5 - بَاب لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلَالُ 1824 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ ، فَقَالَ : خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا ، وَقَالُوا : أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا ، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا ، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ، ثُمَّ قُلْنَا : أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا . قَالَ : أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلَالُ ) أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ : فَاتَّفَقُوا - كَمَا تَقَدَّمَ - عَلَى تَحْرِيمِ الْإِشَارَةِ إِلَى الصَّيْدِ لِيُصْطَادَ ، وَعَلَى سَائِرِ وُجُوهِ الدَّلَالَاتِ عَلَى الْمُحْرِمِ ، لَكِنْ قَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الِاصْطِيَادُ بِدُونِهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا دَلَّ الْحَلَالُ عَلَى الصَّيْدِ بِإِشَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : يَضْمَنُ الْمُحْرِمُ ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ دَلَّ الْحَلَالُ حَلَالًا عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ . قَالُوا : وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ إِنَّمَا وَقَعَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ هَلْ يَحِلُّ لَهُمْ أَكْلُهُ أَوْ لَا ؟ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْجَزَاءِ . وَاحْتَجَّ الْمُوَفَّقُ بِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي ثُبُوتِهِ عَنْ عَلِيٍّ نَظَرٌ ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ بِاخْتِيَارِهِ مَعَ انْفِصَالِ الدَّالِّ عَنْهُ ، فَصَارَ كَمَنْ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا عَلَى امْرَأَةٍ فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالدَّلَالَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَمَوْهَبٌ جَدُّهُ ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ ، مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ أَكْبَرَ مِنْهُ قَلِيلًا . قَوْلُهُ : ( خَرَجَ حَاجًّا ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : هَذَا غَلَطٌ ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي عُمْرَةٍ ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ ، وَكَانَ كُلُّهُمْ عَلَى الْجَادَّةِ لَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ . وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ أَرَادَ : خَرَجَ مُحْرِمًا ، فَعَبَّرَ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ غَلَطًا . قُلْتُ : لَا غَلَطَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمَجَازِ السَّائِغِ . وَأَيْضًا فَالْحَجُّ فِي الْأَصْلِ قَصْدُ الْبَيْتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ قَاصِدًا لِلْبَيْتِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْعُمْرَةِ : الْحَجُّ الْأَصْغَرُ . ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ : خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ ، وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ بِالرَّفْعِ ، وَوَقَعَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي التَّوْضِيحِ : حَقُّ الْمُسْتَثْنَى بِإِلَّا مِنْ كَلَامٍ تَامٍّ مُوجَبٍ أَنْ يُنْصَبَ مُفْرَدًا كَانَ أَوْ مُكَمَّلًا مَعْنَاهُ بِمَا بَعْدَهُ ، فَالْمُفْرَدُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ وَالْمُكَمَّلُ نَحْوَ : إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ وَلَا يَعْرِفُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ فِي هَذَا النَّوْعِ إِلَّا النَّصْبَ ، وَقَدْ أَغْفَلُوا وُرُودَهُ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ مَعَ ثُبُوتِ الْخَبَرِ وَمَعَ حَذْفِهِ ، فَمِنْ أَمْثِلَةِ الثَّابِتِ الْخَبَرِ قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ : أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَـ إِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُبْتَدَأٌ وَ لَمْ يُحْرِمْ خَبَرُهُ ، وَنَظِيرُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ امْرَأَتَكَ بَدَلًا مِنْ أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسِرْ مَعَهُمْ فَيَتَضَمَّنُهَا ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِينَ . وَتَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَسِرْ بِهَا لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِالْعَذَابِ فَتَبِعَتْهُمْ ثُمَّ الْتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ . قَالَ : وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يُوجِبُ دُخُولَهَا فِي الْمُخَاطَبِينَ ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَحْذُوفِ الْخَبَرِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ أَيْ : لَكِنِ الْمُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي لَا يُعَافَوْنَ ، وَمِنْهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ تَعَالَى : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ أَيْ : لَكِنْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ لَمْ يَشْرَبُوا . قَالَ : وَلِلْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الثَّانِي مَذْهَبٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلُوا إِلَّا حَرْفَ عَطْفٍ ، وَمَا بَعْدَهَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، ا