16 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ 1534 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ : أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ : صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ : عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ عَنِ الْآتِي الَّذِي أَتَاهُ . لَكِنْ رَوَى أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : تَخَيَّمُوا بِالْعَقِيقِ ؛ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ . فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا . وَقَوْلُهُ : تَخَيَّمُوا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ أَمْرٌ بِالتَّخَيُّمِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ النُّزُولُ هُنَاكَ . وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ حَمْزَةَ الْأَصْبَهَانِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ التَّصْحِيفِ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ تَصْحِيفٌ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، وَلِمَا قَالَهُ اتِّجَاهٌ ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْخَاتَمِ ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِهِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ : تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، الْحَدِيثَ . وَأَسَانِيدُهُ ضَعِيفَةٌ . قَوْلُهُ : ( آتٍ مِنْ رَبِّي ) هُوَ جِبْرِيلُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ ) يَعْنِي وَادِيَ الْعَقِيقِ ، وَهُوَ بِقُرْبِ الْبَقِيعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ . رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ تُبَّعًا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْمَدِينَةِ انْحَدَرَ فِي مَكَانٍ فَقَالَ : هَذَا عَقِيقُ الْأَرْضِ ، فَسُمِّيَ الْعَقِيقَ . قَوْلُهُ : ( وَقُلْ : عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ) بِرَفْعِ عُمْرَةٍ لِلْأَكْثَرِ ، وَبِنَصْبِهَا لِأَبِي ذَرٍّ عَلَى حِكَايَةِ اللَّفْظِ ؛ أَيْ قُلْ : جَعَلْتُهَا عُمْرَةً ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ عُمْرَةٌ مُدْرَجَةٌ فِي حَجَّةٍ ؛ أَيْ أنَّ عَمَلَ الْعُمْرَةِ يَدْخُلُ فِي عَمَلِ الْحَجِّ ، فَيُجْزِي لَهَمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَقَالَ : مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بَعْدَ فَرَاغِ حَجِّهِ . وَهَذَا أَبْعَدُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ . نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ لِيُعَلِّمَهُمْ مَشْرُوعِيَّةَ الْقِرَانِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ : دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ . وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ : لَيْسَ نَظِيرُهُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : دَخَلْتْ . . . إِلَخْ تَأْسِيسُ قَاعِدَةٍ ، وَقَوْلُهُ : عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ بِالتَّنْكِيرِ يَسْتَدْعِي الْوَحْدَةَ ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ مِنَ الْقِرَانِ إِذْ ذَاكَ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِلَفْظِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ . وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْعَقِيقِ كَفَضْلِ الْمَدِينَةِ وَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ فِي مَنْزِلَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْبَلَدِ وَمَبِيتِهِمْ بِهَا لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ مُرَافَقَتَهُمْ ، وَلِيَسْتَدْرِكَ حَاجَتَهُ مَنْ نَسِيَهَا مَثَلًا فَيَرْجِعَ إِلَيْهَا مِنْ قَرِيبٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَقِيقُ وَادٍ مُبَارَك · ص 458 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك · ص 147 ( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك ) أي هذا باب في بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك . قوله : ( العقيق ) مبتدأ ، وقوله : واد خبره ، ومبارك صفته ، ومبارك نكرة ويروى ، المبارك بالألف واللام ، وبإضافة واد إليه ، أي : واد الموضع المبارك ، وقد مر تفسير العقيق عن قريب ، قال الجوهري : هو واد بظاهر المدينة ، وقيل : يدفق ماؤه في غور تهامة . 