باب 1885 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، سَمِعْتُ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ . تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ . 1886 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَا تَرْجَمَةٍ ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَأَشْكَلَ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِالَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ . وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ لِأَنَسٍ ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ مِنْهما بِتَرْجَمَةِ نَفْيِ الْخَبَثِ أَنَّ قَضِيَّةَ الدُّعَاءِ بِتَضْعِيفِ الْبَرَكَةِ وَتَكْثِيرِهَا تَقْلِيلُ مَا يُضَادُّهَا فَيُنَاسِبُ ذَلِكَ نَفْيَ الْخَبَثِ ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ الثَّانِي أَنَّ قَضِيَّةَ حُبِّ الرَّسُولِ لِلْمَدِينَةِ أَنْ تَكُونَ بَالِغَةً فِي طِيبِ ذَاتِهَا وَأَهْلِهَا فَيُنَاسِبُ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الثَّانِي فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُ فِيهِ حَدَّثَنَا أَبِي هُوَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ . قَوْلُهُ : ( اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ ) أَيْ : مِنْ بَرَكَةِ الدُّنْيَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ ، كَتَضْعِيفِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَنْ تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَفْضَلِيَّةِ الْمَفْضُولِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ثُبُوتُ الْأَفْضَلِيَّةِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَأَمَّا مَنْ نَاقَضَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّامُ وَالْيَمَنُ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَأَعَادَهَا ثَلَاثًا ، فَقَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّكْثِيرَ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْبَرَكَةِ بِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْفَضْلَ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ . وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْبَرَكَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ ، فَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلَا سِيَّمَا فِي وُقُوعِ الْبَرَكَةِ فِي الصَّاعِ وَالْمُدِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَرَكَةَ حَصَلَتْ فِي نَفْسِ الْمَكِيلِ بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ فِيهَا مَنْ لَا يَكْفِيهِ فِي غَيْرِهَا ، وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ عِنْدَ مَنْ سَكَنَهَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِذَا وُجِدَتِ الْبَرَكَةُ فِيهَا فِي وَقْتٍ حَصَلَتْ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ دَوَامَهَا فِي كُلِّ حِينٍ وَلِكُلِّ شَخْصٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ يُونُسَ ) أَيْ : تَابَعَ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ فَرَوَاهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَرِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، جَمْعُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ ، كَذَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الذُّهْلِيِّ ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَمِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَلْقَمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ خَالِدٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَسَاقَ رِوَايَةَ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، عَنْ وَهْبٍ بِسَمَاعِ جَرِيرٍ لَهُ مِنْ يُونُسَ ، ثُمَّ قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : لَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ . وَنَقَلَ مُغَلْطَايْ كَلَامَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ هَذَا وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، أَبُو شَيْبَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَهُوَ سَهْوٌ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ قَاسِمَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ فَقَالَ وَأَبُو شَيْبَةَ . ثُمَّ قَالَ مُغَلْطَايْ : وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : قَالَ الْحَسَنُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَذَكَرَهُ ، وَقَالَ : يَعْنِي الْمَدِينَةَ ا هـ . وَهَذَا نَظَرُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهِ ، إِذِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُتَابَعَةً لِرِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، كَمَا ذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ ، وَشَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ مُتَابَعَةً لِجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ يُونُسَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ طَرِيقَ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ يَعْنِي : ابْنَ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ : وَقَالَ الْحَسَنُ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ فِيهَا تَصْرِيحُ ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا : عَنْ أَنَسٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ · ص 117 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 247 باب أي : هذا باب قد ذكرنا أن هذا بمعنى فصل ، وقد ذكرنا أن الكتاب يجمع الأبواب ، والأبواب تجمع الفصول ، وهكذا باب بلا ترجمة في رواية الأكثرين ، وسقط من رواية أبي ذر . ( فإن قلت ) : إذا ذكر باب هكذا مجردا بمعنى الفصل ، فينبغي أن يكون للمذكور بعده نوع تعلق بما قبله ، ( قلت ) : المذكور فيه حديثان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - فتعلق الحديث الأول من حيث إن الدعاء بتضعيف البركة ، وتكثيرها يقتضي تقليل ما يضادها ، فناسب ذلك نفي الخبث ، وتعلق الحديث الثاني من حيث إن حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها . 457 - حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة . وجه المطابقة قد ذكرناه الآن ، وأبو وهب هو جرير بن حازم ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري . والحديث أخرجه مسلم أيضا في الحج ، عن زهير بن حرب ، وإبراهيم بن محمد كلاهما عن وهب . قوله : ضعفي ما جعلت تثنية ضعف بالكسر ، قال الجوهري : ضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه ، وقال الفقهاء : ضعفه مثلاه ، وضعفاه ثلاثة أمثاله ، قوله : من البركة : أي كثرة الخير ، والمراد بركة الدنيا بدليل ، قوله في الحديث الآخر : اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا . ( فإن قلت ) : اللفظ أعم من ذلك فيقتضي أن تكون الصلاة بالمدينة ضعفي ثواب الصلاة بمكة ، ( قلت ) : ولئن سلمنا عموم اللفظ ، لكنه مجمل فبينه بقوله : اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا : إن المراد البركة الدنيوية ، وخص الصلاة ونحوها بالدليل الخارجي . ( فإن قلت ) : الاستدلال به على تفضيل المدينة على مكة ظاهر ( قلت ) : نعم ، ظاهر من هذه الجهة ، ولكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق . ( فإن قلت ) فعلى هذا يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة ، لقوله في الحديث الآخر : اللهم بارك لنا في شامنا وأعادها ثلاثا ؟ ( قلت ) : التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب ، وقال ابن حزم : لا حجة في حديث الباب لهم ؛ لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة ، ورده القاضي عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمر الدين أو الدنيا ؛ لأنها بمعنى النماء والزيادة ، فأما في الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق الله تعالى من الزكوات والكفارات ولا سيما في وقوع البركة في الصاع والمد ، وقال النووي : الظاهر أن البركة حصلت في نفس الكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها ، وهذا أمر محسوس عند من سكنها ، وقال القرطبي : إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة ، ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص ، ( قلت ) : فيه ما فيه وقولنا أفضلية مكة على المدينة وغيرها تثبت بدلائل أخرى خارجية تغني عما ذكروه كله فافهم . تابعه عثمان بن عمر عن يونس . أي : تابع جريرا أبا وهب عثمان بن عمر أبو محمد البصري ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، ووصل هذه المتابعة الذهلي في جمعه لحديث الزهري ، ولقد أتى صاحب التلويح هنا بما لا يغني شيئا .