هـ . وَفِي نِسْبَةِ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ لِابْنِ أَبِي قَتَادَةَ دُونَ أَبِي قَتَادَةَ نَظَرٌ ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ : قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ ، حَيْثُ قَالَ : إِنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - إِلَى أَنْ قَالَ - أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ . وَقَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ : فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى جَعْلِهِ مِنْ قَوْلِ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا . وَمِنْ تَوْجِيهِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ : عَلِيُّ بْنُ أَبُو طَالِبٍ . قَوْلُهُ : ( فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا ) فِي هَذَا السِّيَاقِ زِيَادَةٌ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى إِفْرَادِ الْحِمَارِ بِالرُّؤْيَةِ ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحُمُرِ ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ أَتَانًا ، أَيْ : أُنْثَى ، فَعَلَى هَذَا فِي إِطْلَاقِ الْحِمَارِ عَلَيْهَا تَجَوُّزٌ . قَوْلُهُ : ( فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ : فَرُحْنَا وَخَبَّأْتُ الْعَضُدَ مَعِي وَفِيهِ : مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ ، فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا وَلَهُ فِي الْجِهَادِ قَالَ : مَعَنَا رِجْلُهُ ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ قَدْ رَفَعْنَا لَكَ الذِّرَاعَ ، فَأَكَلَ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا . ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ ؟ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ : هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ أَوِ اصْطَدْتُمْ ؟ وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : أَشَرْتُمْ أَوِ اصْطَدْتُمْ أَوْ قَتَلْتُمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا ) صِيغَةُ الْأَمْرِ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لَا لِلْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنِ الْجَوَازِ لَا عَنِ الْوُجُوبِ ، فَوَقَعَتِ الصِّيغَةُ عَلَى مُقْتَضَى السُّؤَالِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا ، وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَتَيْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ كَمَا تَرَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ غَيْرُهُ ، وَوَافَقَهُ صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ : كُلُوا وَأَطْعِمُونِي وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَفْسِهِ إِلَّا الْمُطَّلِبُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ إِسْحَاقَ ، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ بْنِ تَمِيمٍ ، وَسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَتَفَرَّدَ مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِزِيَادَةٍ مُضَادَّةٍ لِرِوَايَتَيْ أَبِي حَازِمٍ كَمَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُلْتُ : إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوهُ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ . قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْجَوْزَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعْمَرٌ . قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَحْفُوظَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِنْ لَحْمِ ذَلِكَ الْحِمَارِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ اصْطَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ امْتَنَعَ ، ا هـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَقَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ أَبُو قَتَادَةَ بِأَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، فَإِنَّ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَأَمَّا إِذَا أُتِيَ بِلَحْمٍ لَا يَدْرِي أَلَحْمُ صَيْدٍ أَوْ لَا فَحَمَلَهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى الْآكِلِ . وَعِنْدِي بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ وَقْفَةٌ ، فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الَّذِي تَأَخَّرَ هُوَ الْعَضُدُ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا ، أَيْ : لَمْ يُبْقِ مِنْهَا إِلَّا الْعَظْمَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْهِبَةِ : حَتَّى نَفِدَهَا أَيْ : فَرَّغَهَا ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَبْقَى مِنْهَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِأَكْلِهِ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ الْآتِيَةَ فِي الصَّيْدِ : أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : كُلُوا ؛ فَهُوَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ فَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا غَيْرُ الْعَضُدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي حُكْمِ مَا يَصِيدُهُ الْحَلَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحْرِمِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ تَمَنِّي الْمُحْرِمِ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْحَلَالِ الصَّيْدُ لِيَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي إِحْرَامِهِ ، وَأَنَّ الْحَلَالَ إِذَا صَادَ لِنَفْسِهِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ صَيْدِهِ ، وَهَذَا يُقَوِّي مِنْ حَمْلِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ عَلَى الِاصْطِيَادِ ، وَفِيهِ الِاسْتِيهَابُ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنَ الصَّدِيقِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : عِنْدِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبَ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ أَكَلَ مِنْهُ ؛ بَيَانًا لِلْجَوَازِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ ، وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْفَرَسِ ، وَأَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ بِهِ الْحِمَارَ فَتَرْجَمَ لَهُ فِي الْجِهَادِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : قَالُوا : تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ لِمَا لَا يَعْقِلُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ وَلَا يُجِيبُ إِذَا نُودِيَ ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ رُبَّمَا أَدْمَنَ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ يَصِيرُ يُمَيِّزُ اسْمَهُ إِذَا دُعِيَ بِهِ . وَفِيهِ إِمْسَاكُ نَصِيبِ الرَّفِيقِ الْغَائِبِ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ احْتِرَامُهُ أَوْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ ظُهُورُ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا . وَفِيهِ تَفْرِيقُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَاسْتِعْمَالُ الطَّلِيعَةِ فِي الْغَزْوِ ، وَتَبْلِيغُ السَّلَامِ عَنْ قُرْبٍ وَعَنْ بُعْدٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ رَدِّ السَّلَامِ مِمَّنْ بَلَغَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَنْفِيهِ . وَفِيهِ أَنَّ عَقْرَ الصَّيْدِ ذَكَاتُهُ ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هُوَ اجْتِهَادٌ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي حَضْرَتِهِ . وَفِيهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ تَضَادَّ الْمُجْتَهِدَانِ ، وَلَا يُعَابُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ : فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَكَأَنَّ الْآكِلَ تَمَسَّكَ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَالْمُمْتَنِعَ نَظَرَ إِلَى الْأَمْرِ الطَّارِئِ . وَفِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ ، وَرَكْضُ الْفَرَسِ فِي الِاصْطِيَادِ ، وَالتَّصَيُّدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْوَعِرَةِ ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِالْفَارِسِ ، وَحَمْلُ الزَّادِ فِي السَّفَرِ ، وَالرِّفْقُ بِالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّيْرِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الضَّحِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِشَارَةِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَحِلُّ . وَفِيهِ جَوَازُ سَوْقِ الْفَرَسِ لِلْحَاجَةِ وَالرِّفْقُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ : وَأَسِيرُ شَأْوًا وَنُزُولُ الْمُسَافِرِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ . ( تَكْمِلَةٌ ) لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ إِلَّا إِنْ صَالَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا فَيَجُوزُ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلَالُ · ص 35 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال · ص 172 ( باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال ) أي هذا باب يذكر فيه لا يشير إلى آخره ، واللام في قوله ( لكي ) للتعليل ، ولفظة كي بمنزلة أن المصدرية معنى وعملا ، والدليل عليه صحة حلول أن محلها ، وأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل ، فافهم . 399 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو عوانة قال : حدثنا عثمان هو ابن موهب قال : أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه ، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال : خذوا ساحل البحر حتى نلتقي ، فأخذوا ساحل البحر ، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش ، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا ، فنزلوا فأكلوا من لحمها ، وقالوا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم ، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة ، فعقر منها أتانا ، فنزلنا فأكلنا من لحمها ، ثم قلنا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ؟ فحملنا ما بقي من لحمها ، قال : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا : لا ، قال : فكلوا ما بقي من لحمها ) . مطابقته للترجمة في قوله ( أو أشار إليها ) ، والمفهوم منه أن إشارة المحرم للحلال إلى الصيد ليصطاده لا تجوز فلو أشار له ، وقتل صيدا لا يجوز للمحرم أن يأكل منه ، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف ، وموسى بن إسماعيل هو المنقري التبوذكي ، وأبو عوانة بالفتح هو الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وعثمان هو ابن عبد الله بن وهب بفتح الميم والهاء الأعرج الطلحي ، وقد مر في أول الزكاة ، وقال الكرماني : وفي بعض الرواية بدل عثمان غسان ، وهو خطأ قطعا . قلت : هو من الكاتب فإنه طمس الميم فصار عثمان غسانا ، وعثمان هذا تابعي ثقة روى هنا عن تابعي . قوله ( خرج حاجا ) قال الإسماعيلي : هذا غلط ، فإن القصة كانت في عمرة ، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير ، وكانوا كلهم على الجادة