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ . قَوْلُهُ : ( فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا ) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَلَمْ يَقُلْ وَرْقَاءُ وَلَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : صَدَقَةٌ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَكُونُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمُهُ بِتَضْعِيفِ صَدَقَتِهِ لِيَكُونَ أَرْفَعَ لِقَدْرِهِ وَأَنْبَهَ لِذِكْرِهِ وَأَنْفَى لِلذَّمِّ عَنْهُ ، فَالْمَعْنَى فَهُي صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ ، سَيَصَّدَّقُ بِهَا وَيُضِيفُ إِلَيْهَا مِثْلَهَا كَرَمًا ، وَدَلَّتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَزَمَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ : فَهِيَ عَلَيَّ . وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ الْعَمَّ صِنْوُ الْأَبِ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَشْرِيفًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحَمَّلَ عَنْهُ بِهَا ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ رِوَايَةِ : عَلَيَّ ، وَرِوَايَةِ : عَلَيْهِ ، بِأَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَةُ : عَلَيَّ . وَرِوَايَةُ : عَلَيْهِ مِثْلُهَا إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَةُ هَاءِ السَّكْتِ ، حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : عَلَيَّ ؛ أَيْ : هِيَ عِنْدِي قَرْضٌ لِأَنَّنِي اسْتَسْلَفْتُ مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا فَتَعَجَّلْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ مَالِهِ سَنَتَيْنِ . وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مَوْصُولًا بِذِكْرِ طَلْحَةَ فِيهِ ، وَإِسْنَادُ الْمُرْسَلِ أَصَحُّ ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عُمَرَ سَاعِيًا ، فَأَتَى الْعَبَّاسَ فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ الْعَبَّاسَ قَدْ أَسْلَفَنَا زَكَاةَ مَالِهِ الْعَامَ ، وَالْعَامَ الْمُقْبِلَ . وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَ هَذَا ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَتَهُ سَنَتَيْنِ . وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ رَافِعًا لِلْإِشْكَالِ ، وَلَرَجَحَ بِهِ سِيَاقُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ قِصَّةَ التَّعْجِيلِ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي بَعَثَ فِيهِ عُمَرَ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ ، وَلَيْسَ ثُبُوتُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَةِ الْعَبَّاسِ بِبَعِيدٍ فِي النَّظَرِ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى اسْتَسْلَفَ مِنْهُ قَدْرَ صَدَقَةِ عَامَيْنِ ; فَأَمَرَ أَنْ يُقَاصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقَعَ لَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْعَبَّاسَ ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ . وَمَعْنَى عَلَيْهِ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ أَيْ : لَازِمَةٌ لَهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْبِضُهَا ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ حَرَامٌ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ رِوَايَةَ الْبَابِ عَلَى ظَاهِرِهَا ، فَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ : فَهِيَ لَهُ بَدَلَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : اللَّامُ هُنَا بِمَعْنَى عَلَى لِتَتَّفِقَ الرِّوَايَاتُ ، وَهَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِدٌ ، وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ حِبَّانَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهَا فَهِيَ لَهُ أَيْ : الْقَدْرُ الَّذِي كَانَ يُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَهُ ، لِأَنَّنِي الْتَزَمْتُ عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْهُ ذَلِكَ الْعَامَ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ عَامَيْنِ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ اسْتَدَانَ حِينَ فَادَى عَقِيلًا وَغَيْرَهُ ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ ، فَسَاغَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : