حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب حَجِّ النِّسَاءِ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ ؟ فَقَالَ : لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ ) فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ .

قَوْلُهُ : ( أَلَا نَغْزُو أَوْ نُجَاهِدُ ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ مُسَدَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كَامِلٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ شَيْخِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ : أَلَا نَغْزُو مَعَكُمْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : لَيْسَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَإِنَّ الْغَزْوَ الْقَصْدُ إِلَى الْقِتَالِ ، وَالْجِهَادَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي الْقِتَالِ . قَالَ : أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ ا هـ . وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْأَلِفَ تَتَعَلَّقُ بِـ نَغْزُو ، فَشَرَحَ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْغَزْوِ بِالْوَاوِ ، أَوْ جَعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ .

وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ : أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ مِثْلُهُ وَزَادَ فَإِنَّا نَجِدُ الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ حَبِيبٍ لَوْ جَاهَدْنَا مَعَكَ . قَالَ : لَا جِهَادَ ، وَلَكِنْ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ : نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنَ الرُّوَاةِ فَيَقْوَى أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ . قَوْلُهُ : ( لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَوْجِيهِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ وَهَلْ هُوَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ ، أَوْ بِلَفْظِ خِطَابِ النِّسْوَةِ .

قَوْلُهُ : ( الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : حَجُّ الْبَيْتِ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ بِلَفْظِ : اسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : يَكْفِيكُنَّ الْحَجُّ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ حَبِيبٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ : نَعَمْ ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يُنَقِّصُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْجَمَلِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ السَّفَرِ عَلَيْهِنَّ . قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ جِهَادًا غَيْرَ الْحَجِّ ، وَالْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْهُ ا هـ .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : لَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِنَّ : أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ أَيْ : لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِنَّ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى ، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ فِي الْحَجِّ إِبَاحَةَ تَكْرِيرِهِ لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِيرُ الْجِهَادِ ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ قَوْلِهِ : هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَكَأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّةُ دَلِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخَرِ خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ يَحُجُّ بِهِنَّ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا . وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُنَّ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّهْيِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ وُجُوبُ الْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرِّجَالِ ، لَا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ .

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ . وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث