26 - بَاب حَجِّ النِّسَاءِ 1860 - وقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَذِنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا ، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ ) أَيْ : هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَجِّ الرِّجَالِ أَوْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ . الأول : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَذِنَ عُمَرُ ) أَيِ : ابْنُ الْخَطَّابِ ( لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا ، وَجَعَلَ مُغَلْطَايْ تَنْظِيرَ الْحُمَيْدِيِّ رَاجِعًا إِلَى نِسْبَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ مُرَادُ الْبَرْقَانِيِّ ، بِإِبْرَاهِيمَ جَدِّ إِبْرَاهِيمَ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، فَظَنَّ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ عَيْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . وَقَوْلُهُ : وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ : ابْنُ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ ، وَقَوْلُهُ : أَذِنَ عُمَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عُمَرَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ، وَإِدْرَاكُهُ لِذَلِكَ مُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّ عُمُرَهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ ، يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي عُمَرُ لَكِنَّ الْوَاقِدَيَّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ الْمَكِّيِّ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَزْرَقِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ حَفِظَ أَصْلَ الْقِصَّةِ وَحَمَلَ تَفَاصِيلَهَا عَنْ أَبِيهِ ، فَلَا تَتَخَالَفُ الرِّوَايَتَانِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي اقْتِصَارِ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا . قَوْلُهُ : ( وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ) زَادَ عَبْدَانُ : عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ عُثْمَانُ يُنَادِي : أَلَا لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْهُنَّ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ ، وَهُنَّ فِي الْهَوَادِجِ عَلَى الْإِبِلِ ، فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْبِ فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِنَّ أَحَدٌ ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعُثْمَانُ بِذَنَبِ الشِّعْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ فَكَانَ عُثْمَانُ يَسِيرُ أَمَامَهُنَّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : وَعَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةُ الْخُضْرُ فِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَجْنَ فِي هَوَادِجَ عَلَيْهَا الطَّيَالِسَةُ زَمَنَ الْمُغِيرَةِ أَيِ : ابْنُ شُعْبَةُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَنَ وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لَمُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ قَبْلَهَا . وَلِابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلْنَ بِقُدَيْدٍ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ عُثْمَانَ فِي الْحَجِّ فَقَالَ : أَنَا أَحُجُّ بِكُنَّ ، فَحَجَّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَبَ كَانَتْ مَاتَتْ ، وَإِلَّا سَوْدَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَكُنَّ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْجُجْنَ ، إِلَّا سَوْدَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَا : لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ . وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ لِقَصْدِ ذَمِّ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فِي خُرُوجِهَا إِلَى الْعِرَاقِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي قِصَّةِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَالْعُذْرُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ تِلْكَ الْحَجَّةِ ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَكَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَازُ فَأَذِنَ لَهُنَّ ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ فِي عَصْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ : مَنَعَ عُمَرُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَنَعَنَا عُمَرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ عَامٍ فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ . ( تَكْمِلَةٌ ) : رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَجَجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ عُمَرُ مِنَ الْحَصْبَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ وَقَالَ : أَيْنَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ وَأَنَا أَسْمَعُ : هَذَا كَانَ مَنْزِلَهُ . فَأَنَاخَ فِي مَنْزِلِ عُمَرَ ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى : عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ الْأَبْيَاتَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لَهُمْ : اعْلَمُوا لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ . فَذَهَبُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : إِنِّي لِأَحْسَبُهُ مِنَ الْجِنِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَجِّ النِّسَاءِ · ص 86 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حج النساء · ص 219 ( باب حج النساء ) أي : هذا باب في بيان صفة حج النساء هل هي مثل حج الرجال أم تغايره في شيء ؟ . وقال لي أحمد بن محمد : حدثنا إبراهيم ، عن أبيه ، عن جده قال : أذن عمر - رضي الله عنه - لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر حجة حجها ، فبعث معهن عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن - رضي الله عنهما - . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حج النساء ، ولكن فيه زيادة على حج الرجال ، وهو الاحتياج إلى إذن من يتولى أمرهن في خروجهن على ما يأتي إن شاء الله تعالى في حديث أبي سعيد ، وهو قوله : " أربع سمعتهن من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – " الحديث ، وفيه : " لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم " ، وفي الحديث المذكور : " ما خرجت أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - إلى الحج إلا بعد إذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لهن ، وأرسل معهن من يكون في خدمتهن " ، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - متوقفا في ذلك أولا ، ثم ظهر له الجواز ، فأذن لهن ، وتبعه على ذلك جماعة من غير نكير ، وروى ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال : منع عمر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج والعمرة ، وروى أيضا من طريق أم درة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا ، وهذا موافق لحديث الباب ، ويدل على أن عمر كان يمنع أولا ثم أذن . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أحمد بن محمد بن الوليد أبو محمد الأزرقي ، ويقال : الزرقي المكي ، وهو من أفراد البخاري . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القرشي المدني . الثالث : أبوه سعد بن إبراهيم . الرابع : جده إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، والضمير في جده يرجع إلى إبراهيم لا إلى الأب ، قاله الكرماني ، وقال الحميدي في الجمع بين الصحيحين : قال البرقاني إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف قال : وفي هذا نظر ، قال صاحب التلويح : الذي قاله الحميدي له وجه ، ولقول البرقاني وجه ، أما قول البرقاني فيحمل على جد إبراهيم الأول ، وإنكار الحميدي صحيح كأنه قال : كيف يكون إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن نفسه يروي عنه شيخ البخاري ، وقال بعضهم : ظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عمر - رضي الله تعالى عنه - ومن ذكر معه ، وإدراكه كذلك ممكن ؛ لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين ، وقد أثبت سماعه من عمر يعقوب بن شيبة . ( قلت ) : يقال : إنه ولد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهد الدار مع عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - ، ودخل على عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وهو صغير ، وسمع منه ، وروى ابن سعد هذا الحديث عن الواقدي ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، "عن عبد الرحمن بن عوف قال : أرسلني عمر - رضي الله تعالى عنه – " وقيل : الواقدي لا يحتج به . ( قلت ) : ما للواقدي وهو إمام في هذا الفن ، وهو أحد مشايخ الشافعي . قوله : " وقال لي أحمد " : أي قال البخاري قال لي أحمد : وهذا أسنده البيهقي عن الحكم ، أنبأنا الحسن بن حليم المروزي ، حدثنا أبو الموجه أنبأنا عبدان ، أنبأنا إبراهيم ، يعني ابن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، أن عمر - رضي الله تعالى عنه - أذن لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج ، فبعث معهن عثمان ، وعبد الرحمن- رضي الله تعالى عنهما - فنادى الناس عثمان ألا لا يدنو منهن أحد ، ولا ينظر إليهن إلا مد البصر وهن في الهوادج على الإبل ، وأنزلهن صدر الشعب ، ونزل عثمان وعبد الرحمن بن عوف بذنبه فلم يقعد إليهن أحد ، قال : رواه يعني البخاري في الصحيح عن أحمد بن محمد ، عن إبراهيم بن سعد مختصرا : " أذن في خروجهن للحج " : أي في سفرهن لأجل الحج ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) عثمان وعبد الرحمن لم يكونا محرمين لهن فكيف أجاز لهن ، وفي الحديث : " لا تسافر المرأة ليس معها زوجها أو ذو محرم " ؟ . ( قلت ) : النسوة الثقات يقمن مقام المحرم ، أو الرجال كلهم محارم لهن ؛ لأنهن أمهات المؤمنين ، وكيف لا وحد المحرم صادق عليها . وقال النووي : المحرم من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها ، واحترز بقيد التأبيد عن أخت المرأة ، وبسبب مباح عن أم الموطوءة بشبهة ، وبقوله : لحرمتها عن الملاعنة ؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها ، بل عقوبة وتغليظا . وقال الشافعي : لا يشترط المحرم ، بل يشترط الأمن على نفسها حتى إذا كانت آمنة مطمئنة فلها أن تسير وحدها في جملة القافلة ، ولعله نظر إلى العلة ، فعمم الحكم ، انتهى كلام الكرماني . ( قلت ) : قوله : النسوة الثقات يقمن مقام المحرم مصادمة للحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد : " لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم " على ما يأتي عن قريب ، ولحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم مرفوعا : " لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثا إلا ومعها ذو محرم منها " قوله : أو الرجال كلهم محارم لهن ؛ لأنهن أمهات المؤمنين ، هذا جواب أبي حنيفة لحكام الرازي فإنه قال : سألت أبا حنيفة - رضي الله تعالى عنه - هل تسافر المرأة بغير محرم ، فقال : لا ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها زوجها أو ذو محرم ، منها قال حكام : فسألت العرزمي ، فقال : لا بأس بذلك ، حدثني عطاء أن عائشة كانت تسافر بلا محرم ، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بذلك ، فقال أبو حنيفة : لم يدر العرزمي ما روى ، كان الناس لعائشة محرما ، فمع أيهم سافرت فقد سافرت بمحرم ، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك ، ولقد أحسن أبو حنيفة في جوابه هذا ؛ لأن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهن أمهات المؤمنين ، وهم محارم لهن ؛ لأن المحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم القيامة ، والعرزمي هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان الراوي الكوفي فيه مقال ، فقال النسائي : ليس بثقة ، وعن أحمد ليس بشيء ، لا يكتب حديثه ، نزل جبانة عرزم بالكوفة فنسب إليها ، وعرزم بتقديم الراء على الزاي . قوله : وقال الشافعي إلى آخره كذلك مصادمة للأحاديث الصحيحة ؛ لأن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل قطعا على اشتراط المحرم ، والذي يقول : لا يشترط خلاف ما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله : بل يشترط الأمن على نفسها دعوى بلا دليل ، فأي دليل دل على هذا في هذا الباب ، واشتراط الأمن على النفس ليس بمخصوص في حق المرأة خاصة ، بل في حق الرجال والنساء كلهم ، قوله : ولعله نظر إلى آخره من كلام الكرماني ، حمله على هذا أريحية العصبية ، فإنه لو أنصف لرجع إلى الصواب .