باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر
ج٤ / ص١٦٦( باب ما يلبس المحرم من الثياب ، والأردية ، والأزر ) ( ولبست عائشة رضي الله عنها الثياب المعصفرة وهي محرمة ، وقالت : لا تلثم ، ولا تتبرقع ، ولا تلبس ثوبا بورس ، ولا زعفران ) مطابقة هذا للترجمة في صدر هذا التعليق أعني قوله : ( ولبست عائشة الثياب المعصفرة ) ، أي : المصبوغة بالعصفر . قوله : ( وهي محرمة ) جملة اسمية وقعت حالا ، ووصل هذا التعليق سعيد بن المنصور من طريق القاسم بن محمد ، قال : كانت عائشة تلبس المعصفرة ، وأخرج البيهقي من طريق ابن أبي مليكة ( أن عائشة كانت تلبس الثياب المورد بالعصفر الخفيف وهي محرمة ) ، وقيل : الثوب المورد المصبوغ بالورد .
قوله : ( وقالت ) : أي : عائشة ، لا تلثم بتاء مثناة واحدة ، وفتح اللام ، وتشديد الثاء المثلثة ، وأصله تتلثم فحذفت إحدى التاءين ، كما في تلظى ، وفي رواية أبي ذر لا : تلتثم بفتح التاء المثناة من فوق ، وسكون اللام ، وفتح التاء المثناة من فوق ، وكسر الثاء المثلثة من الالتثام من باب الافتعال ، والأول من باب التفعل ، وسقط هذا من الأصل في رواية الحموي ، وكلاهما من اللثام ، وهو ما يغطي الشفة ، والمعنى هاهنا لا تغطي المرأة شفتها بثوب . قوله : ( ولا تتبرقع ) ، أي : ولا تلبس البرقع بضم الباء ، وسكون الراء ، وضم القاف ، وفتحها ، وهو ما يغطي الوجه ، وعن الحسن ، وعطاء مثل ما روي عن عائشة ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن عبد الأعلى ، عن هشام ، عن الحسن ، وعطاء قالا : لا تلبس المحرمة القفازين ، والسراويل ، ولا تبرقع ، ولا تلثم ، وتلبس ما شاءت من الثياب ، إلا ثوبا ينفض عليها ورسا ، أو زعفرانا . قوله : ( ولا تلبس ثوبا بورس وزعفران ) ، أي : مصبوغا بورس وزعفران ، وقد روى أبو داود من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى النساء في إحرامهن عن القفازين ، والنقاب ، وما مسه الورس ، والزعفران من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر ، أو خز ، أو حلي ، أو قميص ، أو سراويل ) .
( وقال جابر لا أرى المعصفر طيبا ) ( ولم تر عائشة بأسا بالحلي ، والثوب الأسود ، والمورد ، والخف للمرأة ) ( وقال إبراهيم : لا بأس أن يبدل ثيابه ) أي إبراهيم النخعي ، ووصله أبو بكر ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة بن شعبة ، عن إبراهيم ، قال : يغير المحرم ثيابه ما شاء بعد أن يلبس ثياب المحرم ، قال : وحدثنا إسماعيل بن عياش ، عن سعيد بن يوسف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، قال : غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثوبيه بالتنعيم ، وحدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، ويونس ، عن الحسن ، وحجاج ، عن عبد الملك ، وعطاء أنهم لم يروا بأسا أن يبدل المحرم ثيابه ، وكذا قاله طاوس ، وسعيد بن جبير ، سئل أيبيع المحرم ثيابه ، قال : نعم ، وقال ابن التين : مذهب مالك ، وأصحابه أنه يجوز له الترك للباس الثوب ، ويجوز له بيعه ، وقال سحنون : لا يجوز له ذلك ؛ لأنه يعرض القمل للقتل بالبيع .
138 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، قال : حدثنا فضيل بن سليمان ، قال : حدثني موسى بن عقبة ، قال : أخبرني كريب ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ، فلم ينه عن شيء من الأردية ، والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد ، فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو، وأصحابه وقلد بدنته ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يحل من أجل بدنه ؛ لأنه قلدها ، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون ، وهو مهل بالحج ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم يقصروا من رؤوسهم ، ثم يحلوا ، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها ، ومن كانت معه امرأته ، فهي له حلال ، والطيب والثياب . مطابقته للترجمة في قوله : ( فلم ينه عن شيء من الأردية ، والأزر تلبس ) . ورجاله قد ذكروا ، والمقدمي بتشديد الدال المفتوحة ، وفضيل مصغر فضل ، وهذا الحديث من أفراد البخاري ، ورواه مختصرا أيضا .
( ذكر معناه ) : قوله : ( ترجل ) ، أي : سرح شعره . قوله : ( وادهن ) ، أي : استعمل الدهن ، وأصله ادتهن ؛ لأنه من باب الافتعال ، فأبدلت الدال من التاء ، وأدغمت الدال في الدال . قوله : ( هو ) ضمير فصل .
قوله : ( تردع ) بالراء ، والدال المهملتين ، أي : تلطخ الجلد ، يقال تردع إذا التطخ ، والردع أثر الطيب ، وردع به الطيب إذا لزق بجلده ، وقال ابن بطال : وقد روي ترذع بالذال المعجمة من قولهم : أرذعت الأرض ، أي : كثرت منافع المياه فيها ، والرذع بالمعجمة الطين . قوله : ( التي تردع على الجلد ) هكذا وقع في الأصل ، وقال ج٤ / ص١٦٨ابن الجوزي : الصواب حذف على . قوله : ( فأصبح بذي الحليفة ) ، أي : وصل إليها نهارا ، فبات بها ، كما سيأتي صريحا في الباب الذي بعده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه .
قوله : ( بدنته ) ، قال الجوهري : هي ناقة ، أو بقرة تنحر بمكة ، سميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يسمنونها ، والجمع بدن بالضم ، وقال الأزهري : تكون البدنة من الإبل ، والبقر ، والغنم ، وقال النووي : هي البعير ذكرا كان أو أنثى بشرط أن يكون في سن الأضحية ، وهي التي استكملت خمس سنين . قوله : ( فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته ) ، وفي ( صحيح مسلم ) عنه أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بذي الحليفة ، ثم دعا بناقته ، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها بنعلين ، ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج ) ، وقال ابن حزم : فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة ، وأنس يذكر أنه صلاها بالمدينة ، وكلا الطريقين في غاية الصحة ، وأنس رضي الله تعالى عنه أثبت في هذا المكان ؛ لأنه ذكر أنه حضر ذلك بقوله صلى الظهر بالمدينة ، ثم إن ابن عباس لم يذكر حضورا فيها أنها كانت يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة إنما عنى به اليوم الثاني ، فلا تعارض ، وعند النسائي عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم ( صلى الظهر بالبيداء ، ثم ركب وصعد جبل البيداء ، وأهل بالحج والعمرة ) ، ولا تعارض ، فإن البيداء ، وذا الحليفة متصلتان بعضهما مع بعض ، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة ، وهو أول البيداء . قوله : ( وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ) ذلك إشارة إلى المذكور من ركوبه صلى الله عليه وسلم راحلته ، واستوائه على البيداء وإهلاله ، وتقليده بدنته لخمس بقين من ذي القعدة ، وهو بكسر القاف ، وفتحها ، وكذا في ذي الحجة بكسر الحاء ، وفتحها ، والفتح هنا أشهر ، وقال صاحب ( التلويح ) قوله : وذلك لخمس بقين من ذي القعدة يحتمل أنه أراد الخروج ، ويحتمل الإهلال ، فأردنا أن نعرف أيهما أراد فوجدنا عائشة روت في صحيح مسلم ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ) ، وفي الإكليل من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة ، عن سعيد بن محمد بن جبير ، عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم أنه قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر ، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين ) وزعم ابن حزم أنه ( خرج صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارا بعد أن تغدى ، وصلى الظهر بالمدينة ، وصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة ، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وطاف على نسائه ، ثم اغتسل ، ثم صلى بها الصبح ، ثم طيبته عائشة ، ثم أحرم ، ولم يغسل الطيب ، وأهل حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معا ، وذلك قبل الظهر بيسير ، ثم لبى ، ثم نهض ، وصلى الظهر بالبيداء ، ثم تمادى ، واستهل هلال ذي الحجة ) ، قال : ( فإن قلت ) : كيف قال : إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة ، وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج ، ( قلت ) : قد ذكر مسلم أيضا من طريق عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم موافين لهلال ذي الحجة ، فلما اضطربت الرواية عنها رجعنا إلى من لم تضطرب الرواية عنه في ذلك ، وهما عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، فوجدنا ابن عباس ذكر أن اندفاع النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة ، وذكر عمر رضي الله تعالى عنه أن يوم عرفة كان يوم الجمعة في ذلك العام ، فوجب أن استهلال ذي الحجة كان ليلة يوم الخميس ، وأن آخر يوم من ذي القعدة كان يوم الأربعاء ، فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة ، ويزيده وضوحا حديث أنس رضي الله تعالى عنه صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، فلو كان خروجه لخمس بقين لذي القعدة لكان بلا شك يوم الجمعة ، والجمعة لا تصلى أربعا ، فصح أن ذلك كان يوم الخميس ، وعلمنا أن معنى قول عائشة لخمس بقين من ذي القعدة إنما عنت اندفاعه صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة ، فلم تعد المرحلة القريبة ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلا يوم الخميس ، فبطل خروجه يوم الجمعة ، وبطل أن يكون يوم السبت ؛ لأنه كان يكون حينئذ خارجا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة .
وصح أن خروجه كان لست بقين ، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة ، وتألفت الروايات . قوله : ( فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة ) ، قال الواقدي : حدثنا أفلح بن حميد ، عن أبيه ، عن ابن عمر أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس اليوم الثامن من يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة ، ونزل بذي طوى ، فبات ج٤ / ص١٦٩بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة ، وصلى الصبح بها ، ودخل مكة نهارا من أعلاها صبيحة يوم الأحد . قوله : ( ولم يحل ) ، أي : لم يصر حلالا ، إذ لا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله .
قوله : ( الحجون ) بفتح الحاء المهملة ، وضم الجيم على وزن فعول موضع بمكة عند المحصب ، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف ، وهو مقبرة أهل مكة ، وهو من البيت على ميل ونصف . قوله : ( ولم يقرب الكعبة ) لعله منعه الشغل عن ذلك ، وإلا فله أن يتطوع بالطواف ما شاء . قوله : ( وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ) ، يعني : الذين لم يسوقوا الهدي ؛ لأنه قال ذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها أن يطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة .
قوله : ( ثم يقصروا ) بالتشديد ، والتقصير هنا لأجل أن يحلقوا بمنى . قوله : ( ثم يحلوا ) ، وذلك لأنهم كانوا متمتعين ، ولم يكن معهم الهدي ، فلهذا حل لهم النساء ، والطيب ، وسائر المحرمات . قوله : ( وذلك ) إشارة إلى قوله : ثم يحل .
قوله : ( والطيب ) مرفوع على أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، والتقدير : والطيب حلال له . قوله : ( والثياب ) عطف عليه ، أي : والثياب كذلك حلال لهم . ومما يستفاد منه أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا ؛ لأنه جمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة ، وهو صفة القران ، وأنه أفضل من الإفراد ، والتمتع ، وسنحرر البحث في ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى .