باب قول النبي إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا
( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ) ( وقال صلة عن عمار : من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن مقتضى معناها أن لا يصام يوم الشك لأنه - صلى الله عليه وسلم - علق الصوم برؤية الهلال ، وهو هلال رمضان ، فلا يصام اليوم الذي هو آخر شعبان إذا شك فيه هل هو من شعبان أو رمضان .
وصلة - بكسر الصاد المهملة وفتح اللام المخففة - على وزن عدة ، وقال بعضهم : على وزن عمر ، وليس بصحيح ، وهو ابن زفر ، بضم الزاي وفتح الفاء المخففة وفي آخره راء ، العبسي الكوفي ، يكنى أبا بكر ، ويقال : أبا العلاء ، قال الواقدي : توفي في زمن مصعب بن الزبير ، وهو من كبار التابعين وفضلائهم ، وزعم ابن حزم أنه صلة بن أشيم ، وهو وهم منه ، وقد صرح بأنه صلة بن زفر جميع من روى هذا ، وعمار هو ابن ياسر العبسي ، أبو اليقظان ، قتل بصفين ،
وقد وصل هذا التعليق أصحاب السنن الأربعة ، فقال الترمذي : حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس الملائي " عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر قال : كنا عند عمار بن ياسر ، فأتي بشاة مصلية ، فقال : كلوا ، فتنحى بعض القوم ، فقال : إني صائم ، فقال عمار : من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - " ، ورواه النسائي عن الأشج ، ورواه أبو داود وابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي خالد الأحمر ، وأخرجه أيضا ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. ويوم الشك هو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ، ولم تثبت رؤيته ، أو شهد واحد فردت شهادته ، أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما ، وقال ابن المنذر في ( الأشراف ) : قال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس بصوم يوم الشك تطوعا ، وهذا قول أهل العلم ، وبه قال الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأحمد ، وإسحاق ، ومثله عن مالك على المشهور ، وكانت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - تصومه ، وذكر القاضي أبو يعلى أن صوم يوم الشك مذهب عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وابن عباس . وقال أصحابنا : صوم يوم الشك على وجوه ، الأول : أن ينوي فيه صوم رمضان وهو مكروه ، وفيه خلاف أبي هريرة ، وعمر ، ومعاوية ، وعائشة ، وأسماء ، ثم إنه من رمضان يجزيه ، وهو قول الأوزاعي ج١٠ / ص٢٨٠والثوري ، ووجه للشافعية ، وعند الشافعي وأحمد : لا يجزيه إلا إذا أخبره به من يثق به من عبد أو امرأة ، والثاني : أنه إن نوى عن واجب آخر كقضاء رمضان والنذر أو الكفارة ، وهو مكروه أيضا ، إلا أنه دون الأول في الكراهة ، وإن ظهر أنه من شعبان قيل : يكون نفلا ، وقيل : يجزيه عن الذي نواه من الواجب ، وهو الأصح ، وفي ( المحيط ) وهو الصحيح ، والثالث : أن ينوي التطوع ، وهو غير مكروه عندنا ، وبه قال مالك ، وفي ( الأشراف ) حكي عن مالك جواز النفل فيه عن أهل العلم ، وهو قول الأوزاعي ، والليث ، وابن مسلمة ، وأحمد ، وإسحاق ، وفي ( جوامع الفقه ) : لا يكره صوم يوم الشك بنية التطوع ، والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته ، وهو مروي عن أبي يوسف ، وفي حق العوام : التلوم إلى أن يقرب الزوال ، وفي ( المحيط ) إلى وقت الزوال ، فإن ظهر أنه من رمضان نوى الصوم وإلا أفطر ، والرابع : أن يضجع في أصل النية بأن ينوي أن يصوم غدا إن كان من رمضان ولا يصومه إن كان من شعبان ، وفي هذا الوجه لا يصير صائما ، والخامس : أن يضجع في وصف النية بأن ينوي إن كان غدا من رمضان يصوم عنه ، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر ، فهو مكروه .
والسادس : أن ينوي عن رمضان إن كان غدا منه ، وعن التطوع إن كان من شعبان يكره . قوله : " من صام يوم الشك " ، وفي رواية ابن خزيمة وغيره " من صام اليوم الذي يشك فيه " ، قال الطيبي : إنما أتى بالموصول ولم يقل : يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب العصيان فكيف من صام يوما الشك فيه قائم .
قوله : " فقد عصى أبا القاسم " استدل به على تحريم صوم يوم الشك ؛ لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع ، وقال ابن عبد البر : هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك ، وخالفه الجوهري المالكي فقال : هو موقوف ، ورد عليه بأنه موقوف لفظا مرفوع حكما، وإنما قال أبا القاسم ، بتخصيص هذه الكنية ؛ للإشارة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يقسم بين عباد الله حكم الله بحسب قدرهم واقتدارهم .
16 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له ) .