10 - بَاب وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ 143 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْخَلَاءَ ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا ، قَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ فَأُخْبِرَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ ) هُوَ بِالْمَدِّ ، وَحَقِيقَتُهُ الْمَكَانُ الْخَالِي ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مَجَازًا . قَوْلُهُ : ( وَرْقَاءُ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِالتَّصْغِيرِ ( ابْنُ أَبِي يَزِيدَ ) مَكِّيٌّ ثِقَةٌ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ : مَاءً لِيَتَوَضَّأَ بِهِ ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاوَلَهُ إِيَّاهُ لِيَسْتَنْجِيَ بِهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : ( فَأُخْبِرَ ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ الْمُخْبِرَةُ بِذَلِكَ ، قَالَ التَّيْمِيُّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُكَافَأَةِ بِالدُّعَاءِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ الدُّعَاءِ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالتَّفَقُّهِ عَلَى وَضْعِهِ الْمَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ بِالْمَاءِ إِلَى الْخَلَاءِ ، أَوْ يَضَعَهُ عَلَى الْبَابِ لِيَتَنَاوَلَهُ مِنْ قُرْبٍ ، أَوْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَرَأَى الثَّانِيَ أَوْفَقَ ; لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَعَرُّضًا لِلِاطِّلَاعِ ، وَالثَّالِثُ يَسْتَدْعِي مَشَقَّةً فِي طَلَبِ الْمَاءِ ، وَالثَّانِي أَسْهَلُهَا ، فَفِعْلُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَكَائِهِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لِيَحْصُلَ بِهِ النَّفْعُ ، وَكَذَا كَانَ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَاقِي مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ · ص 294 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وضع الماء عند الخلاء · ص 273 باب وضع الماء عند الخلاء أي : هذا باب في بيان وضع الماء عند الخلاء ليستعمله المتوضئ بعد خروجه منها وجه المناسبة بين البابين ظاهر ؛ لأن كل ما فيهما مما يستعمل عند الخلاء . 9 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا هاشم بن القاسم قال : حدثنا ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الخلاء فوضعت له وضوءا ، قال : من وضع هذا ؟ فأخبر ، فقال : اللهم فقهه في الدين . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبد الله بن محمد الجعفي المسندي ، مر في باب أمور الإيمان . الثاني : هاشم بن القاسم أبو النضر بالنون والضاد المعجمة التميمي الليثي الكناني الخراساني ، نزل بغداد وتلقب بقيصر ، وهو حافظ ثقة ، صاحب سنة ، كان أهل بغداد يفتخرون به ، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة ، وليس في الكتب الستة هاشم بن القاسم سواه ، وفي ابن ماجه وحده هاشم بن القاسم الحراني شيخه ، ولا ثالث فيهما سواهما . الثالث : ورقاء مؤنث الأورق ابن عمر اليشكري الكوفي أبو بشر ، ويقال : أصله من خوارزم ، سكن المدائن ، قال أبو داود الطيالسي : قال لي شعبة : عليك بورقاء فإنك لن ترى عيناك مثله ، روى عن عبيد الله هذا وغيره ، وعنه الفريابي ويحيى بن آدم صدوق صالح ، قيل مات سنة تسع وستين ومائة ، وليس في الكتب الستة ورقاء غيره . الرابع : عبيد الله بالتصغير ابن أبي يزيد من الزيادة المكي ، مولى آل قارظ بالقاف وبالراء وبالظاء المعجمة ، من حلفاء بني زهرة ، كان ثقة كثير الحديث ، مات سنة ست وعشرين ومائة ، وليس في الكتب الستة عبيد الله بن أبي يزيد غيره ، نعم في النسائي عبيد الله بن يزيد الطائفي روى عن ابن عباس أيضا ، ووقع في رواية الكشميهني عبيد الله بن أبي زائدة ، وهو غلط ، والصحيح : ابن أبي يزيد ، ولا يعرف اسمه . الخامس : عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بغدادي وكوفي ومكي ، ومنها أنه على شرط الستة خلا شيخ البخاري ؛ فإنه من رجاله ورجال الترمذي فقط ، ومنها أن هذا الحديث من الأحاديث التي صرح ابن عباس فيها بالسماع من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في فضائل ابن عباس عن زهير بن حرب وأبي بكر بن أبي النضر كلاهما عن هاشم بن القاسم عن ورقاء عنه به ، وأخرجه النسائي في المناقب عن أبي بكر بن أبي النضر به . ( بيان اللغات ) قوله : « وضوءا » بفتح الواو ، وهو الماء الذي يتوضأ به ، وبالضم المصدر ، وقد مر تحقيقه في أول كتاب الوضوء ، قوله : « فقهه في الدين » من الفقه ، وهو في اللغة الفهم ، تقول فقه الرجل بالكسر ، وفلان لا يفقه ولا يفقه ، ثم خص به علم الشريعة ، والعالم به فقيه ، وقد فقه بالضم فقاهة وفقهه الله وتفقه إذا تعاطى ذلك ، وفاقهته إذا باحثته في العلم . ( بيان الإعراب ) قوله : « دخل الخلاء » جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع ؛ لأنها خبر أن ، قوله : « فوضعت له » جملة معطوفة على الجملة السابقة ، قوله : « وضوءا » نصب بقوله فوضعت ، قوله : « من » استفهامية مبتدأ ، وقوله : « وضع هذا » خبره ، قوله : « فأخبر » على صيغة المجهول ، عطف على ما قبله ، وقد علم أن في عطف الاسمية على الفعلية والعكس أقوالا ، والمفهوم من كلام النحاة جواز ذلك ، كما عرف في موضعه ، قوله : « اللهم » أصله يا الله ، فحذف حرف النداء وعوض عنها الميم ، قوله : « فقهه » جملة من الفعل والفاعل ، وهو أنت ، المستكن فيه ، والمفعول وهو الضمير الراجع إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقوله : « في الدين » يتعلق به . ( بيان المعاني ) قوله : « قال من وضع هذا » أي : قال النبي - عليه الصلاة والسلام - بعد الخروج من الخلاء : من وضع الوضوء ، قوله : « فأخبر » أي : النبي - عليه الصلاة والسلام - وميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس هي المخبرة بذلك ؛ لأن وضع ابن عباس الوضوء للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان في بيتها ، قوله : « اللهم فقهه في الدين » مناسبة دعائه عليه الصلاة والسلام لابن عباس بالتفقه في الدين لأجل وضعه الوضوء له ؛ لكونه تفرس فيه الذكاء والفطنة ، فالمناسبة أن يدعى له بالتفقه في الدين ؛ ليطلع به على أسرار الفقه في الدين فينتفع وينفع ، وذلك لأنه وضعه عند الخلاء ؛ لأنه كان أيسر له عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه لو وضعه في مكان بعيد منه كان يحتاج إلى طلب الماء ، وفيه مشقة ما ، ولو دخل به إليه كان تعرضا للاطلاع على حاله ، وهو يقضي حاجته ، فلما رأى ابن عباس هذه الحالة أوفق وأيسر استدل عليه الصلاة والسلام على غاية ذكائه مع صغر سنه فدعا له بما دعا به . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه جواز خدمة العالم بغير أمره ومراعاته حتى حال دخوله الخلاء . الثاني : فيه استحباب المكافأة بالدعاء . الثالث : قال الداودي : فيه دلالة على أنه ربما لا يستنجي عندما يأتي الخلاء ليكون ذلك سنة ؛ لأنه لم يأمر بوضع الماء ، وقد اتبعه عمر رضي الله عنه بالماء ، فقال : لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة ، وفيه نظر ، وما استشهد به حديث ضعيف . الرابع : قال الخطابي فيه أن حمل الخادم الماء إلى المغتسل غير مكروه ، وأن الأدب فيه أن يليه الأصاغر من الخدم دون الأكابر . الخامس : فيه دليل قاطع على إجابة دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه صار فقيها أي فقيه . السادس : قال ابن بطال : معلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث ، وفيه رد على من ينكر الاستنجاء بالماء ، وقال : إنما ذلك وضوء النساء ، وقال : إنما كان الرجال يتمسحون بالحجارة ، ونقل ابن التين في شرحه عن مالك أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يستنج عمره بالماء ، وهو عجيب منه ، وقد عقد البخاري قريبا بابا للاستنجاء بالماء ، وذكر فيه أنه عليه الصلاة والسلام استنجى على ما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى ، وفي صحيح ابن حبان أيضا من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من غائط قط إلا مس ماء ، وفي جامع الترمذي من حديثها أيضا أنها قالت : مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول ؛ فإنه عليه الصلاة والسلام كان يفعله ، ثم قال : هذا حديث حسن صحيح ، وفي صحيح ابن حبان أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى حاجته ، ثم استنجى من تور . وقال ابن بطال : إن مالكا روى في موطئه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يتوضأ بالماء وضوءا لما تحت الإزار ، قال مالك : يريد الاستنجاء بالماء . وقال الخطابي : في الحديث استحباب الاستنجاء بالماء ، وإن كانت الحجارة مجزئة ، وكره قوم من السلف الاستنجاء بالماء ، وزعم بعض المتأخرين أن الماء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذلك ، وكان بعض القراء يكره الوضوء في مشارع المياه الجارية ، وكان يستحب أن يؤخذ له الماء في ركوة ونحوها ؛ لأنه لم يبلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ على نهر أو مشرع في ماء جار ، قال : وهذا عندي من أجل أنه لم يكن بحضرته المياه الجارية والأنهار ، فأما من كان بين ظهراني مياه جارية فأراد أن يشرع فيها ويتوضأ منها كان له ذلك من غير حرج ، وقال النووي : اختلف في المسألة ، فالذي عليه الجمهور أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر ، فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده ، ثم يستعمل الماء ؛ فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز ، وسواء وجد الآخر أو لم يجده ؛ فإن اقتصر فالماء أفضل من الحجر ؛ لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية ، وأما الحجر فلا يطهر ، وإنما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها ، وذهب بعضهم إلى أن الحجر أفضل ، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزئ ، وقال ابن حبيب المالكي : لا يجزئ الحجر إلا لمن عدم الماء . السابع : استدل به بعضهم على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون المشارع والبرك ، وقال القاضي عياض : هذا لا أصل له ، ولم ينقل أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وجدها فعدل عنها إلى الأواني . والله تعالى أعلم .