1737 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ : كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ . 1738 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي ) هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي الْأُمَوِيُّ . قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ ( حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَنَسَبَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ ، فَقَالَ : إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي : الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَهُوَ الْمُتَرَجِّحُ عِنْدِي لِتَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ ؛ لِأَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ لَا يُحَدِّثُ عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، فَيَقُولُ : حَدَّثَنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) لَمْ يُعَيِّنِ الْمَكَانَ وَلَا الْيَوْمَ ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ بِمِنًى ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، وَفِيهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهِيَ الطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ هُنَا : يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَمَعْمَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ : عَلَى رَاحِلَتِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ مَوْقِفٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى خَطَبَ أَيْ عَلَّمَ النَّاسَ لَا أَنَّهَا مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ الْمَشْرُوعَةِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَوْطِنَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا خَطَبَ ، وَالثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ وَقْتُ الْخُطْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ يُعَلِّمُ الْإِمَامُ فِيهَا النَّاسَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاسِكِهِمْ . وَصَوَّبَ النَّوَوِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِي . فَإِنْ قِيلَ : لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الَّذِي صَوَّبَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثَيْنِ - حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي خَطَبَ فِيهِ مِنَ النَّهَارِ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ بَعْضَ السَّائِلِينَ قَالَ : رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ الْمَسَاءَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَكَأَنَّ السَّائِلَ عَلِمَ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ ضُحًى ، فَلَمَّا أَخَّرَهَا إِلَى بَعْدَ الزَّوَالِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ طَرِيقٌ إِلَّا طَرِيقُ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ عَنْ عِيسَى عَنْهُ ، والِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَغَايَتُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَرُ ، وَاجْتَمَعَ مِنْ مَرْوِيِّهِمْ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَخْطُبُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ تَعَيَّنَ أَنَّهَا الْخُطْبَةُ الَّتِي شُرِعَتْ لِتَعْلِيمِ بَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ خَطَبَ مَجَازًا عَنْ مُجَرَّدِ التَّعْلِيمِ بَلْ حَقِيقَةً ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوفِهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ رَمَاهَا ، فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ أَفَاضَ وَرَجَعَ إِلَى مِنًى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ سَأَلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَسَأُبَيِّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ ضَبْطِ أَسْمَائِهِمْ . قَوْلُهُ : ( لَمْ أَشْعُرْ ) أَيْ لَمْ أَفْطِنْ ، يُقَالُ : شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ شُعُورًا إِذَا فَطِنْتُ لَهُ ، وَقِيلَ : الشُّعُورُ الْعِلْمُ ، وَلَمْ يُفْصِحْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِمُتَعَلَّقِ الشُّعُورِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ يُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُهُ : لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ . وَقَالَ آخَرُ : لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَقَالَ آخَرُ : أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ زِيَادَةُ الْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ أَيْضًا ، فَحَاصِلُ مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو السُّؤَالُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ : الْحَلْقُ قَبْلَ الذَّبْحِ ، وَالْحَلْقُ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَالنَّحْرُ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَالْإِفَاضَةُ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَالْأُولَيَانِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا كَمَا مَضَى ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا السُّؤَالُ عَنِ الْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ السُّؤَالُ عَنِ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ ، وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ السُّؤَالُ عَنِ الرَّمْيِ وَالْإِفَاضَةِ مَعًا قَبْلَ الْحَلْقِ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَضَى وَوَصَلَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ السُّؤَالُ عَنِ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الذَّبْحِ ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ السُّؤَالُ عَنِ السَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ . قَوْلُهُ : ( اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ ) أَيْ : لَا ضِيقَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي : بَابِ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ تَقْرِيرٌ تَرْتِيبُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَظَائِفَ يَوْمِ النَّحْرِ بِالِاتِّفَاقِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ نَحْرُ الْهَدْيِ أَوْ ذَبْحُهُ ، ثُمَّ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ ، ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى فَنَحَرَ ، وَقَالَ لِلْحَالِقِ خُذْ . وَلِأَبِي دَاوُدَ : رَمَى ثُمَّ نَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَطْلُوبِيَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَهْمِ الْمَالِكِيَّ اسْتَثْنَى الْقَارِنَ ، فَقَالَ : لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ ، كَأَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّهُ فِي عَمَلِ الْعُمْرَةِ يَتَأَخَّرُ فِيهَا الْحَلْقُ عَنِ الطَّوَافِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ بِالْإِجْمَاعِ ، وَنَازَعَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . انْتَهَى . وَفِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ إِلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا سَيَأْتِي . قَالَ : وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ ؛ لِقَوْلِهِ لِلسَّائِلِ : لَا حَرَجَ ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا ؛ لِأَنَّ اسْمَ الضِّيقِ يَشْمَلُهُمَا . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى بَعْضٍ ، قَالَ : إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَا حَرَجَ أَيْ لَا إِثْمَ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ، وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ الْمُخَالَفَةَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لَمْ يُسْقِطِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرَجَ إِلَّا وَقَدْ أَجْزَأَ الْفِعْلَ ، إِذْ لَوْ لَمْ يُجْزِئْ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَضَعَانِ عَنِ الْمَرْءِ الْحُكْمَ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ . وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْمِلُ قَوْلَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ فَقَطْ ثُمَّ يَخُصُّ ذَلِكَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ فَلْيَكُنْ فِي الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مَعَ تَعْمِيمِ الشَّارِعِ الْجَمِيعَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ . وَأَمَّا احْتِجَاجُ النَّخَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ قَالَ : فَمَنْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَهْرَاقَ دَمًا عَنْهُ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، فَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِبُلُوغِ مَحِلِّهِ وُصُولُهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ وَقَدْ حَصَلَ ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ مَا أَرَادَ أَنْ لَوْ قَالَ : وَلَا تَحْلِقُوا حَتَّى تَنْحَرُوا . وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا ، قَالَ : وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رَوَى أَنْ لَا حَرَجَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ نَفْيُ الْإِثْمِ فَقَطْ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ بِذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا ضَعْفٌ ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهَا وَفِيهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيَلْزَمُ مَنْ يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُوجِبَ الدَّمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخُصُّهُ بِالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مَنَعَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ تَقْدِيمَ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ حَلْقًا قَبْلَ وُجُودِ التَّحَلُّلَيْنِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ مِثْلُهُ ، وَقَدْ بُنِيَ الْقَوْلَانِ لَهُ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ أَوِ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ نُسُكٌ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ فَلَا ، قَالَ : وَفِي هَذَا الْبِنَاءِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ نُسُكًا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ ، لِأَنَّ النُّسُكَ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ ، وَيَرَى أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الرَّمْيِ مَعَ ذَلِكَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ أَفَاضَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَهْرَاقَ دَمًا . وَقَالَ عِيَاضٌ : اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي تَقْدِيمِ الطَّوَافِ عَلَى الرَّمْيِ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الطَّوَافِ ، فَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى بَلَدِهِ بِلَا إِعَادَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَهَذَا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَكَأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَصَالِحٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَمَا سَمِعْتُهُ سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضٍ أَوْ أَشْبَاهِهَا إِلَّا قَالَ : افْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ . وَاحْتَجَّ بِهِ وَبِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَمْ أَشْعُرْ بِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَخْتَصُّ بِمَنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ لَا بِمَنْ تَعَمَّدَ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي : قَالَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ : إِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : لَمْ أَشْعُرْ . وَأَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِالسَّهْوِ ، كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ السَّعْيِ وَالطَّوَافِ فَإِنَّهُ لَوْ سَعَى قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَجَبَ إِعَادَةُ السَّعْيِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ ، أَيْ : طَوَافِ الرُّكْنِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أُسَامَةَ إِلَّا أَحْمَدُ ، وَعَطَاءٌ ، فَقَالَا : لَوْ لَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَقَدَّمَ السَّعْيَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَجْزَأَهُ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مَا قَالَهُ أَحْمَدُ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُرَخِّصَةُ فِي تَقْدِيمِ مَا وَقَعَ عَنْهُ تَأْخِيرُهُ قَدْ قُرِنَتْ بِقَوْلِ السَّائِلِ : لَمْ أَشْعُرْ ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ ، وَتَبْقَى حَالَةُ الْعَمْدِ عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ فِي الْحَجِّ . وَأَيْضًا فَالْحُكْمُ إِذَا رُتِّبَ عَلَى وَصْفٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا لَمْ يَجُزِ اطِّرَاحُهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ الشُّعُورِ وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ ، وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ فَلَا يُمْكِنُ اطِّرَاحُهُ بِإِلْحَاقِ الْعَمْدِ بِهِ إِذْ لَا يُسَاوِيهِ ، وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الرَّاوِي : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ . . إِلَخْ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا غَيْرُ مُرَاعًى ، فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ مِنَ الرَّاوِي يَتَعَلَّقُ بِمَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ السَّائِلِ ، وَالْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فِي حَالِ الْعَمْدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : اللَّامُ فِي قَوْلِهِ لَهُنَّ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَالَ ، أَيْ : قَالَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ أَيْ قَالَ يَوْمَ النَّحْرِ لِأَجْلِهِنَّ ، أَوْ بِقَوْلِهِ لَا حَرَجَ أَيْ لَا حَرَجَ لِأَجْلِهِنَّ . انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ ، أَيْ : قَالَ عَنْهُنَّ كُلِّهِنَّ . ( تَكْمِيلٌ ) : قَالَ ابْنُ التِّينِ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْحَرَجِ فِي غَيْرِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا ، يَعْنِي : الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ مَا أُبْهِمَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا حَرَّرْنَاهُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ عِدَّةُ صُوَرٍ ، وَبَقِيَتْ عِدَّةُ صُوَرٍ لَمْ تَذْكُرْهَا الرُّوَاةُ ، إِمَّا اخْتِصَارًا وَإِمَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تَقَعْ ، وَبَلَغَتْ بِالتَّقْسِيمِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً ، مِنْهَا صُورَةُ التَّرْتِيبِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ الْقُعُودِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْحَاجَةِ ، وَوُجُوبُ اتِّبَاعِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ الَّذِينَ خَالَفُوهَا لَمَّا عَلِمُوا سَأَلُوهُ عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَفَ النَّبِيُّ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ أَحْمَدَ وَصَلَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الْجَمْرَة · ص 666 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الفتيا على الدابة عند الجمرة · ص 74 318 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن جريج قال : حدثني الزهري عن عيسى بن طلحة ، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه ، حدثه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر ، فقام إليه رجل فقال : كنت أحسب أن كذا قبل كذا ، ثم قام آخر فقال : كنت أحسب أن كذا قبل كذا ، حلقت قبل أن أنحر ، نحرت قبل أن أرمي ، وأشباه ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : افعل ولا حرج لهن كلهن ، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال : افعل ولا حرج . مطابقته الترجمة تؤخذ من قوله : يخطب يوم النحر لأن في رواية صالح بن كيسان ومعمر على راحلته . ( فإن قلت ) : قال الإسماعيلي : إن صالح بن كيسان تفرد بقوله على راحلته . ( قلت ) : ليس كما قال فقد ذكر ذلك يونس عند مسلم ومعمر عند أحمد ، كلاهما عن الزهري ، وقد أشار البخاري إلى ذلك بقوله تابعه معمر عن الزهري أي في قوله : وقف على راحلته . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس . الثاني : أبوه يحيى بن سعيد المذكور . الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . الرابع : محمد بن مسلم الزهري . الخامس : عيسى بن طلحة بن عبيد الله . السادس : عبد الله بن عمرو بن العاص . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه بغدادي وأبوه كوفي ، وابن جريج مكي ، والزهري وعيسى مدنيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره في كتاب العلم في باب الفتيا وهو على ظهر الدابة . ( ذكر معناه ) : قوله : شهد النبي صلى الله عليه وسلم أي حضره . قوله : يخطب يوم النحر جملة فعلية وقعت حالا أي يخطب على راحلته كما صرح به في رواية صالح بن كيسان ومعمر بن راشد . قوله : فقام إليه رجل لم يدر اسمه ، قال شيخنا زين الدين رحمه الله : اختلفت ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو في مكان هذا السؤال ووقفه في الصحيحين وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه وفي رواية للبخاري رأيته عند الجمرة وهو يسأل وفي رواية له وقف على ناقته وعند مسلم أتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة وفي رواية له رأيته على ناقته بمنى وفي رواية له بينما هو يخطب يوم النحر ، وقال الدارقطني في سننه : قال لنا أبو بكر النيسابوري : ما وجدت يخطب إلا في حديث ابن جريج عن الزهري وهو حسن انتهى . وجه الجمع بينها أنه لا اختلاف في المكان فقوله بمنى لا ينافيه قوله : عند الجمرة لأنها أول منى ، وقوله على ناقته مع قوله : يخطب لا منافاة أيضا بينهما إذ قد يكون خطب على راحلته ، وقال الداودي حكاية عن مالك : معنى يخطب أي وقف للناس يعلمهم لا أنها من خطب الحج ، قال شيخنا : ويحتمل أنه كان في خطبة يوم النحر وهي الخطبة الثالثة من خطب الحج . وأما قوله : يوم النحر فهو معارض لرواية البخاري لحديث ابن عباس رميت بعدما أمسيت فهذا يدل على أن السؤال كان بعد المساء إما في الليل أو في اليوم الذي يليه أو ما بعده انتهى . ( قلت ) : لا معارضة لأنا قد ذكرنا أن المساء يطلق على ما يطلق عليه العشي والرواح ، والعشي يطلق على ما بعد الزوال ، وذكر ابن حزم في حجة الوداع أن هذه الأسئلة كانت بعد عوده إلى منى من إفاضة يوم النحر ، وقال المحب الطبري : يحتمل أنها تكررت قبله وبعده وفي الليل والله أعلم ، وقال القاضي عياض : يحتمل أن ذلك في موضعين ، أحدهما وقف على راحلته عند الجمرة ، ولم يقل في هذا الوجه أنه خطب ، وإنما فيه أنه وقف وسئل ، والثاني : بعد صلاة الظهر يوم النحر وقف للخطبة فخطب وهي إحدى خطب الحج المشروعة يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك ، وقال النووي : وهذا الاحتمال هو الصواب . قوله : فقال : كنت أحسب أن كذا قبل كذا أي كنت أظن مثلا أن النحر قبل الرمي وله نظائر أشار إليه بقوله وأشباه ذلك أي من الأشياء التي كان يحسبها على خلاف الأصل ، ووقع ذلك بعبارات مختلفة ، ففي رواية يونس عند مسلم لم أشعر أن الرمي قبل الحلق فنحرت قبل أن أرمي ، وقال آخر : لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر وفي رواية ابن جريج كنت أحسب أن كذا قبل كذا ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم حلقت قبل أن أرمي ، وقال آخر : أفضت إلى البيت قبل أن أرمي وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي ، وأيضا فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء : الحلق قبل الذبح ، والحلق قبل الرمي ، والنحر قبل الرمي ، والإفاضة قبل الرمي . والأولان في حديث ابن عباس أيضا ، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضا السؤال عن الحلق قبل الرمي ، وكذا في حديث جابر ، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معا قبل الحلق ، وفي حديث جابر الذي علقه البخاري فيما مضى السؤال عن الإفاضة قبل الذبح ، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف . قوله : لهن كلهن اللام فيه إما متعلق يقال ، أي قال : لأجل هذه الأفعال كلهن افعل ولا حرج ، أو متعلق بمحذوف نحو قال يوم النحر لهن ، أو متعلق بلا حرج أي لا حرج لأجلهن عليك . قوله : عن شيء أي من الأمور التي هي وظائف يوم النحر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الفتيا على الدابة عند الجمرة · ص 75 319 - حدثنا إسحاق قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب قال : حدثني عيسى بن طلحة بن عبيد الله أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته . فذكر الحديث . هذا طريق ثالث للحديث المذكور عن إسحاق كذا وقع في رواية الأكثرين إسحاق مجردا غير منسوب ، ونسبه أبو علي بن السكن فقال : إسحاق بن منصور ، ووقع في رواية أبي نعيم في المستخرج من مسند إسحاق بن راهويه ، وهذا هو الأقرب لأن أبا نعيم يروي من حديث عبد الله بن محمد بن شيرويه عن إسحاق عن يعقوب ، وابن شيرويه يروي عن إسحاق بن راهويه بسنده ، ولم يعلم له رواية عن إسحاق بن منصور ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري روى عن أبيه إبراهيم بن سعد ، يروي عن صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز ، يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رضي الله تعالى عنهم . وفيه من اللطائف رواية الابن عن الأب ، ورواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم صالح والزهري وعيسى ، قال الواقدي : مات صالح بعد الأربعين والمائة وكان تابعيا رأى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما . قوله : وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ناقته قال ابن عبد البر في وقوف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ناقته مع ما روي عن جابر وغيره دلالة لما استحبه جماعة منهم الشافعي ومالك قالوا : رمى جمرة العقبة راكبا . قال مالك : وفي غير يوم النحر ماشيا ، وعن أبي حنيفة : يرميها كلها ماشيا أو راكبا ، وقال ابن المنذر : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر راكبا ، وقال ابن حزم : يرميها كلها راكبا . ( قلت ) : يرد هذا ما رواه الترمذي مصححا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا ، ويخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ، قال : وقال بعضهم : يركب يوم النحر ، ويمشي في الأيام التي بعد يوم النحر انتهى . وقد أجمع العلماء على جواز الأمرين معا واختلفوا في الأفضل من ذلك ، فذهب أحمد وإسحاق إلى استحباب الرمي ماشيا ، وروى البيهقي بإسناده إلى جابر بن عبد الله أنه كان يكره أن يركب إلى شيء من الجمار إلا من ضرورة ، وذهب مالك إلى استحباب المشي في رمي أيام التشريق ، وأما جمرة العقبة يوم النحر فيرميها على حسب حاله كيف كان ، وقال القاضي عياض : ليس من سنة الرمي الركوب له ولا الترجل ، ولكن يرمي الرجل على هيئته التي يكون حينئذ عليها من ركوب أو مشي ، ولا ينزل إن كان راكبا لرمي ، ولا يركب إن كان ماشيا ، وأما الأيام بعدها فيرمي ماشيا لأن الناس نازلون منازلهم بمنى فيمشون للرمي ولا يركبون لأنه خروج عن التواضع حينئذ ، هذا مذهب مالك انتهى . واختار بعضهم الركوب في اليوم الأول والأخير ، والمشي فيما بينهما ، وروى البيهقي بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح قال : رمي الجمار ركوب يومين ومشي يومين وحمله البيهقي على ركوب اليوم الأول والأخير ، وحكى النووي في شرح مسلم عن الشافعي وموافقيه أنه يستحب لمن وصل منى راكبا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ، ولو رماها ماشيا جاز ، وأما من وصلها ماشيا فيرميها ماشيا ، قال : وهذا في يوم النحر ، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمي فيهما جميعا الجمرات ماشيا ، وفي اليوم الثالث يرمي راكبا انتهى . وقال أصحابنا الحنفية : كل رمي بعده رمي كرمي الجمرتين الأولى والوسطى في الأيام الثلاثة يرمي ماشيا وإن لم يكن بعده رمي كرمي جمرة العقبة والجمرة الأخيرة في الأيام الثلاثة فيرمي راكبا ، هذا هو الفضيلة ، وأما الجواز فثابت كيف ما كان . تابعه معمر عن الزهري أي تابع صالح بن كيسان معمر بن راشد في رواية عن الزهري ، وأخرج مسلم هذه المتابعة عن ابن أبي عمر وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بهذا الإسناد : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته بمنى فجاء رجل . الحديث .