11- بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ : مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1906- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ : إِذَا رَأَيْتُمُوهُ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ رَتَّبَهَا تَرْتِيبًا حَسَنًا : فَصَدَّرَهَا بِحَدِيثِ عَمَّارٍ الْمُصَرِّحِ بِعِصْيَانِ مَنْ صَامَهُ ، ثُمَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا بِلَفْظِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ، وَالْآخَرُ بِلَفْظِ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَقَصَدَ بِذَلِكَ بَيَانَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ : فَاقْدُرُوا لَهُ ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَحَنَسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ ثُمَّ ذَكَرَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُصَرِّحًا بِأَنَّ عِدَّةَ الثَّلَاثِينَ الْمَأْمُورَ بِهَا تَكُونُ مِنْ شَعْبَانَ ، ثُمَّ ذَكَرَ شَاهِدًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي كَوْنِ الشَّهْرِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مُصَرِّحًا فِيهِ بِأَنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ كَذَلِكَ ، وَسَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا حَدِيثًا حَدِيثًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ صِلَةُ ، عَنْ عَمَّارٍ إِلَخْ ) أَمَّا صِلَةُ فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ ابْنُ زُفَرَ بِزَايٍ وَفَاءٍ وَزْنَ عُمَرَ كُوفِيٌّ عَبْسِيٌّ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَفُضَلَائِهِمْ ، وَوَهَمَ ابْنُ حَزْمٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ ابْنُ زُفَرَ ، وَكَذَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ جَمْعٍ مِمَّنْ وَصَلَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ عِنْدَهُمْ : كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ : كُلُوا . فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ : إِنِّي صَائِمٌ . فَقَالَ عَمَّارٌ : مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ : مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ وَلَهُ مُتَابِعٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ أَنَّ عَمَّارًا وَنَاسًا مَعَهُ أَتَوْهُمْ يَسْأَلُونَهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ ، فَاعْتَزَلَهُمْ رَجُلٌ ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ : تَعَالَ فَكُلْ . فَقَالَ : إِنِّي صَائِمٌ ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ : إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَتَعَالَ وَكُلْ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ . وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ . وَخَالَفَهُمْ الْجَوْهَرِيُّ الْمَالِكِيُّ فَقَالَ : هُوَ مَوْقُوفٌ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا أَتَى بِالْمَوْصُولِ وَلَمْ يَقُلْ : يَوْمَ الشَّكِّ مُبَالَغَةً فِي أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ فِيهِ أَدْنَى شَكٍّ سَبَبٌ لِعِصْيَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ صَامَ يَوْمًا الشَّكُّ فِيهِ قَائِمٌ ثَابِتٌ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيِ : الَّذِينَ أُونِسَ مِنْهُمْ أَدْنَى ظُلْمٍ ، فَكَيْفَ بِالظُّلْمِ الْمُسْتَمَرِّ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ : وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الطُّرُقِ بِلَفْظِ : يَوْمَ الشَّكِّ وَقَوْلُهُ : أَبَا الْقَاسِمِ قِيلَ : فَائِدَةُ تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذِهِ الْكُنْيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْكَامَهُ زَمَانًا وَمَكَانًا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ : فَاقْدُرُوا لَهُ وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ بِهِ وَقَالَ : فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَيْضًا فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ : فَاقْدُرُوا لَهُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزَّعْفَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ الْحَرْبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَالْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : إِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَعْنَبِيِّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَحْفُوظَةً ، فَيَكُونُ مَالِكٌ قَدْ رَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . قُلْتُ : وَمَعَ غَرَابَةِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلَهُ مُتَابَعَاتٌ ، مِنْهَا : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِتَعْيِينِ الثَّلَاثِينَ . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَكَمِّلُوا ثَلَاثِينَ وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ . قَوْلُهُ : ( لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ ) ظَاهِرُهُ إِيجَابُ الصَّوْمِ حِينَ الرُّؤْيَةِ مَتَى وُجِدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ الْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدُ ، وَخَالَفَ الشِّيعَةُ الْإِجْمَاعَ فَأَوْجَبُوهُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَةُ الْغَيْمِ وَغَيْرُهَا ، وَلَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ لَكَفَى ذَلِكَ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ ، لَكِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَوْقَعَ لِلْمُخَالِفِ شُبْهَةً ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ حُكْمِ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ ، فَيَكُونَ التَّعْلِيقُ عَلَى الرُّؤْيَةِ مُتَعَلِّقًا بِالصَّحْوِ ، وَأَمَّا الْغَيْمُ فَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَفْرِقَةَ ، وَيَكُونُ الثَّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأَوَّلِ ، وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، فَقَالُوا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : فَاقْدُرُوا لَهُ أَيِ : انْظُرُوا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، وَاحْسِبُوا تَمَامَ الثَّلَاثِينَ ، وَيُرَجِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ الْمُصَرِّحَةُ بِالْمُرَادِ ، وَهِيَ مَا تَقْدَمُ مِنْ قَوْلِهِ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَنَحْوِهَا ، وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بِالْحَدِيثِ ، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَيْضًا فَرَوَاهَا الْبُخَارِيُّ كَمَا تَرَى بِلَفْظِ : فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ وَهَذَا أَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنْ آدَمَ شَيْخَهُ انْفَرَدَ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَةَ قَالُوا فِيهِ : فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . قَالَ : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آدَمُ أَوْرَدَهُ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَبَرِ . قُلْتُ : الَّذِي ظَنَّهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ صَحِيحٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ آدَمَ بِلَفْظِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَعْنِي : عُدُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ، فَوَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ إِدْرَاجُ التَّفْسِيرِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِعَدَدِهِ هُوَ شَعْبَانُ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ بِلَفْظِ : فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ شَهْرٍ فَدَخَلَ فِيهِ شَعْبَانُ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ أَيْضًا . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَقِيلَ : الصَّوَابُ فِيهِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُبْهَمٍ ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ لِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - وَهِيَ مَا إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلِعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ - ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : يَجِبُ صَوْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ . ثَانِيهَا : لَا يَجُوزُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا مُطْلَقًا ، بَلْ قَضَاءً وَكَفَّارَةً وَنَذْرًا وَنَفْلًا يُوَافِقُ عَادَةً ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ ، وَيَجُوزُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ . ثَالِثُهَا : الْمَرْجِعُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ . وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرَأْيِ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الْحَدِيثِ . قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : فَاقْدُرُوا لَهُ قَالَ نَافِعٌ : فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، وَإِنْ حَالَ أَصْبَحَ صَائِمًا . وَأَمَّا مَا رَوَى الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاسُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ ، فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْءٌ فَلَا يُسَمَّى شَكًّا . وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الثَّانِي . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي تَنْقِيحِهِ : الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ - وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ - أَنَّهُ أَيُّ شَهْرٍ غُمَّ أُكْمِلَ ثَلَاثِينَ ؛ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْبَانُ وَرَمَضَانُ وَغَيْرُهُمَا ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ يَرْجِعُ إِلَى الْجُمْلَتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ أَيْ : غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ أَوْ فِطْرِكُمْ ، وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ لِلشَّهْرِ أَيْ : عِدَّةَ الشَّهْرِ ، وَلَمْ يَخُصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا دُونَ شَهْرٍ بِالْإِكْمَالِ إِذَا غُمَّ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ كَانَ شَعْبَانُ غَيْرَ مُرَادٍ بِهَذَا الْإِكْمَالِ لَبَيَّنَهُ فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى : فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ مُخَالِفَةً لِمَنْ قَالَ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ بَلْ مُبَيِّنَةً لَهَا . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا ، وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ . قَوْلُهُ : ( فَاقْدُرُوا لَهُ ) تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيلٍ ثَالِثٍ ، قَالُوا : مَعْنَاهُ فَاقْدُرُوهُ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ . قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ التَّابِعَيْنَ وَابْنُ قُتَيْبَةَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَصِحُّ عَنْ مُطَرِّفٍ ، وَأَمَّا ابْنُ قُتَيْبَةَ فَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يُعَرَّجُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا . قَالَ : وَنَقَلَ ابْنُ خُوَيْزَ مِنْدَادٌ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ مَسْأَلَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ : فَاقْدُرُوا لَهُ خِطَابٌ لِمَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا الْعِلْمِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ خِطَابٌ لِلْعَامَّةِ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَصَارَ وُجُوبُ رَمَضَانَ عِنْدَهُ مُخْتَلِفَ الْحَالِ يَجِبُ عَلَى قَوْمٍ بِحِسَابِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَعَلَى آخَرِينَ بِحِسَابِ الْعَدَدِ ، قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ عَنِ النُّبَلَاءِ . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : مَعْرِفَةُ مَنَازِلِ الْقَمَرِ هِيَ مَعْرِفَةُ سَيْرِ الْأَهِلَّةِ ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ فَأَمْرٌ دَقِيقٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْآحَادُ ، قَالَ : فَمَعْرِفَةُ مَنَازِلِ الْقَمَرِ تُدْرَكُ بِأَمْرٍ مَحْسُوسٍ يُدْرِكُهُ مَنْ يُرَاقِبُ النُّجُومَ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَقَالَ بِهِ فِي حَقِّ الْعَارِفِ بِهَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ . وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبٍ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ بِجَوَازِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ ، وَأَبِي الطَّيِّبِ ، وَأَمَّا أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ فَنَقَلَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ لُزُومَ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَتَعَدَّدَتِ الْآرَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُصُوصِ النَّظَرِ فِي الْحِسَابِ وَالْمَنَازِلِ : أَحَدُهَا : الْجَوَازُ وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ ، ثَانِيهَا : يَجُوزُ وَيُجْزِئُ ، ثَالِثُهَا : يَجُوزُ لِلْحَاسِبِ وَيُجْزِئُهُ لَا لِلْمُنَجِّمِ ، رَابِعُهَا : يَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا تَقْلِيدُ الْحَاسِبِ دُونَ الْمُنَجِّمِ ، خَامِسُهَا : يَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا مُطْلَقًا . وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَمَّا بِالْحِسَابِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا . قُلْتُ : وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَبْلَهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ . فَقَالَ فِي الْإِشْرَافِ : صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ مَعَ الصَّحْوِ لَا يَجِبُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةَ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ كَرَاهَتُهُ ، هَكَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ حَاسِبٍ وَغَيْرِهِ ، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ كَانَ مَحْجُوجًا بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا · ص 142 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا · ص 279 ( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ) أي هذا باب في بيان قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى آخره ، وهذه الترجمة هي بعينها لفظ حديث مسلم حيث قال : حدثنا يحيى بن يحيى قال : أخبرنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما " وليس في أحاديث الباب مثل عين الترجمة ، وإنما المذكور ما يقارب الترجمة من حيث اللفظ وما هو عينها من حيث المعنى ، على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى . ( وقال صلة عن عمار : من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن مقتضى معناها أن لا يصام يوم الشك لأنه - صلى الله عليه وسلم - علق الصوم برؤية الهلال ، وهو هلال رمضان ، فلا يصام اليوم الذي هو آخر شعبان إذا شك فيه هل هو من شعبان أو رمضان . وصلة - بكسر الصاد المهملة وفتح اللام المخففة - على وزن عدة ، وقال بعضهم : على وزن عمر ، وليس بصحيح ، وهو ابن زفر ، بضم الزاي وفتح الفاء المخففة وفي آخره راء ، العبسي الكوفي ، يكنى أبا بكر ، ويقال : أبا العلاء ، قال الواقدي : توفي في زمن مصعب بن الزبير ، وهو من كبار التابعين وفضلائهم ، وزعم ابن حزم أنه صلة بن أشيم ، وهو وهم منه ، وقد صرح بأنه صلة بن زفر جميع من روى هذا ، وعمار هو ابن ياسر العبسي ، أبو اليقظان ، قتل بصفين ، وقد وصل هذا التعليق أصحاب السنن الأربعة ، فقال الترمذي : حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس الملائي " عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر قال : كنا عند عمار بن ياسر ، فأتي بشاة مصلية ، فقال : كلوا ، فتنحى بعض القوم ، فقال : إني صائم ، فقال عمار : من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - " ، ورواه النسائي عن الأشج ، ورواه أبو داود وابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي خالد الأحمر ، وأخرجه أيضا ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه . ويوم الشك هو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ، ولم تثبت رؤيته ، أو شهد واحد فردت شهادته ، أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما ، وقال ابن المنذر في ( الأشراف ) : قال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس بصوم يوم الشك تطوعا ، وهذا قول أهل العلم ، وبه قال الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأحمد ، وإسحاق ، ومثله عن مالك على المشهور ، وكانت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - تصومه ، وذكر القاضي أبو يعلى أن صوم يوم الشك مذهب عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وابن عباس . وقال أصحابنا : صوم يوم الشك على وجوه ، الأول : أن ينوي فيه صوم رمضان وهو مكروه ، وفيه خلاف أبي هريرة ، وعمر ، ومعاوية ، وعائشة ، وأسماء ، ثم إنه من رمضان يجزيه ، وهو قول الأوزاعي والثوري ، ووجه للشافعية ، وعند الشافعي وأحمد : لا يجزيه إلا إذا أخبره به من يثق به من عبد أو امرأة ، والثاني : أنه إن نوى عن واجب آخر كقضاء رمضان والنذر أو الكفارة ، وهو مكروه أيضا ، إلا أنه دون الأول في الكراهة ، وإن ظهر أنه من شعبان قيل : يكون نفلا ، وقيل : يجزيه عن الذي نواه من الواجب ، وهو الأصح ، وفي ( المحيط ) وهو الصحيح ، والثالث : أن ينوي التطوع ، وهو غير مكروه عندنا ، وبه قال مالك ، وفي ( الأشراف ) حكي عن مالك جواز النفل فيه عن أهل العلم ، وهو قول الأوزاعي ، والليث ، وابن مسلمة ، وأحمد ، وإسحاق ، وفي ( جوامع الفقه ) : لا يكره صوم يوم الشك بنية التطوع ، والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته ، وهو مروي عن أبي يوسف ، وفي حق العوام : التلوم إلى أن يقرب الزوال ، وفي ( المحيط ) إلى وقت الزوال ، فإن ظهر أنه من رمضان نوى الصوم وإلا أفطر ، والرابع : أن يضجع في أصل النية بأن ينوي أن يصوم غدا إن كان من رمضان ولا يصومه إن كان من شعبان ، وفي هذا الوجه لا يصير صائما ، والخامس : أن يضجع في وصف النية بأن ينوي إن كان غدا من رمضان يصوم عنه ، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر ، فهو مكروه . والسادس : أن ينوي عن رمضان إن كان غدا منه ، وعن التطوع إن كان من شعبان يكره . قوله : " من صام يوم الشك " ، وفي رواية ابن خزيمة وغيره " من صام اليوم الذي يشك فيه " ، قال الطيبي : إنما أتى بالموصول ولم يقل : يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب العصيان فكيف من صام يوما الشك فيه قائم . قوله : " فقد عصى أبا القاسم " استدل به على تحريم صوم يوم الشك ؛ لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع ، وقال ابن عبد البر : هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك ، وخالفه الجوهري المالكي فقال : هو موقوف ، ورد عليه بأنه موقوف لفظا مرفوع حكما ، وإنما قال أبا القاسم ، بتخصيص هذه الكنية ؛ للإشارة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يقسم بين عباد الله حكم الله بحسب قدرهم واقتدارهم . 16 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له ) . مطابقته للترجمة من حيث إن معنى لفظ الترجمة يؤول إلى معني هذا الحديث ، وحاصلهما سواء ، وقد مضى في باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ما رواه من حديث سالم عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له " وقد استوفينا الكلام فيه هناك ، وفي الحديثين كليهما " فاقدروا له " وجاء من وجه آخر عن نافع " فاقدروا ثلاثين " وهكذا أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع ، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال عبد الرزاق : وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به فقال : " فعدوا ثلاثين " .