بَاب حَجِّ النِّسَاءِ
بَاب حَجِّ النِّسَاءِ 1860 - وقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَذِنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا ، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ ) أَيْ : هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَجِّ الرِّجَالِ أَوْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ . الأول : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَذِنَ عُمَرُ ) أَيِ : ابْنُ الْخَطَّابِ ( لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا ، وَجَعَلَ مُغَلْطَايْ تَنْظِيرَ الْحُمَيْدِيِّ رَاجِعًا إِلَى نِسْبَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ مُرَادُ الْبَرْقَانِيِّ ، بِإِبْرَاهِيمَ جَدِّ إِبْرَاهِيمَ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، فَظَنَّ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ عَيْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .
وَقَوْلُهُ : وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ : ابْنُ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ ، وَقَوْلُهُ : أَذِنَ عُمَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عُمَرَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ، وَإِدْرَاكُهُ لِذَلِكَ مُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّ عُمُرَهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ ، يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي عُمَرُ لَكِنَّ الْوَاقِدَيَّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ الْمَكِّيِّ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَزْرَقِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ حَفِظَ أَصْلَ الْقِصَّةِ وَحَمَلَ تَفَاصِيلَهَا عَنْ أَبِيهِ ، فَلَا تَتَخَالَفُ الرِّوَايَتَانِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي اقْتِصَارِ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا . قَوْلُهُ : ( وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ) زَادَ عَبْدَانُ : عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ عُثْمَانُ يُنَادِي : أَلَا لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْهُنَّ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ ، وَهُنَّ فِي الْهَوَادِجِ عَلَى الْإِبِلِ ، فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْبِ فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِنَّ أَحَدٌ ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعُثْمَانُ بِذَنَبِ الشِّعْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ فَكَانَ عُثْمَانُ يَسِيرُ أَمَامَهُنَّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : وَعَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةُ الْخُضْرُ فِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَجْنَ فِي هَوَادِجَ عَلَيْهَا الطَّيَالِسَةُ زَمَنَ الْمُغِيرَةِ أَيِ : ابْنُ شُعْبَةُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَنَ وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لَمُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ قَبْلَهَا . وَلِابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلْنَ بِقُدَيْدٍ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ عُثْمَانَ فِي الْحَجِّ فَقَالَ : أَنَا أَحُجُّ بِكُنَّ ، فَحَجَّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَبَ كَانَتْ مَاتَتْ ، وَإِلَّا سَوْدَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَكُنَّ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْجُجْنَ ، إِلَّا سَوْدَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَا : لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ .
وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ لِقَصْدِ ذَمِّ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فِي خُرُوجِهَا إِلَى الْعِرَاقِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي قِصَّةِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَالْعُذْرُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ تِلْكَ الْحَجَّةِ ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَكَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَازُ فَأَذِنَ لَهُنَّ ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ فِي عَصْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ : مَنَعَ عُمَرُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَنَعَنَا عُمَرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ عَامٍ فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ .
( تَكْمِلَةٌ ) : رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَجَجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ عُمَرُ مِنَ الْحَصْبَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ وَقَالَ : أَيْنَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ وَأَنَا أَسْمَعُ : هَذَا كَانَ مَنْزِلَهُ . فَأَنَاخَ فِي مَنْزِلِ عُمَرَ ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى : عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ الْأَبْيَاتَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لَهُمْ : اعْلَمُوا لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ .
فَذَهَبُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : إِنِّي لِأَحْسَبُهُ مِنَ الْجِنِّ .