145 - بَاب إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ 1757 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاضَتْ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ قَالُوا : إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ ، قَالَ : فَلَا إِذًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ ) أَيْ : هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ أَوْ يَسْقُطُ ، وَإِذَا وَجَبَ هَلْ يُجْبَرُ بِدَمٍ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِلَفْظِ : بَابُ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ : لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ الَّتِي قَدْ أَفَاضَتْ طَوَافُ وَدَاعٍ . وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمْ أَمَرُوهَا بِالْمُقَامِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَكَأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهُ عَلَيْهَا كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ إِذْ لَوْ حَاضَتْ قَبْلَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهَا . ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : طَافَتِ امْرَأَةٌ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ حَاضَتْ ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِحَبْسِهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ يَنْفِرَ النَّاسُ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ رُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ ، وَبَقِيَ عُمَرُ فَخَالَفْنَاهُ لِثُبُوتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ . يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ أَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : كَانَ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ : إِذَا أَفَاضَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ فَقَدْ فَرَغَتْ ، إِلَّا عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : يَكُونُ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ ، وَقَدْ وَافَقَ عُمَرَ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُهُ ، فَرَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ - مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ عُمَرَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ تَحِيضُ ، قَالَ : لِيَكُنْ آخَرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ ، فَقَالَ الْحَارِثُ : كَذَلِكَ أَفْتَانِي - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ هَكَذَا حَدَّثَنِي - رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَبِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ الْحَارِثِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ . قَوْلُهُ : ( حَاضَتْ ) أَيْ : بَعْدَ أَنْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي : بَابِ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ . قَوْلُهُ : ( فَذُكِرَ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الذَّالِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الَّتِي ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَحَابِسَتُنَا ) أَيْ : مَانِعَتُنَا مِنَ التَّوَجُّهِ مِنْ مَكَّةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَرَدْنَا التَّوَجُّهَ فِيهِ ، ظَنًّا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مَا طَافَتْ طَوَافَ إِفَاضَةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُهَا وَيَتَوَجَّهُ ، وَلَا يَأْمُرُهَا بِالتَّوَجُّهِ مَعَهُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى إِحْرَامِهَا ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُقِيمَ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ وَتَحِلَّ الْحِلَّ الثَّانِيَ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا ) سَيَأْتِي فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ أَنَّ صَفِيَّةَ هِيَ الَّتِي قَالَتْ : بَلَى ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ الَّتِي مَضَتْ فِي بَابِ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ : حَجَجْنَا فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا حَائِضٌ . الْحَدِيثَ ، وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ عَلِمَ أَنَّهَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ، فَكَيْفَ يَقُولُ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمَ فَكَيْفَ يُرِيدُ وِقَاعَهَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي ؟ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، فَأَذِنَ لَهُنَّ ، فَكَانَ بَانِيًا عَلَى أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ إِنَّهَا حَائِضٌ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى مَنَعَهَا مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَتْهُ عَائِشَةُ أَنَّهَا طَافَتْ مَعَهُنَّ فَزَالَ عَنْهُ مَا خَشِيَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُنَّ : لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا ، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ ؟ قَالُوا : بَلَى . وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّةَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي آخِرِ الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَلَا إِذًا ) أَيْ : فَلَا حَبْسَ عَلَيْنَا حِينَئِذٍ ، أَيْ : إِذَا أَفَاضَتْ فَلَا مَانِعَ لَنَا مِنَ التَّوَجُّهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا قَدْ فَعَلَتْهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَت · ص 685 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت · ص 96 باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت أي هذا باب يذكر فيه المرأة إذا حاضت بعد ما أفاضت يعني بعد ما طافت طواف الإفاضة الذي هو ركن ، وجواب إذا محذوف تقديره هل يجب عليها طواف الوداع أم يسقط عنها بسبب الحيض ، وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا . 337 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحابستنا هي ؟ قالوا : إنها قد أفاضت ، قال : فلا إذا . مطابقته للترجمة في قوله : أنها أفاضت قال فلا إذا وجه ذلك أن حاصل المعنى أن طواف الوداع ساقط عن الحائض لأنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن صفية أنها حاضت قال : أحابستنا هي ، فلما أخبر أنها قد أفاضت من قبل أن تحيض ، قال : فلا إذا أي فلا تحبسنا حينئذ لأنها أدت الفرض الذي هو ركن الحج ، وهذا قول عوام أهل العلم ، وخالف في ذلك طائفة فقالوا : لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الوداع ، ولم يعذروا في ذلك حائضا بحيضها ، ذكره الطحاوي ، وقال ابن المنذر : روي ذلك عن عمر ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، فإنهم أمروا الحائض بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع ، فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة ، وأسند ابن المنذر عن عمر رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح إلى نافع ، عن ابن عمر قال : طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر ، وتطوف بالبيت . ثم قال : وقد ثبت رجوع ابن عمر ، وزيد بن ثابت عن ذلك ، وبقي عمر ، فخالفناه لثبوت حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، وأشار بذلك إلى أحاديث هذا الباب ، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد : كان الصحابة يقولون : إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت ، إلا عمر رضي الله تعالى عنه فإنه كان يقول : آخر عهدها بالبيت ، وقد وافق عمر على رواية ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره ، فروى أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والطحاوي ، واللفظ لأبي داود من طريق الوليد بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي ، فقال : أتيت عمر رضي الله تعالى عنه فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض ، قال : ليكن آخر عهدها بالبيت ، فقال الحارث : كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : أربت عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكيما أخالفه ، ورواه الترمذي أيضا ، ولفظه : خررت عن يديك ، ومعنى أربت عن يديك سقطت أرابك ، وهو جمع أرب ، وهو العضو ، ومعنى خررت سقطت ، وأجاب الطحاوي عن هذا الحديث بأنه نسخ بحديث عائشة المذكور ، وبحديث ابن عباس ، رواه الطحاوي فقال : حدثنا يونس قال : حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض ، وأخرجه مسلم أيضا . ( فإن قلت ) : روى الطحاوي أيضا عن ابن عباس فقال : حدثنا يونس قال : حدثنا سفيان عن سليمان ، وهو ابن أبي مسلم الأحول عن طاوس عن ابن عباس قال : كان الناس ينفرون من كل وجه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت ، وهذه الرواية لا تدل على سقوط طواف الوداع عن أحد . ( قلت ) : هذا مطلق ، والأول مقيد ، فيحمل المطلق على المقيد . قوله : حاضت أي بعد أن أفاضت يوم النحر . قوله : فذكرت أي عائشة ، وروي فذكر على صيغة المجهول . قوله : أحابستنا الهمزة فيه للاستفهام أي أمانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنا منه صلى الله عليه وسلم أنها ما طافت طواف الإفاضة . قوله : إنها أفاضت أي طافت طواف الإفاضة . قوله : قال فلا إذا أي قال صلى الله عليه وسلم : أي فلا حبس علينا حينئذ .