19 - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ 154 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ . وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ فَيَكُونُ مَا عَدَاهُ مُبَاحًا . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَكُونُ مَمْنُوعًا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ . وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِأَنَّ مَظِنَّةَ الْحَاجَةِ لَا تَخْتَصُّ بِحَالَةِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَإِنَّمَا خُصَّ النَّهْيُ بِحَالَةِ الْبَوْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُجَاوِرَ الشَّيْءِ يُعْطَى حُكْمُهُ ، فَلَمَّا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مُنِعَ مَسُّ آلَتِهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ . ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ مَسِّ ذَكَرِهِ : إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِي كُلِّ حَالٍ ، فَخَرَجَتْ حَالَةُ الْبَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ، وَقَدْ يُقَالُ : حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَمَنْ قَالَ بِهِ يَشْتَرِطُ فِيهِ شُرُوطًا ، لَكِنْ نَبَّهَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَتَغَايَرُ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يُعَدُّ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَأَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمَخْرَجُ وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ التَّقْيِيدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةً مِنْ عَدْلٍ فَتُقْبَلُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَتِهِ بِسَمَاعِ يَحْيَى لَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَوْسَطِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَحَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ مَحْذُورِ التَّدْلِيسِ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَأْخُذُونَّ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ وَلِغَيْرِهِ بِدُونِهَا ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا يُمْسِكُ وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ التَّعْبِيرُ بِالْمَسْكِ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ يَحْيَى ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَا يَمَسُّ فَاعْتُرِضَ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّ الْمَسَّ أَعَمُّ مِنَ الْمَسْكِ ، يَعْنِي فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ ؟ وَلَا إِيرَادَ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ . وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَدِ الَّتِي فِيهَا الْخَاتَمُ الْمَنْقُوشُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ لِتَشْرِيفِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَمَا وَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ قَدْ أَنْكَرَهُ حُذَّاقُ أَصْحَابِهِ ، وَقِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ لِكَوْنِ الْيَمِينِ مُعَدَّةً لِلْأَكْلِ بِهَا فَلَوْ تَعَاطَى ذَلِكَ بِهَا لَأَمْكَنَ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ عِنْدَ الْأَكْلِ فَيَتَأَذَّى بِذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ) جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ إِنْ كَانَتْ لَا نَافِيَةً ، وَإِنْ كَانَتْ نَاهِيَةً فَمَعْطُوفَةٌ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ مُقَيَّدًا بِهِ ; لِأَنَّ التَّنَفُّسَ لَا يَتَعَلَّقُ بِحَالَةِ الْبَوْلِ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِهَا هُنَا أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ التَّأَسِّي بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانَ إِذَا بَالَ تَوَضَّأَ ، وَثَبَتَ أَنَّهُ شَرِبَ فَضْلَ وَضُوئِهِ ، فَالْمُؤْمِنُ بِصَدَدِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ، فَعَلَّمَهُ أَدَبَ الشُّرْبِ مُطْلَقًا لِاسْتِحْضَارِهِ ، وَالتَّنَفُّسُ فِي الْإِنَاءِ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ الشُّرْبِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهُ . وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَتَنَفَّسْ أَحَدُكُمْ فِي الْإِنَاءِ إِذَا كَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ · ص 306 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال · ص 296 باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال أي : هذا باب فيه بيان حكم مس الذكر باليمين وقت البول ، وباب منون غير مضاف ، ووجه المناسبة بين البابين ظاهر ، وقال بعضهم : أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين ، كما في الباب الذي قبله محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما عداه مباحا . قلت : هذا كلام فيه خباط ؛ لأن الحاصل من معنى الحديثين واحد ، وكلاهما مقيد ، أما الأول : فلأن إتيان الخلاء في قوله : « إذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه » كناية عن التبول ، والمعنى إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه والجزاء قيد الشرط ، وأما الثاني : فهو صريح بالقيد ، وكلاهما واحد في الحقيقة ، فكيف يقول هذا القائل أن ذلك المطلق محمول على المقيد والمفهوم منهما جميعا النهي عن مس الذكر باليمين عند البول ، فلا يدل على منعه عند غير البول ، ولا سيما جاء في الحديث ما يدل على الإباحة ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لطلق بن علي حين سأله عن مس الذكر : إنما هو بضعة منك ، فهذا يدل على الجواز في كل حال ، ولكن خرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح ، وما عدا ذلك فقد بقي على الإباحة فافهم . فإن قلت : فما فائدة تخصيص النهي بحالة البول . قلت : ما قرب من الشيء يأخذ حكمه ، ولما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسما للمادة . فإن قلت : إذا كان الأمر على ما ذكرت من الرد على القائل المذكور فما فائدة ترجمة البخاري بالحديث في بابين ، ولم يكتف بباب واحد ؟ قلت : فائدته من وجوه ؛ الأول : التنبيه على اختلاف الإسناد ، الثاني : التنبيه على الاختلاف الواقع في لفظ المتن ؛ فإن في السند الأول إذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ، وفي الإسناد الثاني إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يخفى التفاوت الذي بين إذا أتى الخلاء وبين إذا بال وبين فلا يمس ذكره وفلا يأخذن ذكره أيضا ، ففي الحديث الأول : ولا يتمسح بيمينه ، وفي هذا الحديث : ولا يستنجي بيمينه ، وهذا يفسر ذاك فافهم ، الثالث : أنه عقد الباب الأول على الحكم الثالث من الحديث ، وهو كراهة الاستنجاء باليمين ، وعقد هذا الباب على الحكم الأول ، وهو كراهة مس الذكر عند البول ، ومن أبين الدلائل على هذا الوجه أنه عقد بابا آخر في الأشربة على الحكم الأول ، وهو كراهة التنفس في الإناء . 20 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ، ولا يستنجي بيمينه ، ولا يتنفس في الإناء . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه » . فإن قلت : كان ينبغي أن يقال : باب لا يأخذ ذكره بيمينه إذا بال للتطابق . قلت : أشار البخاري بذلك إلى دقيقة تخفى على كثير من الناس ، وهي أن في رواية همام عن يحيى بن كثير عن عبد الله فلا يمسكن ذكره بيمينه ، وكذا أخرجه مسلم من هذه الرواية بهذا اللفظ ، والبخاري أخرجه هاهنا من رواية الأوزاعي عن يحيى باللفظ المذكور ، فذكر في الترجمة اللفظ الذي أخرجه مسلم من رواية همام ، وفي الحديث اللفظ الذي رواه الأوزاعي عن يحيى ، وقال بعضهم : ووقع في رواية الإسماعيلي : لا يمس ، فاعترض على ترجمة البخاري بأن المس أعم من المسك ، يعني فكيف يستدل بالأعم على الأخص . قلت : ليت شعري ما وجه هذا الاعتراض ، وهذا كلام واه ، ولو أعم إذ ليس في حديث البخاري لفظ المس ، فكيف يعترض عليه ؛ فإنه ترجم بالمسك ، والمس أعم من المسك ، وهذا كلام فيه خباط . ( بيان رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا كلهم ، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ، إمام أهل الشام . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين شامي وبصري ومدني ، ومنها أنهم أئمة أجلاء . ( ذكر بقية الكلام ) . قوله : « فلا يأخذن » جواب الشرط ، وهو بنون التأكيد في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بدون النون ، قوله : « ولا يستنجي بيمينه » أعم من أن يكون بالقبل أو بالدبر ، وبه يرد على من يقول في الحديث السابق لفظ لا يتمسح بيمينه مختص بالدبر ، قوله : « ولا يتنفس » يجوز فيه الوجهان أحدهما : أن تكون لا فيه نافية فحينئذ تضم السين ، والآخر : أن تكون ناهية ، فحينئذ تجزم السين . فإن قلت : هذه الجملة عطف على ماذا ؟ قلت : عطف على الجملة المركبة من الشرط والجزاء مجموعا ، ولهذا غير الأسلوب حيث لم يذكر بالنون ، ولا يجوز أن يكون معطوفا على الجزاء ؛ لأنه مقيد بالشرط ، فيكون المعنى : إذا بال أحدكم فلا يتنفس في الإناء ، وهو غير صحيح ؛ لأن النهي مطلق ، وذهب السكاكي إلى أن الجملة الجزائية جملة خبرية مقيدة بالشرط ، فيحتمل على مذهبه أن تكون عطفا على الجزائية ، ولا يلزم من كون المعطوف عليه مقيدا بقيد أن يكون المعطوف مقيدا به على ما هو عليه أكثر النحاة .