كَانَ هَذَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ التَّأْدِيبُ بِالْمَالِ ، فَأَلْزَمَ الْعَبَّاسَ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ ضِعْفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ وَجَلَالَتِهِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ الْآيَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ . وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ خَالِدٍ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ مَالِ الزَّكَاةِ فِي شِرَاءِ السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْإِعَانَةِ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجَازَ لِخَالِدٍ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ بِمَا حَبَسَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ أَخْبَارَ مَنْ أَخْبَرَهُ بِمَنْعِ خَالِدٍ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ ، وَإِنَّمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمُوهُ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : تَظْلِمُونَهُ ؛ أَيْ بِنِسْبَتِكُمْ إِيَّاهُ إِلَى الْمَنْعِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ ، وَكَيْفَ يَمْنَعُ الْفَرْضَ وَقَدْ تَطَوَّعَ بِتَحْبِيسِ سِلَاحِهِ وَخَيْلِهِ ؟ ثَانِيهَا : أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ فَطَالَبُوهُ بِزَكَاةِ قِيمَتِهَا ، فَأَعْلَمَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا حَبَسَ ، وَهَذَا يَحْتَاجُ لِنَقْلٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنِ الْأَمْوَالِ الْمُحَبَّسَةِ ، وَلِمَنْ أَوْجَبَهَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ . ثَالِثُهَا : أَنَّهُ كَانَ نَوَى بِإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ ، لِأَنَّ أَحَدَ الْأَصْنَافِ سَبِيلُ اللَّهِ وَهُمُ الْمُجَاهِدُونَ ، وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يُجِيزُ إِخْرَاجَ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ يُجِيزُ التَّعْجِيلَ كَالشَّافِعِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ بِهِ عَلَى إِخْرَاجِ الْعُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ . وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ خَالِدٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَحْبِيسِ الْحَيَوَانِ وَالسِّلَاحِ ، وَأَنَّ الْوَقْفَ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ تَحْتَ يَدِ مُحْتَبِسِهِ ، وَعَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الْعُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ - وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ - وَعَلَى صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الثَّمَانِيَةِ . وَتَعَقَّبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ جَمِيعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، مُحْتَمِلَةٌ لِمَا ذُكِرَ وَلِغَيْرِهِ ، فَلَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحْبِيسُ خَالِدٍ إِرْصَادًا وَعَدَمَ تَصَرُّفٍ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ التَّحْبِيسِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ . وَفِي الْحَدِيثِ : بَعْثُ الْإِمَامِ الْعُمَّالَ لِجِبَايَةِ الزَّكَاةِ ، وَتَنْبِيهُ الْغَافِلِ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِعْمَةِ الْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ لِيَقُومَ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَالْعَتَبُ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْوَاجِبَ ، وَجَوَازُ ذِكْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ بِذَلِكَ ، وَتَحَمُّلُ الْإِمَامِ عَنْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَالِاعْتِذَارُ عَنْ بَعْضِ الرَّعِيَّةِ بِمَا يَسُوغُ الِاعْتِذَارُ بِهِ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّه · ص 388 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله · ص 44 ( باب قول الله تعالى : وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ أي هذا باب في بيان المراد من قول الله تعالى : وَفِي الرِّقَابِ وكذا من قوله : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وهما من آية الصدقات ، وهي قوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الآية ، اقتطعهما منها للاحتياج إليهما في جملة مصارف الزكاة وهي ثمانية ، من جملتها الرقاب وهو جمع رقبة والمراد المكاتبون يعانون من الزكاة في فك رقابهم وهو قول أكثر العلماء ، منهم : سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والزهري ، والثوري وأبو حنيفة والشافعي والليث ، وهو رواية ابن القاسم وابن نافع عن الليث ، وفي المغني : وإليه ذهب أحمد ، وقال ابن تيمية : إن كان معه وفاء لكتابته لم يعط لأجل فقره لأنه عبد ، وإن لم يكن معه شيء أعطي الجميع ، وإن كان معه بعضه تمم سواء كان قبل حلول النجم أو بعده كيلا يحل النجم ، وليس معه شيء فتفسخ الكتابة ، ويجوز دفعها إلى سيده ، وعند الشافعية إن لم يحل عليه نجم ففي صرفه إليه وجهان وإن دفعه إليه فأعتقه المولى أو أبرأه من بدل الكتابة أو عجز نفسه ، والمال في يد المكاتب رجع فيه ، قال النووي : وهو المذهب ، قوله : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وهو منقطع الغزاة عند أبي يوسف ومنقطع الحاج عند محمد ، وفي المبسوط : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فقراء الغزاة عند أبي يوسف وعند محمد فقراء الحاج ، وقال ابن المنذر : وفي الأشراف ، قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد : سبيل الله هو الغازي غير الغني ، وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج ، وذكر ابن بطال أنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ، ومثله النووي في شرح المهذب ، وقال صاحب التوضيح : وأما قول أبي حنيفة لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجا ، فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وأما السنة : فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها أو لغاز في سبيل الله أو غني اشتراها بماله أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني أو غارم .. " وأخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ورواه أبو داود مرسلا ، قلت : ما أحسن الأدب سيما مع الأكابر ، وأبو حنيفة لم يخالف الكتاب ولا السنة وإنما عمل بالسنة فيما ذهب إليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لغني " ، وقال : المراد من قوله : " لغاز في سبيل الله " هو الغازي الغني بقوة البدن والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي بدليل حديث معاذ وردها إلى فقرائهم . ( ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما : يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج ) . علق هذا عن ابن عباس ليشير أن شراء العبد وعتقه من مال الزكاة جائز وهو مطابق للجزء الأول من الترجمة ، وهذا التعليق رواه أبو بكر في مصنفه عن أبي جعفر ، عن الأعمش ، عن حسان ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من زكاته في الحج وأن يعتق النسمة منها ، وفي كتاب العلل لعبد الله بن أحمد ، عن أبيه : حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا الأعمش ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال ابن عباس : أعتق من زكاتك ، وفي رواية أبي عبيد : أعتق من زكاة مالك ، وقال الميموني : قيل لأبي عبد الله : يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب فيعتق ويجعل في ابن السبيل ؟ قال : نعم ، ابن عباس يقول ذلك ولا أعلم شيئا يدفعه وهو ظاهر الكتاب ، قال الخلال في علله : هذا قوله الأول ، والعمل على ما بينه الجماعة في ضعف الحديث : أخبرنا أحمد بن هاشم الأنطاكي ، قال : قال أحمد : كنت أرى أن يعتق من الزكاة ثم كففت عن ذلك لأني لم أر إسنادا يصح ، قال حرب : فاحتج عليه بحديث ابن عباس ، فقال : هو مضطرب ، انتهى . وبقول ابن عباس في عتق الرقبة من الزكاة : قال الحسن البصري وعبد الله بن الحسن العنبري ومالك وإسحاق وأبو ثور ، وفي الجواهر للمالكية : يشتري بها الإمام الرقاب فيعتقها عن المسلمين والولاء لجميعهم ، وقال ابن وهب : هو في فكاك المكاتبين ، ووافق الجماعة ولو اشترى بزكاته رقبة فأعتقها ليكون ولاؤها له لا يجزئه عند ابن القاسم خلافا لأشهب ، ولا يجزئ فك الأسير بها عند ابن القاسم خلافا لابن حبيب ولا يدفع عند مالك والأوزاعي إلى مكاتب ولا إلى عبد موسرا كان سيده أو معسرا ولا من الكفارات ، وجه قول الجمهور ما رواه البراء بن عازب " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار ، فقال : أعتق النسمة وفك الرقبة ، قال : يا رسول الله ، أوليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها " . رواه أحمد والدارقطني . ( وقال الحسن : إن اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج ، ثم تلا : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ الآية في أيها أعطيت أجزأت ) . مطابقته في الجزء الأخير من الترجمة ، والحسن هو البصري ، هذا التعليق روى بعضه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن حفص ، عن أشعث بن سوار ، قال : سئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه ، قال : اشترى خير الرقاب ، قوله : " في أيها " أي في مصرف من المصارف الثمانية أعطيت أجزت ، كذا في الأصل بغير همز أي قضت ، قال الكرماني : أعطيت بلفظ المعروف والمجهول ، وكذلك أجزأت من الإجزاء ، وذكر ابن التين بلفظ أجزت بدون الهمزة ، وقال : معناه قضت عنه ، وقيل : جزأ وأجزأ بمعنى أي قضى ، ومن قول الحسن يعلم أن اللام في قوله : " للفقراء " لبيان المصرف لا للتمليك ، فلو صرف الزكاة في صنف واحد كفى . ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالدا احتبس أدراعه في سبيل الله ) . هذا التعليق يأتي في هذا الباب موصولا ، والأدراع جمع درع ، ويروى أدرعه . ( ويذكر عن أبي لاس : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج ) . أبو لاس بالسين المهملة خزاعي ، وقيل : حارثي يعد في المدنيين اختلف في اسمه ، فقيل : زياد ، وقيل : عبد الله بن عنمة بعين مهملة مفتوحة بعدها نون مفتوحة ، وقيل : محمد بن الأسود وله حديثان أحدهما هذا وليس لهم أبو لاس غيره وهو فرد ، وهذا التعليق رواه الطبراني عن عبيد بن غنام ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وحدثنا أبو خليفة ، حدثنا ابن المديني حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن عمر بن الحكم بن ثوبان ، عن أبي لاس قال : " حملنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج ، فقلنا : يا رسول الله ، ما نرى أن تحملنا هذه ؟ فقال : ما من بعير إلا وفي ذروته شيطان ، فإذا ركبتموها فاذكروا نعمة الله عليكم كما أمركم الله ، ثم امتهنوها لأنفسكم ، فإنما يحمل الله " . وأخرجه أحمد أيضا وابن خزيمة والحاكم وغيرهم ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته . 70 - ( حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة ، فقيل : منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما ينقم ابن جميل ألا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله ، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله ، وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عليه صدقة ومثلها معها ) . مطابقته للترجمة في قوله : " وأعبده في سبيل الله " ، ورجال هذا الإسناد قد مضوا غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن حمزة وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، وفي رواية النسائي من طريق علي بن عياش ، عن شعيب مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يقول : قال عمر رضي الله تعالى عنه ، فذكره صرح بالحديث في الإسناد ، وزاد فيه عمر رضي الله تعالى عنه ، والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة ، وإنما جرى لعمر فيه ذكر فقط . ( ذكر معناه ) : قوله : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة " أي بالصدقة الواجبة يعني الزكاة لأنها المعهودة بانصراف الألف واللام إليها ، وقال القرطبي : الجمهور صاروا إلى أن الصدقة هي الواجبة لكن يلزم على هذا استبعاد هؤلاء المذكورين لها ، ولذلك قال بعض العلماء : كانت صدقة التطوع ، وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث وفيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الصدقة .. " الحديث . وقال ابن القصار : وهذا أليق بالقصة لأنا لا نظن بأحدهم منع الواجب ، قوله : " فقيل : منع ابن جميل " ، القائل هو عمر رضي الله تعالى عنه ، ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عبيد : فقال بعض من يلمز أي يعيب ، وابن جميل بفتح الجيم ، ذكره الذهبي فيمن عرف بابنه ولم يسم ، قيل : وقع في تعليق القاضي حسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله ، ووقع في التوضيح أن ابن بزيزة سماه حميدا وليس بمذكور في كتابه ، وقيل : وقع في رواية ابن جريج أبو جهم بن حذيفة بدل ابن جميل وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل لأنه أنصاري ، وأبو جهم قرشي ، قوله : " وخالد بن الوليد " بالرفع عطف على منع ابن جميل وعباس بن عبد المطلب عطف عليه ، ووقع في رواية أبي عبيد " منع ابن جميل وخالد وعباس أن يعطوا " وهو مقدر هاهنا لأن منع يستدعي مفعولا ، وقوله : " أن يعطوا " في محل النصب على المفعولية ، وكلمة أن مصدرية والتقدير منع هؤلاء الإعطاء ، قوله : " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بيان لوجه امتناع هؤلاء عن الإعطاء ، فلذلك ذكره بالفاء ، قوله : " ما ينقم " بكسر القاف وفتحها أي ما ينكر أي لا ينبغي أن يمنع الزكاة وقد كان فقيرا فأغناه الله ؛ إذ ليس هذا جزاء النعمة ، قال ابن المهلب : كان ابن جميل منافقا فمنع الزكاة فاستتابه الله تعالى بقوله : وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ فقال : استتابني ربي ، فتاب وصلحت حاله ، انتهى . وفيه تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنه إذا لم يكن له عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له ، قوله : " وأما خالد " إلى آخره ، قال الخطابي : قصة خالد تؤول على وجوه ، أحدها : أنه قد اعتذر لخالد ودافع عنه بأنه احتبس في سبيل الله تقربا إليه وذلك غير واجب عليه ، فكيف يجوز عليه منع الواجب ؟ وثانيها : أن خالدا طولب بالزكاة عن أثمان الأدرع على معنى أنها كانت عنده للتجارة ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا زكاة عليه فيها إذ جعلها حبسا في سبيل الله . وثالثها : أنه قد أجاز له أن يحتسب بما حبسه في سبيل الله من الصدقة التي أمر بقبضها منه ، وذلك لأن أحد الأصناف سبيل الله وهم المجاهدون فصرفها في الحال كصرفها في المآل ، قوله : " قد احتبس " أي حبس أدراعه جمع درع ، قوله : " وأعبده " بضم الباء الموحدة جمع عبد حكاه عياض ، والمشهور أعتده بضم التاء المثناة من فوق جمع عتد بفتحتين ، ووقع في رواية مسلم أعتاده وهو أيضا جمع عتد ، قيل : هو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح ، وقيل : الخيل خاصة ، يقال : فرس عتيد أي صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب ، قوله : " وأما العباس بن عبد المطلب " فأخبر عنه عليه الصلاة والسلام أنه عمه ، وعم الرجل صنو أبيه ، وعن الحكم بن عتيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مصدقا ، فشكاه العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ابن الخطاب ، أما علمت أن عم الرجل صنو الأب وأنا استسلفنا زكاته عام الأول ؟ ومعنى صنو أبيه أصله وأصل أبيه واحد ، وأصل ذلك أن طلع النخلات من عرق واحد ، قوله : " فهي عليه صدقة " معناه هي صدقة ثابتة عليه سيتصدق بها ومثلها معها ، أي ويتصدق مثل هذه الصدقة معها كرما منه إذ لا امتناع منه ولا بخل فيه ، وقيل : معناه فأمواله هي كالصدقة عليه لأنه استدان في مفاداة نفسه وعقيل فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة ، وقيل : إن القصة جرت في صدقة التطوع فلا إشكال عليه لكنه خلاف المشهور وما عليه الروايات . ثم اعلم أن لفظة الصدقة إنما وقعت في رواية شعيب عن أبي الزناد كما مرت ، وقال البيهقي في رواية شعيب هذه : يبعد أن تكون محفوظة لأن العباس كان من صلبية بني هاشم ممن تحرم عليه الصدقة ، فكيف يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه ؟ وقال المنذري : لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فرأى إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الخطابي : هذه لفظة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة ، ورد عليه بأن اثنين تابعا شعيبا أحدهما عبد الرحمن بن أبي الزناد كما سيأتي عن قريب والآخر موسى بن عقبة فيما رواه النسائي عن عمران : حدثنا علي ابن عياش ، عن شعيب وساقه بلفظ البخاري ، قال : وأخبرني أحمد بن حفص ، حدثني أبي ، حدثني إبراهيم ، عن موسى ، أخبرني أبو الزناد ، عن الأعرج ، " عن أبي هريرة قال : أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بصدقة .. " الحديث . وفي آخره : " فهي عليه صدقة ومثلها معها " . واعلم أيضا أنه وقع اختلاف في هذا اللفظ ، ففي لفظ وقع مثلها في متن حديث الباب ، وفي لفظ : " فهي له ومثلها معها " ، وفي لفظ : " فهي علي ومثلها معها " ، وفي لفظ : " فهي عليه ومثلها معها " ، أما معنى الذي في متن حديث الباب أي فهي عليه صدقة واجبة فأداها قبل محلها ومثلها معها أي قد أداها لعام آخر كما ذكرناه عن الحكم آنفا ، وأما معنى " فهي له ومثلها معها " وهي رواية موسى بن عقبة أي فهي عليه ، قيل : عليه وله بمعنى واحد ، كما في قوله تعالى : وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وفي قوله : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ويحتمل أن يكون فهي له أي فهي له علي ، ويحتمل أنها كانت له عليه إذا كان قدمها ، وأما معنى قوله : " فهي علي ومثلها معها " أي فهذه الصدقة علي بمعنى أؤديها عنه لما له علي من الحق خصوصا له ، ولهذا قال : عم الرجل صنو أبيه ، وأما معنى " فهي عليه ومثلها معها " وهي رواية ابن إسحاق ، قال أبو عبيد : نراه والله أعلم أنه كان أخر الصدقة عنه عامين من أجل حاجة العباس فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظرة ثم يأخذها منه بعد ، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه بصدقة عام الرمادة ، فلما أجبى الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين ، وقيل : إنما تعجل منه لأنه أوجبها عليه وضمنها إياه ولم يقبضها منه فكانت دينا على العباس ، ألا ترى قوله : " فإنها عليه ومثلها معه " ؟ قال ابن الجوزي : قال لنا ابن ناصر : يجوز أن يكون قد قال هو عليه بتشديد الياء وزاد فيها هاء السكت . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه إثبات الزكاة في أموال التجارة ، وفيه دليل على جواز أخذ القيمة عن أعيان الأموال ، وفيه جواز وضع الصدقة في صنف واحد ، وفيه جواز تأخير الزكاة إذا رأى الإمام فيه نظرة ، وفيه جواز تعجيل الزكاة ، وقال أبو علي الطوسي : اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها ، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها ، وبه يقول سفيان ، وقال أكثر أهل العلم : إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه ، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وهو مذهب أبي حنيفة ، وقال ابن المنذر : وكره مالك والليث بن سعد تعجيلها قبل وقتها ، وقال الحسن : من زكى قبل الوقت أعاد كالصلاة ، وفي التوضيح : وعند مالك في إخراجها قبل الحول بيسير قولان ، وحد القليل بشهر ونصف شهر وخمسة أيام وثلاثة ، وفيه تحبيس آلات الحرب والثياب وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه والخيل والإبل كالأعبد وفي تحبيس غير العقار ثلاثة أقوال للمالكية : المنع المطلق في مقابلة الخيل فقط ، وقيل : يكره في الرقيق خاصة ، وروي أن أبا معقل وقف بعيرا له ، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره . وقال أبو حنيفة : لا يلزم الوقف في شيء إلا أن يحكم به حاكم أو يكون الوقف مسجدا أو سقاية أو وصية من الثلث ، قلت : التحقيق فيه أن أصل الخلاف أن الوقف لا يجوز عند أبي حنيفة أصلا وهو المذكور في الأصل ، وقيل : يجوز عنده إلا أنه لا يلزم بمنزلة العارية حتى يرجع فيه أي وقت شاء ويورث عنه إذا مات وهو الأصح ، وعند أبي يوسف ومحمد : يجوز ويزول ملك الواقف عنه غير أنه عند أبي يوسف يزول بمجرد القول وعند محمد حتى يجعل للوقف وليا ويسلمه إليه ، وأما وقف المنقول فإما أن يكون فيه تعامل بوقفه أو لا يكون ، فالأول يجوز وقفه كالكراع والسلاح والفأس والقدر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والمصاحف وكتب الفقه والحديث والأدبية ونحوها ، والثاني : لا يجوز وقفه كالزرع والثمر ونحوهما ، وعند أبي يوسف : لا يجوز إلا في الكراع والسلاح ، والكراع الخيل ، وفيه بعث الإمام العمال لجباية الزكوات بشرط أن يكونوا أمناء فقهاء عارفين بأمور الجباية ، وفيه تنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه ، وفيه العيب على من منع الواجب وجواز ذكره في غيبته بذلك ، وفيه تحمل الإمام عن بعض رعيته ما يجب عليه ، وفيه الاعتذار بما يسوغ الاعتذار به ، وفيه إسقاط الزكاة عن الأموال المحبسة ، وفيه التعريض بكفران النعمة والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان . ( تابعه ابن أبي الزناد ، عن أبيه ) . أي تابع الأعرج عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان بوجود لفظ الصدقة . روى هذه المتابعة الدارقطني عن المحاملي ، حدثنا علي بن شعيب ، حدثنا شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي الزناد ، عن أبيه أبي الزناد ، عن الأعرج به . كذا هو في نسخة ، وفي أخرى بسقوط ابن ، وهي رواية مسلم وهي الصحيحة . ( وقال ابن إسحاق ، عن أبي الزناد : هي عليه ومثلها معها ) . قال الكرماني : الظاهر أن ابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار ضد اليمين المدني الإمام صاحب المغازي ، مات سنة خمسين ومائة ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد ، فإنه رواه عن أبي الزناد بحذف لفظ الصدقة ، وروى الدارقطني أيضا هذه المتابعة عن أحمد بن محمد بن زياد ، حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا ابن يعيش ، حدثني يونس بن بكير ، حدثنا ابن أبي إسحاق ، عن أبي الزناد .. فذكره . ( وقال ابن جريج : حدثت عن الأعرج بمثله ) . ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بضم الجيم ، قوله : " حدثت " بصيغة المجهول ، قوله : " بمثله " ، أي بمثل ما روى ابن إسحاق بدون لفظ الصدقة .