130 - حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا الوليد ، وبشر بن بكر التنيسي ، قالا : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى ، قال : حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : إنه سمع عمر رضي الله عنه يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة . مطابقته للترجمة في قوله : الوادي المبارك . ( ذكر رجاله ) : وهم ثمانية . الأول : الحميدي بضم الحاء المهملة ، وفتح الميم ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة ، وهو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام ، مر في أول الصحيح . الثاني : الوليد بن مسلم ، مر في وقت المغرب في كتاب الصلاة . الثالث : بشر بكسر الباء الموحدة ، وسكون الشين المعجمة التنيسي بكسر التاء المثناة ، وتشديد النون ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالسين المهملة نسبة إلى تنيس بلدة كانت في جزيرة في وسط بحيرة تعرف ببحيرة تنيس هذه شرقي أرض مصر ، مر في باب من أخف الصلاة . الرابع : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي تكرر ذكره . الخامس : يحيى بن أبي كثير . السادس : عكرمة مولى ابن عباس . السابع : عبد الله بن عباس . الثامن : عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه السماع في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأن نسبته إلى أحد أجداده ، وأن الوليد ، والأوزاعي دمشقيان ، وأن يحيى يمامي طائي ، وأن عكرمة مدني ، وفيه ثلاثة مذكورون بالنسبة . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي الاعتصام عن سعيد بن الربيع ، وأخرجه أبو داود في الحج عن النفيلي ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن دحيم عن الوليد ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة . ( ذكر معناه ) : قوله : ( بوادي العقيق ) حال ، والباء بمعنى في قوله : ( آت ) هو جبريل عليه الصلاة والسلام ، قالوا هكذا ، قلت : يحتمل أن يكون ملكا من الملائكة غير جبريل ؛ لأن إسرافيل أيضا نزل إليه مدة ، ولكن صرح في رواية البيهقي أنه جبريل عليه الصلاة والسلام . قوله : ( من ربي ) جملة في محل الرفع ؛ لأنها صفة لقوله آت ، وآت فاعل أتى ، وأصله آتي ، فأعل إعلال قاض . قوله : ( صل ) أمر بالصلاة ، قال الكرماني : ظاهره أن هذه الصلاة صلاة الإحرام ، وقيل : كانت صلاة الصبح ، والأول أظهر . قوله : ( وقل عمرة في حجة ) عمرة منصوب في رواية أبي ذر ، ومرفوع في رواية الأكثرين ، وأما وجه النصب ، فبفعل مقدر تقديره : قل جعلت عمرة في حجة ، وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : قل هذه عمرة في حجة ، وقال الخطابي : إما أن تكون في بمعنى مع ، كأنه قال : عمرة معها حجة ، وإما أن يراد عمرة مدرجة في حجة على مذهب من رأى أن عمل العمرة مضمن في عمل الحج يجزيه لهما طواف واحد ، قلت : هذا بعيد ، وأبعد منه من قال : إنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ، وقال الطبري : يحتمل أن يكون أمرا بأن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القران ، وهو كقوله : دخلت العمرة في الحج ، ورد عليه بأنه ليس نظيره ؛ لأن . قوله : دخلت إلى آخره تأسيس قاعدة ، وقوله : عمرة في حجة بالتنكير يستدعي على الوحدة ، وهو إشارة إلى الفعل الواقع في القران ، إذ ذاك ، والآن نحرر هذا المبحث إن شاء الله تعالى . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه فضل العقيق لفضل المدينة ، وفيه فضل الصلاة فيه ، ومطلوبيتها عند الإحرام ، لا سيما في هذا الوادي المبارك ، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما روي عن الحسن البصري ، فإنه استحب كونها بعد فرض ، وقال الطبري : ومعنى الحديث الإعلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لقيام الإجماع على أن الصلاة في هذا الوادي ليست بفرض ، قال : فبان بذلك أن أمره بالصلاة فيه نظير حثه لأمته على الصلاة في مسجده ، ومسجد قبا ، قلت : الصلاة بركعتين من سنة الإحرام ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أمر إرشاد ، وأنه صلى ركعتين ، ولا يصليهما في الوقت المكروه ، وقال النووي : فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات المنهي فيها عن الصلاة لم يصلهما ، هذا هو المشهور ، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يصليهما فيه ؛ لأن سببهما إرادة الإحرام ، وقد وجد ذلك ، وفيه استحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد ، ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم ، وليستدرك حاجته من نسيها فيرجع إليها من قريب ، وفيه أفضلية القران ، والدلالة على وجوده ، وعلى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان قارنا في حجة الوداع ، وذلك لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر أن يقول : عمرة في حجة فيكون مأمورا بأنه يجمع بينهما من الميقات ، وهذا هو عين القران ، فإذا كان مأمورا به استحال أن يكون حجة خلاف ما أمر به ، ( فإن قلت ) : لا نسلم ذلك ، ولا يدل ذلك على أفضلية القران ، ولا على كون النبي صلى الله عليه وسلم قارنا ؛ لأنه جاء في رواية أخرى : قل عمرة وحجة ففصل بينهما بالواو ، فحينئذ يحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله ، فكأنه قال : إذا حججت فقل لبيك بعمرة ، وتكون في حجتك التي حججت ، أو يكون محمولا على معنى تحصيلهما معا ، ( قلت ) : رواية البخاري وغيره قل : عمرة في حجة ، وهذه هي الصحيحة ، وهي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يجعل العمرة في الحجة ، وهي صفة القران ، والرواية التي بواو العطف تدل على ما قلنا أيضا ؛ لأن الواو لمطلق الجمع ، والجمع بين الحج والعمرة هو القران ، فيدل أيضا على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا ، وما ذكروه من الاحتمال بعيد . وصرف اللفظ إلى غير مدلوله ، فلا يقبل ، والله أعلم .