43 - بَاب مَتَى فِطْرُ الصَّائِمِ ؟ وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ 1954 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا ، وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ ) غَرَضُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ إِمْسَاكُ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ لِتَحَقُّقِ مُضِيِّ النَّهَارِ أَمْ لَا؟ وَظَاهِرُ صَنِيعِهِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الثَّانِي لِذِكْرِهِ لِأَثَرِ أَبِي سَعِيدٍ فِي التَّرْجَمَةِ ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ إِذَا مَا حَصَلَ تَحَقُّقُ غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَوْلُهُ : ( وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَأَفْطَرَ وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا تَحَقَّقَ غُرُوبَ الشَّمْسِ لَمْ يَطْلُبْ مَزِيدًا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا الْتَفَتَ إِلَى مُوَافَقَةِ مَنْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ يَجِبُ عِنْدَهُ إِمْسَاكُ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ لَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أحدهما حديث عمر . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ حِجَازِيُّونَ : الْحُمَيْدِيُّ ، وَسُفْيَانُ مَكِّيَّانِ ، وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ . وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ ، وَرِوَايَةُ تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ : هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَصَحَابِيٍّ صَغِيرٍ عَنْ صَحَابِيٍّ كَبِيرٍ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَكَانَ مَوْلِدُ عَاصِمٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ لِي . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا ) أَيْ : مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ الظُّلْمَةِ حِسًّا ، وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَازِمَةً فِي الْأَصْلِ لَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُتَلَازِمَةٍ ، فَقَدْ يُظَنُّ إِقْبَالُ اللَّيْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَلَا يَكُونُ إِقْبَالُهُ حَقِيقَةً بَلْ لِوُجُودِ أَمْرٍ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْسِ ، وَكَذَلِكَ إِدْبَارُ النَّهَارِ ، فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ : وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ إِشَارَةً إِلَى اشْتِرَاطِ تَحَقُّقِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ ، وَأَنَّهُمَا بِوَاسِطَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَى حَالَيْنِ : أَمَّا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَفِي حَالِ الْغَيْمِ مَثَلًا ، وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا فَفِي حَالِ الصَّحْوِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَحَفِظَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْإِقْبَالُ وَالْإِدْبَارُ مَعًا لِإِمْكَانِ وُجُودِ أَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ انْقِضَاءُ النَّهَارِ بِأَحَدِهِمَا ، وَيُؤَيِّدُهُ الِاقْتِصَارُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى عَلَى إِقْبَالِ اللَّيْلِ قَوْلُهُ : ( فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ) أَيْ : دَخَلَ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ كَمَا يُقَالُ : أَنْجَدَ ، إِذَا أَقَامَ بِنَجْدٍ ، وَأَتْهَمَ إِذَا أَقَامَ بِتِهَامَةَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا فِي الْحُكْمِ لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَيْسَ طَرَفًا لِلصِّيَامِ الشَّرْعِيِّ ، وَقَدْ رَدَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ هَذَا الِاحْتِمَالَ ، وَأَوْمَأَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ فَقَالَ : قَوْلُهُ : فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ لَفْظُ خَبَرٍ ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، أَيْ : فَلْيُفْطِرِ الصَّائِمُ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا كَانَ فِطْرُ جَمِيعِ الصُّوَّامِ وَاحِدًا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ مَعْنًى اهـ . وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِعْلُ الْإِفْطَارِ حِسًّا لِيُوَافِقَ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ ، وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مُعْتَمِدًا لَكَانَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ فَصَامَ فَدَخَلَ اللَّيْلُ حَنِثَ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ شَيْئًا ، وَيُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ بِعَيْنِهَا ، وَمِثْلُ هَذَا لَوْ قَالَ : إِنْ أَفْطَرْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ . فَصَادَفَ يَوْمَ الْعِيدِ لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَتَنَاوَلَ مَا يُفْطِرُ بِهِ ، وَقَدِ ارْتَكَبَ بَعْضُهُمُ الشَّطَطَ فَقَالَ : يَحْنَثُ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَيْضًا رِوَايَةُ شُعْبَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ : فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَارُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ الْوِصَالِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ · ص 230 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب متى يحل فطر الصائم · ص 64 باب متى يحل فطر الصائم أي هذا باب يذكر فيه متى يحل فطر الصائم ، وجواب الاستفهام مقدر تقديره : بغروب الشمس ، ولا يجب إمساك جزء من الليل ، لتحقق مضي النهار ، وما ذكره في الباب من الأثر والحديثين يبين ما أبهمه في الترجمة . وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس . مطابقته للترجمة من حيث إنه جواب للاستفهام الذي فيها ، وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك الأنصاري ، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه قال : دخلنا على أبي سعيد ، فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب ، وجه ذلك أن أبا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب مزيدا على ذلك ، ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك ، فلو كان يجب عنده إمساك جزء من الليل لاشترك الجميع في معرفة ذلك . 62 - حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا هشام بن عروة قال : سمعت أبي يقول : سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم . مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي فيها بالاستفهام . ذكر رجاله : وهم ستة الأول : الحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي أبو بكر المكي . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عمر القرشي . السادس : أبوه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه العنعنة في موضع واحد . وفيه السماع في موضعين . وفيه القول في أربعة مواضع . وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه وسفيان مكيان ، ومن بعدهما مدنيون . وفيه رواية الابن عن الأب في موضعين . وفيه رواية تابعي صغير عن تابعي كبير هشام عن أبيه . وفيه رواية صحابي صغير عن صحابي كبير عاصم عن أبيه ، وكان مولد عاصم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يسمع منه شيئا كذا قاله بعضهم حيث أطلق على عاصم أنه صحابي صغير . قلت : قال الذهبي : ولد قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعامين ، وذكره ابن حبان في الثقات . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصوم عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي كريب ، وعن ابن نمير ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، وعن مسدد ، وأخرجه الترمذي فيه عن هارون بن إسحاق ، وعن أبي كريب ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم . ذكر معناه : قوله ( إذا أقبل الليل ) من هاهنا أي : من جهة المشرق ، وأدبر النهار من هاهنا أي : من المغرب ، وقد مر الكلام فيه في باب الصوم في السفر ، والإفطار في آخر حديث عبد الله بن أبي أوفى . قوله ( فقد أفطر الصائم ) أي : دخل في وقت الفطر ، وقال ابن خزيمة : لفظه خبر ، ومعناه الأمر أي : فليفطر الصائم .