2 - بَاب الْإِحْصَارِ فِي الْحَجِّ 1810 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمٌ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا ، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ : ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِحْصَارِ فِي الْحَجِّ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْعُمْرَةِ ، فَقَاسَ الْعُلَمَاءُ الْحَجَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَقْيِسَةِ . قُلْتُ : وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ قِيَاسُ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْإِحْصَارُ وَهُوَ حَاجٌّ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ لَهُ فِي الِاعْتِمَارِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْإِحْصَارُ عَنِ الْعُمْرَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَبِمَا بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ حَاجٌّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، وَقَدْ عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنْ قَالَ : وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، نَحْوَهُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، فَكَأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ يُونُسَ ، وَتَارَةً عَنْ مَعْمَرٍ ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُعَلَّقٍ كَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَلَفْظُهُ : أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ وَيَقُولُ : أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ وَغَيْرِهِ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَحْمَدُ عَنْهُ عَنْ مَعْمَرٍ مُقْتَصِرًا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِتَمَامِهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَمَّا إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ الِاشْتِرَاطَ فَثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَيْضًا ، إِلَّا أَنَّهُ حُذِفَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ ، فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ السَّرَّاجِ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، وَأَشَارَ ابْنُ عُمَرَ بِإِنْكَارِ الِاشْتِرَاطِ إِلَى مَا كَانَ يُفْتِي بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَوْ بَلَغَ ابْنَ عُمَرَ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ لَقَالَ بِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : أَمَا تُرِيدِينَ الْحَجَّ ؟ فَقَالَتْ : إِنِّي شَاكِيَةٌ . فَقَالَ لَهَا : حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ لَمْ أَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَوْصُولًا بِذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ ، وَقَالَ : وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَهُوَ ثِقَةٌ . قَالَ : وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو أُسَامَةَ ، وَمَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ . ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ . قُلْتُ : وَطَرِيقُ أَبِي أُسَامَةَ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَلَمْ يُخْرِجْهَا فِي الْحَجِّ ، بَلْ حَذَفَ مِنْهُ ذِكْرَ الِاشْتِرَاطِ أَصْلًا إِثْبَاتًا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَنَفْيًا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْبَيْهَقِيُّ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَالزُّهْرِيِّ فَرَّقَهُمَا ، كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَلِقِصَّةِ ضُبَاعَةَ شَوَاهِدُ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِّبِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ - أَيْ : فِي الضَّعْفِ - ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي . قَالَ : فَأَدْرَكَتْ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ . قُلْتُ : وَعَنْ ضُبَاعَةَ نَفْسِهَا ، وَعَنْ سُعْدَى بِنْتِ عَوْفٍ وَأَسَانِيدُهَا كُلُّهَا قَوِيَّةٌ . وَصَحَّ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاطِ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَمَّارٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يَصِحَّ إِنْكَارُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ ، عَنِ الْأَصِيلِيِّ قَالَ : لَا يَثْبُتُ فِي الِاشْتِرَاطِ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَسْنَدَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مَعْمَرٍ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، انْتَهَى . وَقَوْلُ النَّسَائِيِّ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَضْعِيفُ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا مَعْمَرٌ فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ الطُّرُقُ ؛ لِأَنَّ مَعْمَرًا ثِقَةٌ حَافِظٌ فَلَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ ، كَيْفَ وَقَدْ وُجِدَ لِمَا رَوَاهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ ) قَالَ عِيَاضٌ : ضَبَطْنَاهُ سُنَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ ، أَيْ : تَمَسَّكُوا وَشَبَهُهُ . وَخَبَرُ حَسْبُكُمْ فِي قَوْلِهِ : طَافَ بِالْبَيْتِ وَيَصِحُّ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ سُنَّةً خَبَرُ حَسْبُكُمْ ، أَوِ الْفَاعِلُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ فِيهِ ، وَيَكُونُ مَا بَعْدَهَا تَفْسِيرًا لِلسُّنَّةِ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : مَنْ نَصَبَ سُنَّةً فَإِنَّهُ بِإِضْمَارِ الْأَمْرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : الْزَمُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْبَحْثَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( طَافَ بِالْبَيْتِ ) أَيْ : إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : إِنْ حَبَسَ أَحَدًا مِنْكُمْ حَابِسٌ عَنِ الْبَيْتِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ طَافَ بِهِ ، الْحَدِيثَ . وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنَ الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا مَشْرُوعِيَّتُهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهِ ، فَقِيلَ : وَاجِبٌ ؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ . وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ . وَقِيلَ : مُسْتَحَبٌّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَغَلِطَ مَنْ حَكَى عَنْهُ إِنْكَارَهُ ، وَقِيلَ : جَائِزٌ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ . وَالْحَقُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهِ فِي الْجَدِيدِ فَصَارَ الصَّحِيحُ عَنْهُ الْقَوْلُ بِهِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهَا عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى تِلْكَ الْأَحَادِيثِ . وَالَّذِينَ أَنْكَرُوا مَشْرُوعِيَّةَ الِاشْتِرَاطِ أَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ بِأَجْوِبَةٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُ خَاصٌّ بِضُبَاعَةَ ، حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي الْمَوْتُ إِذَا أَدْرَكَتْنِي الْوَفَاةُ انْقَطَعَ إِحْرَامِي . حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَالَ : إِنَّهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ . وَقِيلَ : إِنَّ الشَّرْطَ خَاصٌّ بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَا مِنَ الْحَجِّ . حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ . وَقِصَّةُ ضُبَاعَةَ تَرُدُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ سِيَاقِ مُسْلِمٍ . وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ حَزْمٍ فِي التَّعَقُّبِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الِاشْتِرَاطَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِحْصَارِ فِي الْحَجِّ · ص 11 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإحصار في الحج · ص 145 ( باب الإحصار في الحج ) أي هذا باب في بيان حكم الإحصار في الحج قيل : أشار البخاري إلى أن الإحصار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقع في العمرة ، فقاس العلماء الحج على ذلك ، وهو من الإلحاق بنفي الفارق ، وهو من أقوى الأقيسة . قلت : لما بين في الباب السابق الإحصار في العمرة بين عقيبه الإحصار في الحج ، وذكر في كل منهما حديثا فلا حاجة إلى إثبات حكم الإحصار في الحج بالقياس . 386 - ( حدثنا أحمد بن محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يونس عن الزهري قال : أخبرني سالم قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( إن حبس أحدكم عن الحج ) ، والحبس عن الحج هو الإحصار فيه ، وأحمد بن محمد بن موسى أبو العباس يقال له مردويه السمسار المروزي ، وهو من أفراد البخاري ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد ، والزهري محمد بن مسلم ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . والحديث أخرجه النسائي عن أحمد عن عمرو ابن السرح ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن وهب ؛ قوله ( أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي أليس يكفيكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن معنى الحسب الكفاية ، ومنه حسبنا الله أي كافينا ، وحسبكم مرفوع لأنه اسم ليس ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام إضافي منصوب على أنه خبر ليس ، وقال عياض : ضبطنا سنة بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل ، أي : تمسكوا ، وشبهه ، وقال السهيلي : من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنه قال : الزموا سنة نبيكم ، وقال بعضهم : خبر حسبكم في قوله ( طاف بالبيت ) . قلت : ليس كذلك بل خبر ليس على وجه نصب سنة على قول عياض والسهيلي . قوله ( طاف بالبيت ) ، وهو أيضا سد مسد جواب الشرط ، وقال الكرماني : فإن قلت : إذا كان محصرا فكيف يطوف بالبيت ؟ قلت : المراد من قوله ( إن حبس ) الحبس عن الوقوف بعرفة ، قلت: لا حاجة إلى هذا التقدير لأن معنى ( طاف بالبيت ) أي إذا أمكنه ذلك ، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق : " إن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه طاف به " . قوله ( وبالصفا والمروة ) أي : طاف بهما ، أي سعى بين الصفا والمروة ؛ قوله ( فيهدي ) أي يذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق ، وإن لم يجد الهدي يصوم بدله بعدد أمداد الطعام الذي يحصل من قيمته . قلت : هكذا ذكره الكرماني ، وهو مذهب الشافعي ومن تابعه ، فإن عنده حكم المكي والغريب سواء في الإحصار ، فيطوف ويسعى ويحل ، ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر ، وأوجبها مالك على المحصر المكي ، وعلى من أنشأ من مكة ، وعند أبي حنيفة لا يكون محصرا من بلغ مكة ؛ لأن المحصر عنده من منع الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي ، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال من موضعه ، وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج يحل بعمرة وعليه الحج من قابل ، ولا هدي عليه لأن الهدي لجبر ما أدخله على نفسه ، ومن حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصا ، وقال الزهري : إذا أحصر المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة وإن تعسر بعشي ، وفي حديث ابن عمر رد عليه لأن المحصر لو وقف بعرفة لم يكن محصرا ، ألا يرى قول ابن عمر : " طاف بالبيت وبين الصفا والمروة " ، ولم يذكر الوقوف بعرفة . ( وعن عبد الله قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : حدثني سالم عن ابن عمر نحوه ) . عبد الله هو ابن المبارك ، وأشار به إلى أن عبد الله بن المبارك حدث به تارة عن يونس عن الزهري ، وتارة عن معمر عنه ، فإن قلت : قوله ( وعن عبد الله ) معطوف على ماذا ؟ قلت : قيل : إنه معطوف على الإسناد الأول ، وليس هو بمعلق كما ادعاه بعضهم . قلت : كأنه أراد بالبعض المحب الطبري . وقد أخرج الترمذي فقال : حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرني معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : يريد به عدم الاشتراط كما هو مبين عند النسائي من رواية معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أما حسبكم سنة نبيكم ، إنه لم يشترط ، وهكذا رواه الدارقطني من هذا الوجه بلفظ : " أما حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه لم يشترط " . فإن قلت : روى مسلم من رواية رباح بن أبي معروف عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس " أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لضباعة : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني " ، ورواه الأربعة أيضا ، فرواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام ، وأخرجه النسائي من رواية ثبت بن يزيد الأحول عن هلال بن خباب ، ورواه الترمذي عن زياد بن أيوب البغدادي : حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس " أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أريد الحج أفأشترط ؟ قال : نعم ، قالت : كيف أقول ؟ قال : قولي : لبيك اللهم لبيك ، محلي من الأرض حيث تحبسني " . وأخرجه أيضا مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن طاوس وعكرمة ، كلاهما عن ابن عباس " أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة ثقيلة ، فإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال : أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني " ، ولما رواه الترمذي قال : وفي الباب عن جابر وأسماء بنت أبي بكر وعائشة رضي الله تعالى عنهم . قلت : أما حديث جابر فرواه البيهقي من رواية هشام الدستوائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : " حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني " ، وأما حديث أسماء ، فرواه ابن ماجه على الشك من رواية عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير عن جدته قال : لا أدري أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت عبد المطلب فقال : ما يمنعك يا عمتاه من الحج ؟ فقالت : أنا امرأة سقيمة ، وأنا أخاف الحبس ، قال : فأحرمي واشترطي أن محلك حيث حبست " ، وهكذا أخرجه أحمد في مسنده ، والطبراني عن جدته لم يسمها . وأما حديث عائشة فمتفق عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى . وحديث ضباعة له طرق ، منها : ما رواه ابن خزيمة من طريق البيهقي من رواية يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن ضباعة بنت الزبير قالت : " قلت : يا رسول الله إني أريد الحج فكيف أهل بالحج ؟ قال : قولي : اللهم إني أهل بالحج إن أذنت لي به وأعنتني عليه ويسرته لي ، وإن حبستني فعمرة ، وإن حبستني عنهما فمحلي حيث حبستني " ، وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، وهي ابنة عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ووقع عند ابن ماجه ضباعة بنت عبد المطلب ، وذلك نسبة إلى جدها ، ووقع في الوسيط للغزالي عند ذكر هذا الحديث أنها ضباعة الأسلمية ، وهو غلط ، وإنما هي هاشمية . وقد ضعف بعض لمالكية أحاديث الاشتراط في الحج ، فحكى القاضي عياض عن الأصيلي قال : لا يثبت عندي في الاشتراط إسناد صحيح قال : قال النسائي : لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : وما قاله الأصيلي غلط فاحش ، فقد ثبت وصح من حديث عائشة وابن عباس وغيرهما على ما مر . واختلفوا في مشروعية الاشتراط فقيل : واجب لظاهر الأمر ، وهو قول الظاهرية ، وقيل : مستحب ، وهو قول أحمد ، وغلط من حكى الإنكار عنه ، وقيل : جائز ، وهو المشهور عند الشافعية ، وقطع به الشيخ أبو حامد ، ولما روى الترمذي حديث ضباعة بنت الزبير قال : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون الاشتراط في الحج ، ويقولون : إن اشترط لغرض له كمرض أو عذر فله أن يحل ويخرج من إحرامه ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقيل : هو قول جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، قال به عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وعائشة ، وأم سلمة ، وجماعة من التابعين ، وذهب بعض التابعين ، ومالك ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يصح الاشتراط ، وحملوا الحديث على أنه قضية عين ، وأن ذلك مخصوص بضباعة ، وقال الترمذي : ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج ، وقالوا : إن اشترط فليس له أن يخرج من إحرامه فيرونه كمن لم يشترط . قلت : حكى الخطابي ثم الروياني من الشافعية الخصوص بضباعة ، وحكى إمام الحرمين أن معناه : محلي حيث حبسني الموت ، أي : إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي ؛ وقال النووي : إنه ظاهر الفساد ، ولم يبين وجهه ، والله أعلم .