5 - بَاب الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا 1783 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ ، فَقَالَ لَنَا : مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ . قَالَتْ : فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ارْفُضِي عُمْرَتَكِ ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ . فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا ) الْحَصْبَةُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنُ الضَّرْبَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا لَيْلَةُ الْمَبِيتِ بِالْمُحَصَّبِ . وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى التَّحْصِيبِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْحَجِّ ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِقْهُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحَاجَّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ إِذَا تَمَّ حَجُّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَلَيْلَةُ الْحَصْبَةِ هِيَ لَيْلَةُ النَّفْرِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهَا آخِرُ أَيَّامِ الرَّمْيِ . وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْعُمْرَةِ أَيَّامَ الْحَجِّ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سُئِلَ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَائِشَةُ عَنِ الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ : هِيَ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ . وَقَالَ عَلِيٌّ نَحْوَهُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : الْعُمْرَةُ عَلَى قَدْرِ النَّفَقَةِ انْتَهَى . وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِقَصْدِ الْعُمْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ بَابٍ ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَهُوَ ابْنُ سَلَامٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا · ص 708 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب العمرة ليلة الحصبة وغيرها · ص 118 باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها أي هذا باب في مشروعية العمرة ليلة الحصبة بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الباء الموحدة ، وهي الليلة التي تلي ليلة النفر الأخير ، والمراد بها ليلة المبيت بالمحصب . قوله : وغيرها أي وغير ليلة الحصبة ، وأشار بذلك إلى أن الحاج إذا تم حجه بعد انقضاء أيام التشريق يجوز له أن يعتمر ، واختلف السلف في العمرة في أيام الحج ، فروى عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال : سئل عمر ، وعلي ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم عن العمرة ليلة الحصبة ، فقال عمر : هي خير من لا شيء ، وقال علي : من مثقال ذرة ونحوه ، وقالت عائشة : العمرة على قدر النفقة . انتهى . كأنها أشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحل ، وذلك أنه يحتاج إلى نفقة كثيرة في خروجه من بلده إلى مكة لأجل العمرة بخلاف حالة خروجه من مكة إلى الحل ، وعن عائشة أيضا : لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلي من أن أعتمر بالعمرة التي اعتمرت من التنعيم ، وقال طاوس فيمن اعتمر بعد الحج : لا أدري أيعذبون عليها أم يؤجرون ، وقال عطاء بن السائب : اعتمرنا بعد الحج فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير ، وأجاز ذلك آخرون ، وروى ابن عيينة عن الوليد بن هشام قال : سألت أم الدرداء عن العمرة بعد الحج فأمرتني بها ، وسئل عطاء عن عمرة التنعيم قال : هي تامة وتجزيه ، وقال القاسم بن محمد : عمرة المحرم تامة ، وقد روى مثل هذا المعنى قال : تمت العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة ، والنحر ، وأيام التشريق للحاج وغيره ، وقال أبو حنيفة : العمرة جائزة السنة كلها إلا يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق . ( قلت ) : فذهب أصحابنا أن العمرة تجوز في جميع السنة إلا أنها تكره في الأيام المذكورة ، وقال الشافعي وأحمد : لا تكره في وقت ما ، وعند مالك : تكره في أشهر الحج . 360 - حدثنا محمد بن سلام قال : أخبرنا أبو معاوية قال : حدثنا هشام ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة ، فقال لنا : من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل ، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل بعمرة ، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة ، قالت : فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وكنت ممن أهل بعمرة فأظلني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ارفضي عمرتك ، وانقضي رأسك وامتشطي ، وأهلي بالحج ، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم ، فأهللت بعمرة مكان عمرتي . مطابقته للترجمة في قوله : فلما كان ليلة الحصبة إلى آخره ، وهذا الحديث قد مر غير مرة ، وذكره في كتاب الحيض في ثلاثة أبواب ، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير البصري ، وهشام هو ابن عروة ، وأبو عروة ابن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه . قوله : موافين أي مكملين ذا القعدة مستقبلين لهلال ذي الحجة ، قال الجوهري : يقال : وافى فلان إذا أتى ، ويقال : وفي إذا تم ، وقد سبق الكلام فيه هناك مستوفى ، وعند الترجمة أيضا ، ومن حديث الباب استحب مالك للحاج أن يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق ، لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان وعد عائشة بالعمرة ، وقال لها : كوني في حجك عسى الله أن يرزقكها ، ولو استحب لها العمرة في أيام التشريق لأمرها بالعمرة فيها ، وبه قال الشافعي ، وإنما كرهت العمرة فيها للحاج خاصة لئلا يدخل عملا على عمل لأنه لم يكمل عمل الحج بعد ، ومن أحرم بالحج فلا يحرم بالعمرة ، لأنه لا تضاف العمرة إلى الحج عند مالك وطائفة من العلماء ، وأما من ليس بحاج فلا يمنع من ذلك . ( فإن قلت ) : قد روى أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في هذا الباب وكنت ممن أهل بعمرة وروى مثله يحيى القطان عن هشام في الباب بعد هذا ، وهذا بخلاف ما تقدم عن عائشة أنها أهلت بالحج . ( قلت ) : أحاديث عائشة قد أشكلت على الأئمة قديما ، فمنهم من جعل الاضطراب فيها من قبلها ، ومنهم من جعله من قبل الرواة عنها ، وقد مر الكلام فيه فيما مضى غير مرة .