لا على ساحل البحر ، ولعل الراوي أراد خرج محرما فعبر عن الإحرام بالحج غلطا ، وقال بعضهم : لا غلط في ذلك بل هو من المجاز السائغ ، وأيضا فالحج في الأصل قصد البيت ، فكأنه قال : خرج قاصدا للبيت ، ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر . قلت : لا نسلم أنه من المجاز ، فإن المجاز لا بد له من علاقة ، وما العلاقة هاهنا ، وكون معنى الحج في الأصل قصدا لا يكون علاقة لجواز ذكر الحج ، وإرادة العمرة فإن كل فعل مطلقا لا بد فيه من معنى القصد ، ثم أيد هذا القائل كلامه بما رواه البيهقي من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ : " خرج حاجا أو معتمرا " ، انتهى ، وأبو عوانة شك ، وبالشك لا يثبت ما ادعاه من المجاز على أن يحيى بن أبي كثير الذي هو أحد رواة حديث أبي قتادة قد جزم بأن ذلك كان في عمرة الحديبية . قوله ( فيهم أبو قتادة ) من باب التجريد ، وكذا قوله ( إلا أبو قتادة ) ؛ لأن مقتضى الكلام أن يقال : وأنا فيهم ، وإلا أنا ، ولا ينبغي أن يجعل هذا من قول ابن أبي قتادة لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلا ؛ قوله ( إلا أبو قتادة ) هكذا هو بالرفع عند الأكثرين ، وعند الكشميهني " إلا أبا قتادة " بالنصب ، وكذا وقع عند مسلم بالنصب ، وقال ابن مالك حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب أن ينصب مفردا كان أو مكملا معناه بما بعده ، فالمفرد نحو قوله تعالى : الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ والمكمل نحو : إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب ، وقد أغفلوا وروده مرفوعا مع ثبوت الخبر ومع حذفه ، فمن أمثلة الثابت الخبر قول ابن أبي قتادة : " أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم " فـ "إلا" بمعنى لكن ، وأبو قتادة مبتدأ ، ولم يحرم خبره ، ونظيره من كتاب الله تعالى : وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ فإنه لا يصح أن يجعل "امرأتك" بدلا من "أحد" ؛ لأنها لم تسر معهم فيتضمنها ضمير المخاطبين ، وتكلف بعضهم بأنه وإن لم يسر بها لكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت ، قال : وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين ، ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله صلى الله عليه وسلم : " كل أمتي معافى إلا المجاهرون " أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون ، ومنه من كتاب الله تعالى : مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ أي لكن قليل منهم لم يشربوا قال : وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر ، وهو أن يجعلوا "إلا" حرف عطف ، وما بعدها معطوفا على ما قبلها ، انتهى ، وقال الكرماني : أو هو ، أي الرفع ، على مذهب من جوز أن يقال : علي بن أبو طالب . قوله ( حمر وحش ) الحمر بضمتين جمع حمار ؛ قوله ( أتانا ) هذا بين أن المراد بالحمار في سائر الروايات الأنثى منه ؛ قوله ( فحملنا ما بقي من لحم الأتان ) ، وفي رواية أبي حازم في باب الهبة سيأتي : " فرحنا وخبأت العضد معي " ، وفيه : " معكم منه شيء ؟ فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها " ، وللبخاري أيضا في الجهاد سيأتي : " معنا رجله ، فأخذ فأكلها " ، وفي رواية المطلب : " قد رفعنا لك الذراع ، فأكل منها " ؛ قوله ( منكم أحد أمره ) ، أي : أمنكم أحد أمره ؟ أي أمر أبا قتادة ، ويروى " أمنكم " بإظهار همزة الاستفهام ، وفي رواية مسلم : " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء " ، ولمسلم في روايته من طريق شعبة عن عثمان : " هل أشرتم أو أعنتم أو اضطررتم " ، وفي رواية أبي عوانة من هذا الوجه : " هل أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم " ؛ قوله ( فكلوا ) قد ذكرنا أن الأمر للإباحة لا للوجوب ، ولم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكل من لحمها ، وذكره في روايتي أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه ، ولم يذكر ذلك من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره ، ووافقه صالح بن حسان عند أحمد ، وأبي داود الطيالسي ، وأبي عوانة ، ولفظه : " فقال : كلوا وأطعموا " . فإن قلت : روى إسحاق ، وابن خزيمة ، والدارقطني من رواية معمر عن يحيى بن أبي كثير هذا الحديث ، وقال في آخره : " فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت : إنما اصطدته لك فأمر أصحابه فأكلوه ، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدت له " ، فهذه الرواية تضاد روايتي أبي حازم . قلت : قال ابن خزيمة ، وأبو بكر النيسابوري ، والدارقطني ، والجوزقي تفرد بهذه الزيادة معمر ، فإن كانت هذه الزيادة محفوظة تحمل على أنه صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده لأجله ، فلما أعلمه بذلك امتنع . فإن قلت : الروايات متظاهرة بأن الذي تأخر من الحمار هو العضد ، وأنه صلى الله عليه وسلم أكلها حتى تعرقها أي لم يبق منها إلا العظم ، ووقع للبخاري أيضا في الهبة ستأتي " حتى نفدها " أي فرغها ، فأي شيء بقي منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بالأكل . قلت : في رواية أبي محمد في الصيد ستأتي : " أبقي معكم شيء ؟ قلت : نعم ، فقال : كلوا ، فهو طعمة أطعمكموها الله " ، وهذا يشعر بأنه بقي منها شيء غير العضد . وفيه من الفوائد تفريق الإمام أصحابه للمصلحة ، واستعمال الطليعة في الغزو ، وفيه جواز صيد الحمار الوحشي وجواز أكله . وفيه جواز أكل المحرم من لحم الصيد الذي اصطاده الحلال إذا لم يدل عليه ، ولم يشر إليه ولم يعن صائده . وفيه أن عقر الصيد ذكاته . وفيه جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن العربي : هو اجتهاد بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته . وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان ، ولا يعاب واحد منهما على ذلك .