1861 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ ؟ فَقَالَ : لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ ) فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ . قَوْلُهُ : ( أَلَا نَغْزُو أَوْ نُجَاهِدُ ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ مُسَدَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كَامِلٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ شَيْخِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ : أَلَا نَغْزُو مَعَكُمْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : لَيْسَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَإِنَّ الْغَزْوَ الْقَصْدُ إِلَى الْقِتَالِ ، وَالْجِهَادَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي الْقِتَالِ . قَالَ : أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ ا هـ . وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْأَلِفَ تَتَعَلَّقُ بِـ نَغْزُو ، فَشَرَحَ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْغَزْوِ بِالْوَاوِ ، أَوْ جَعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ : أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ مِثْلُهُ وَزَادَ فَإِنَّا نَجِدُ الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ حَبِيبٍ لَوْ جَاهَدْنَا مَعَكَ . قَالَ : لَا جِهَادَ ، وَلَكِنْ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ : نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنَ الرُّوَاةِ فَيَقْوَى أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ . قَوْلُهُ : ( لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَوْجِيهِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ وَهَلْ هُوَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ ، أَوْ بِلَفْظِ خِطَابِ النِّسْوَةِ . قَوْلُهُ : ( الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : حَجُّ الْبَيْتِ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ بِلَفْظِ : اسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : يَكْفِيكُنَّ الْحَجُّ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ حَبِيبٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ : نَعَمْ ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يُنَقِّصُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْجَمَلِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ السَّفَرِ عَلَيْهِنَّ . قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ جِهَادًا غَيْرَ الْحَجِّ ، وَالْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْهُ ا هـ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : لَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِنَّ : أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ أَيْ : لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِنَّ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى ، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ فِي الْحَجِّ إِبَاحَةَ تَكْرِيرِهِ لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِيرُ الْجِهَادِ ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ قَوْلِهِ : هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَكَأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّةُ دَلِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخَرِ خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ يَحُجُّ بِهِنَّ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا . وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُنَّ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّهْيِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ وُجُوبُ الْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرِّجَالِ ، لَا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ . وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَجِّ النِّسَاءِ · ص 88 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حج النساء · ص 220 432 - حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال : حدثتنا عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت قلت : يا رسول الله ، ألا نغزو أو نجاهد معكم ؟ فقال : لكن أحسن الجهاد وأجمله : الحج حج مبرور ، فقالت عائشة : فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد تقدم عن عائشة مثله في أوائل الحج في باب فضل الحج المبرور ، أخرجه عن عبد الرحمن بن المبارك ، عن خالد ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - وهنا أخرجه عن مسدد ، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري . قوله : ألا نغزو ألا كلمة تستعمل في مثل هذا الموضع للعرض والتحضيض ، ويجوز أن تكون للتمني ؛ لأنه من جملة مواضعها التي تستعمل فيها قوله : أو نجاهد شك من الراوي ، قيل : هو مسدد شيخ البخاري ، وقد رواه أبو كامل ، عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ : ألا نغزو معكم أخرجه الإسماعيلي ، وقاله الكرماني : ( فإن قلت ) الغزو والجهاد هما لفظان بمعنى واحد ، فما الفائدة فيه ؟ . ( قلت ) : ليسا بمعنى واحد فإن الغزو القصد إلى القتال والجهاد هو بذل المقدور في القتال ، وذكر الثاني تأكيدا للأول ، وقال بعضهم : وأغرب الكرماني ، ثم نقل كلامه ، ثم قال : وكأنه ظن أن الألف تتعلق بنغزو بالواو ، أو جعل أو بمعنى الواو انتهى . ( قلت ) : لم يظن الكرماني ذلك ، وإنما اعتمد في كلامه على نسخة ليس فيها كلمة الشك ، وفرق بين الغزو والجهاد ، وهو فرق حسن ، وأخرج النسائي هذا الحديث من طريق جرير ، عن حبيب بلفظ : ألا نخرج فنجاهد معك ، وأخرج ابن خزيمة من طريق زائدة ، عن حبيب مثله ، وزاد : فإنا نجد الجهاد أفضل العمل ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق أبي بكر بن عياش ، عن حبيب بلفظ : لو جاهدنا معك ، قال : لا ، جهادكن حج مبرور ، ولفظ البخاري من طريق خالد الطحان ، عن حبيب : نرى الجهاد أفضل العمل ، قوله : لكن بتشديد النون جماعة المؤنث ، وهو خبر لأحسن ، والحج بدل منه ، وحج بدل البدل ، ويجوز أن يكون ارتفاع حج على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو حج مبرور ، وقال التيمي : لكن بتخفيف النون وسكونها ، وأحسن مبتدأ ، والحج خبره ، وفي رواية جرير : حج البيت حج مبرور ، وسيأتي في الجهاد من وجه آخر ، عن عائشة بنت طلحة بلفظ : استأذنته نساؤه في الجهاد ، فقال : يكفيكن الحج . وروى ابن ماجه من طريق محمد بن فضيل ، عن حبيب قلت : يا رسول الله ، على النساء جهاد ؟ قال : نعم ، جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ، وقد ذكرنا فيما مضى أنهم اختلفوا في المراد بالحج المبرور ، فقيل : هو الذي لا يخالطه شيء من مأثم ، وقيل : هو المتقبل ، وقيل : هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق ، وقيل : الذي لم تتعقبه معصية ، قوله : فلا أدع : أي فلا أترك .