23 - بَاب مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ ، وَقَالَتْ : لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ . وَقَالَ جَابِرٌ : لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا . وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ . 1545 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا . ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ ، وَلَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا ، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا ، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُغَايِرَةٌ لِلسَّابِقَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ أنَّ تِلْكَ مَعْقُودَةٌ لِمَا لَا يُلْبَسُ مِنْ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ ، وَهَذِهِ لِمَا يُلْبَسُ مِنْ أَنْوَاعِهَا . وَالْأُزُرُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالزَّاي - جَمْعُ إِزَارٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُوَرَّدَةَ بِالْعُصْفُرِ الْخَفِيفِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ . وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ لِلْمُحْرِمِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : الْعُصْفُرُ طِيبٌ ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ . وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ جَوَازَ لُبْسِ الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ قِصَّةً مَعَ طَلْحَةَ فِيهَا بَيَانُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ ) ؛ أَيْ عَائِشَةُ ( لَا تَلَثَّمْ ) بِمُثَنَّاةِ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : تَلْتَثِمُ ؛ بِسُكُونِ اللَّامِ وَزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا ، أَيْ لَا تُغَطِّي شَفَتَهَا بِثَوْبٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الْأَصْلِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ جِلْبَابَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ قَالَا : لَا تَلْبَسِ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ وَالسَّرَاوِيلَ ، وَلَا تُبَرْقِعْ وَلَا تَلَثَّمْ ، وَتَلْبَسُ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا ثَوْبًا يَنْفُضُ عَلَيْهَا وَرْسًا أَوْ زَعْفَرَانًا . وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ جَابِرٌ ) ؛ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ . قَوْلُهُ : ( لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا ) ؛ أَيْ تَطَيُّبًا . وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُسَدَّدٌ بِلَفْظِ : لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ ، وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بَابَاهُ الْمَكِّيُّ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ : مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي إِحْرَامِهَا ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : تَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَبَزِّهَا وَأَصْبَاغِهَا وَحُلِيِّهَا . وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ - وَالْمُرَادُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ - فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي : بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ كُلَّهُ وَالْخِفَافَ ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا إِلَّا وَجْهَهَا فَتَسْدُلُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ سَدْلًا خَفِيفًا تستتر بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ . وَلَا تُخَمِّرْهُ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ : كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ؛ تَعْنِي جَدَّتَهَا . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّخْمِيرُ سَدْلًا كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ ، فَإِذَا جَاوَزْنَا رَفَعْنَاهُ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهَا ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ) ؛ أَيِ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ ثِيَابَهُ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ ، وَيُونُسَ ، أَمَّا مُغِيرَةُ فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَعَنْ عَطَاءٍ ، وَأَمَّا يُونُسُ فَعَنِ الْحَسَنِ ؛ قَالُوا : يُغَيِّرُ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ مَا شَاءَ ، لَفْظُ سَعِيدٍ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يُبَدِّلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ . قَالَ سَعِيدٌ : وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُنَا إِذَا أَتَوْا بِئْرَ مَيْمُونٍ اغْتَسَلُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ فَدَخَلُوا فِيهَا مَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ . قَوْلُهُ : ( تَرَجَّلَ ) ؛ أَيْ سَرَّحَ شَعْرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَادَّهَنَ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ وَالشَّيْرَجَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيبِ وَالزَّيْتِ فِي هَذَا ، فَقِيَاسُ كَوْنِ الْمُحْرِمِ مَمْنُوعًا عنِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ أَنْ يُبَاحَ لَهُ اسْتِعْمَالُ الزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ . قَوْلُهُ : ( الَّتِي تَرْدَعُ ) بِالْمُهْمَلَةِ ؛ أَيْ تُلَطَّخُ . يُقَالُ : رَدَعَ ، إِذَا الْتَطَخَ ، وَالرَّدْعُ أَثَرُ الطِّيبِ ، وَرَدَعَ بِهِ الطِّيبُ إِذَا لَزِقَ بِجِلْدِهِ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : وَقَدْ رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ : أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ ؛ إِذَا كَثُرَتْ مَنَاقِعُ الْمِيَاهِ فِيهَا ، وَالرَّدْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الطِّينُ ، انْتَهَى . وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ضَبْطُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا عِيَاضٌ وَلَا ابْنُ قُرْقُولٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ تُرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الصَّوَابُ حَذْفُ عَلَى ، كَذَا قَالَ ، وَإِثْبَاتُهَا مُوَجَّهٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ) ؛ أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا نَهَارًا ثُمَّ بَاتَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ) أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَهُ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، قَالَ : لِأَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِلَا شَكٍّ ، لِأَنَّ الْوَقْفَةَ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لِخَمْسٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى تَرْكِ عَدِّ يَوْمِ الْخُرُوجِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْخَمِيسِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ السَّبْتِ بِنَاءً عَلَى عَدِّ يَوْمِ الْخُرُوجِ أَوْ عَلَى تَرْكِ عَدِّهِ ، وَيَكُونَ ذُو الْقَعْدَةِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ خُرُوجَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ مَنَعَ إِطْلَاقَ الْقَوْلِ فِي التَّارِيخِ لِئَلَّا يَكُونَ الشَّهْرُ نَاقِصًا ، فَلَا يَصِحُّ الْكَلَامُ ، فَيَقُولُ مَثَلًا : لِخَمْسٍ إِنْ بَقِينَ ، بِزِيَادَةِ أَدَاةِ الشَّرْطِ ، وَحُجَّةُ الْمُجِيزِ أَنَّ الْإِطْلَاقَ يَكُونُ عَلَى الْغَالِبِ ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا صُبْحَ يَوْمِ الْأَحَدِ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْوَاقِدِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ ) ؛ أَيْ كَذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : الْحَجُونَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ مَضْمُومَةٌ ، هُوَ الْجَبَلُ الْمُطِلُّ عَلَى الْمَسْجِدِ بِأَعْلَى مَكَّةَ عَلَى يَمِينِ الْمِصْعَدِ ، وَهُنَاكَ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ . وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مُفَرَّقًا فِي الْأَبْوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُر · ص 473 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر · ص 165 ( باب ما يلبس المحرم من الثياب ، والأردية ، والأزر ) أي هذا باب في بيان ما يلبس ، ولما بين ما لا يلبس شرع في بيان ما يلبس ، وكلمة ما يجوز أن تكون موصولة ، أي : باب في بيان الشيء الذي يلبس المحرم ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : في بيان لبس المحرم ، وكلمة من في من الثياب بيانية ، وهو جمع ثوب ، والأردية جمع رداء ، والأزر بضم الهمزة ، والزاي جمع إزار ، ويجوز تسكين الزاي ، وضمها إتباعا للهمزة ، والرداء للنصف الأعلى ، والإزار للنصف الأسفل ، وعطف الأربعة على الثياب من باب عطف الخاص على العام . ( ولبست عائشة رضي الله عنها الثياب المعصفرة وهي محرمة ، وقالت : لا تلثم ، ولا تتبرقع ، ولا تلبس ثوبا بورس ، ولا زعفران ) مطابقة هذا للترجمة في صدر هذا التعليق أعني قوله : ( ولبست عائشة الثياب المعصفرة ) ، أي : المصبوغة بالعصفر . قوله : ( وهي محرمة ) جملة اسمية وقعت حالا ، ووصل هذا التعليق سعيد بن المنصور من طريق القاسم بن محمد ، قال : كانت عائشة تلبس المعصفرة ، وأخرج البيهقي من طريق ابن أبي مليكة ( أن عائشة كانت تلبس الثياب المورد بالعصفر الخفيف وهي محرمة ) ، وقيل : الثوب المورد المصبوغ بالورد . قوله : ( وقالت ) : أي : عائشة ، لا تلثم بتاء مثناة واحدة ، وفتح اللام ، وتشديد الثاء المثلثة ، وأصله تتلثم فحذفت إحدى التاءين ، كما في تلظى ، وفي رواية أبي ذر لا : تلتثم بفتح التاء المثناة من فوق ، وسكون اللام ، وفتح التاء المثناة من فوق ، وكسر الثاء المثلثة من الالتثام من باب الافتعال ، والأول من باب التفعل ، وسقط هذا من الأصل في رواية الحموي ، وكلاهما من اللثام ، وهو ما يغطي الشفة ، والمعنى هاهنا لا تغطي المرأة شفتها بثوب . قوله : ( ولا تتبرقع ) ، أي : ولا تلبس البرقع بضم الباء ، وسكون الراء ، وضم القاف ، وفتحها ، وهو ما يغطي الوجه ، وعن الحسن ، وعطاء مثل ما روي عن عائشة ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن عبد الأعلى ، عن هشام ، عن الحسن ، وعطاء قالا : لا تلبس المحرمة القفازين ، والسراويل ، ولا تبرقع ، ولا تلثم ، وتلبس ما شاءت من الثياب ، إلا ثوبا ينفض عليها ورسا ، أو زعفرانا . قوله : ( ولا تلبس ثوبا بورس وزعفران ) ، أي : مصبوغا بورس وزعفران ، وقد روى أبو داود من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى النساء في إحرامهن عن القفازين ، والنقاب ، وما مسه الورس ، والزعفران من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر ، أو خز ، أو حلي ، أو قميص ، أو سراويل ) . ( وقال جابر لا أرى المعصفر طيبا ) أي ، قال جابر بن عبد الله الصحابي ، أي : لا أراه مطيبا ؛ لأنه لا يصح أن يكون المفعول الثاني معنى ، والأول عينا ، ووصل هذا التعليق الشافعي ، ومسدد بلفظ : ( لا تلبس المرأة ثياب الطيب ، ولا أرى المعصفر طيبا ) . ( ولم تر عائشة بأسا بالحلي ، والثوب الأسود ، والمورد ، والخف للمرأة ) الحلي بضم الحاء ، وكسر اللام جمع الحلي ، والثوب المورد المصبوغ بالورد ، يعني : على لون الورد ، وروى البيهقي من طريق ابن باباه المكي أن امرأة سألت عائشة ما : تلبس المرأة في إحرامها قالت عائشة : تلبس من خزها ، وبزها ، وأصباغها وحليها ، وقال ابن المنذر : أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله ، والخفاف ، وأن لها أن تغطي رأسها ، وتستر شعرها ، إلا وجهها تسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال ، ولا تخمره ، إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت : كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما تعني جدتها ، قال : ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا كما جاء عن عائشة قالت : كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات ، فإذا جاوز رفعنا ، ( قلت ) : فيما أخرجه الجماعة ، ولا تنتقب المرأة المحرمة فيه دليل على أنه يحرم على المرأة ستر وجهها في الإحرام ، وقال المحب الطبري : مفهومه يدل على إباحة تغطية الوجه للرجل ، وإلا لما كان في التقييد بالمرأة فائدة ، ( قلت ) : قد ذهب إلى جواز تغطية الرجل المحرم وجهه عثمان بن عفان ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، ومجاهد ، وطاوس ، وإليه ذهب الشافعي ، وجمهور أهل العلم ، وذهب أبو حنيفة ، ومالك إلى المنع من ذلك ، واحتجا بحديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا تخمروا وجهه ، ولا رأسه ، رواه مسلم ، ورواه النسائي بلفظ : وكفنوه في ثوبين خارجا وجهه ورأسه ، وقال ابن العربي : وهذا أمر فيه خفاء على الخلق ، وليسوا على الحق ، قال : ولقد رأيت بعض أصحابنا من أهل العلم ممن يتعاطى الفقه ، والحديث يبني المسألة على أن الوجه من الرأس أم لا ، فعجبت لضلالته عن دلالته ونسيانه لصنعته ، وقال شيخنا زين الدين : لا أدري ما وجه إنكاره على من بنى المسألة على ذلك ، وما قاله واضح في قول ابن عمر الذي رواه مالك ، وقد جاء عن عطاء بن أبي رباح التفرقة بين أعلى الوجه ، وأسفله ، فروى سعيد بن منصور في ( سننه ) بإسناده إليه ، قال : يغطي المحرم وجهه ما دون الحاجبين ، وفي رواية له ما دون عينيه ، ويحتمل أن يريد بذلك الاحتياط لكشف الرأس ، ولكن هذا أمر زائد على الاحتياط لذلك ، والاحتياط يحصل بدون ذلك . ( وقال إبراهيم : لا بأس أن يبدل ثيابه ) أي إبراهيم النخعي ، ووصله أبو بكر ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة بن شعبة ، عن إبراهيم ، قال : يغير المحرم ثيابه ما شاء بعد أن يلبس ثياب المحرم ، قال : وحدثنا إسماعيل بن عياش ، عن سعيد بن يوسف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، قال : غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثوبيه بالتنعيم ، وحدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، ويونس ، عن الحسن ، وحجاج ، عن عبد الملك ، وعطاء أنهم لم يروا بأسا أن يبدل المحرم ثيابه ، وكذا قاله طاوس ، وسعيد بن جبير ، سئل أيبيع المحرم ثيابه ، قال : نعم ، وقال ابن التين : مذهب مالك ، وأصحابه أنه يجوز له الترك للباس الثوب ، ويجوز له بيعه ، وقال سحنون : لا يجوز له ذلك ؛ لأنه يعرض القمل للقتل بالبيع . 138 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، قال : حدثنا فضيل بن سليمان ، قال : حدثني موسى بن عقبة ، قال : أخبرني كريب ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ، فلم ينه عن شيء من الأردية ، والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد ، فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو، وأصحابه وقلد بدنته ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يحل من أجل بدنه ؛ لأنه قلدها ، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون ، وهو مهل بالحج ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم يقصروا من رؤوسهم ، ثم يحلوا ، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها ، ومن كانت معه امرأته ، فهي له حلال ، والطيب والثياب . مطابقته للترجمة في قوله : ( فلم ينه عن شيء من الأردية ، والأزر تلبس ) . ورجاله قد ذكروا ، والمقدمي بتشديد الدال المفتوحة ، وفضيل مصغر فضل ، وهذا الحديث من أفراد البخاري ، ورواه مختصرا أيضا . ( ذكر معناه ) : قوله : ( ترجل ) ، أي : سرح شعره . قوله : ( وادهن ) ، أي : استعمل الدهن ، وأصله ادتهن ؛ لأنه من باب الافتعال ، فأبدلت الدال من التاء ، وأدغمت الدال في الدال . قوله : ( هو ) ضمير فصل . قوله : ( تردع ) بالراء ، والدال المهملتين ، أي : تلطخ الجلد ، يقال تردع إذا التطخ ، والردع أثر الطيب ، وردع به الطيب إذا لزق بجلده ، وقال ابن بطال : وقد روي ترذع بالذال المعجمة من قولهم : أرذعت الأرض ، أي : كثرت منافع المياه فيها ، والرذع بالمعجمة الطين . قوله : ( التي تردع على الجلد ) هكذا وقع في الأصل ، وقال ابن الجوزي : الصواب حذف على. قوله : ( فأصبح بذي الحليفة ) ، أي : وصل إليها نهارا ، فبات بها ، كما سيأتي صريحا في الباب الذي بعده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه . قوله : ( بدنته ) ، قال الجوهري : هي ناقة ، أو بقرة تنحر بمكة ، سميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يسمنونها ، والجمع بدن بالضم ، وقال الأزهري : تكون البدنة من الإبل ، والبقر ، والغنم ، وقال النووي : هي البعير ذكرا كان أو أنثى بشرط أن يكون في سن الأضحية ، وهي التي استكملت خمس سنين . قوله : ( فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته ) ، وفي ( صحيح مسلم ) عنه أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بذي الحليفة ، ثم دعا بناقته ، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها بنعلين ، ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج ) ، وقال ابن حزم : فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة ، وأنس يذكر أنه صلاها بالمدينة ، وكلا الطريقين في غاية الصحة ، وأنس رضي الله تعالى عنه أثبت في هذا المكان ؛ لأنه ذكر أنه حضر ذلك بقوله صلى الظهر بالمدينة ، ثم إن ابن عباس لم يذكر حضورا فيها أنها كانت يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة إنما عنى به اليوم الثاني ، فلا تعارض ، وعند النسائي عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بالبيداء ، ثم ركب وصعد جبل البيداء ، وأهل بالحج والعمرة ) ، ولا تعارض ، فإن البيداء ، وذا الحليفة متصلتان بعضهما مع بعض ، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة ، وهو أول البيداء . قوله : ( وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ) ذلك إشارة إلى المذكور من ركوبه صلى الله عليه وسلم راحلته ، واستوائه على البيداء وإهلاله ، وتقليده بدنته لخمس بقين من ذي القعدة ، وهو بكسر القاف ، وفتحها ، وكذا في ذي الحجة بكسر الحاء ، وفتحها ، والفتح هنا أشهر ، وقال صاحب ( التلويح ) قوله : وذلك لخمس بقين من ذي القعدة يحتمل أنه أراد الخروج ، ويحتمل الإهلال ، فأردنا أن نعرف أيهما أراد فوجدنا عائشة روت في صحيح مسلم ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ) ، وفي الإكليل من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة ، عن سعيد بن محمد بن جبير ، عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم أنه قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر ، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين ) وزعم ابن حزم أنه ( خرج صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارا بعد أن تغدى ، وصلى الظهر بالمدينة ، وصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة ، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وطاف على نسائه ، ثم اغتسل ، ثم صلى بها الصبح ، ثم طيبته عائشة ، ثم أحرم ، ولم يغسل الطيب ، وأهل حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معا ، وذلك قبل الظهر بيسير ، ثم لبى ، ثم نهض ، وصلى الظهر بالبيداء ، ثم تمادى ، واستهل هلال ذي الحجة ) ، قال : ( فإن قلت ) : كيف قال : إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة ، وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج ، ( قلت ) : قد ذكر مسلم أيضا من طريق عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم موافين لهلال ذي الحجة ، فلما اضطربت الرواية عنها رجعنا إلى من لم تضطرب الرواية عنه في ذلك ، وهما عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، فوجدنا ابن عباس ذكر أن اندفاع النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة ، وذكر عمر رضي الله تعالى عنه أن يوم عرفة كان يوم الجمعة في ذلك العام ، فوجب أن استهلال ذي الحجة كان ليلة يوم الخميس ، وأن آخر يوم من ذي القعدة كان يوم الأربعاء ، فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة ، ويزيده وضوحا حديث أنس رضي الله تعالى عنه صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، فلو كان خروجه لخمس بقين لذي القعدة لكان بلا شك يوم الجمعة ، والجمعة لا تصلى أربعا ، فصح أن ذلك كان يوم الخميس ، وعلمنا أن معنى قول عائشة لخمس بقين من ذي القعدة إنما عنت اندفاعه صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة ، فلم تعد المرحلة القريبة ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلا يوم الخميس ، فبطل خروجه يوم الجمعة ، وبطل أن يكون يوم السبت ؛ لأنه كان يكون حينئذ خارجا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة . وصح أن خروجه كان لست بقين ، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة ، وتألفت الروايات . قوله : ( فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ) ، قال الواقدي : حدثنا أفلح بن حميد ، عن أبيه ، عن ابن عمر أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس اليوم الثامن من يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة ، ونزل بذي طوى ، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة ، وصلى الصبح بها ، ودخل مكة نهارا من أعلاها صبيحة يوم الأحد . قوله : ( ولم يحل ) ، أي : لم يصر حلالا ، إذ لا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله . قوله : ( الحجون ) بفتح الحاء المهملة ، وضم الجيم على وزن فعول موضع بمكة عند المحصب ، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف ، وهو مقبرة أهل مكة ، وهو من البيت على ميل ونصف . قوله : ( ولم يقرب الكعبة ) لعله منعه الشغل عن ذلك ، وإلا فله أن يتطوع بالطواف ما شاء . قوله : ( وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ) ، يعني : الذين لم يسوقوا الهدي ؛ لأنه قال ذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها أن يطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة . قوله : ( ثم يقصروا ) بالتشديد ، والتقصير هنا لأجل أن يحلقوا بمنى . قوله : ( ثم يحلوا ) ، وذلك لأنهم كانوا متمتعين ، ولم يكن معهم الهدي ، فلهذا حل لهم النساء ، والطيب ، وسائر المحرمات . قوله : ( وذلك ) إشارة إلى قوله : ثم يحل . قوله : ( والطيب ) مرفوع على أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، والتقدير : والطيب حلال له . قوله : ( والثياب ) عطف عليه ، أي : والثياب كذلك حلال لهم . ومما يستفاد منه أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا ؛ لأنه جمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة ، وهو صفة القران ، وأنه أفضل من الإفراد ، والتمتع ، وسنحرر البحث في ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى .