48 - بَاب الْوِصَالِ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ عز وجل : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ 1961 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُوَاصِلُوا ، قَالُوا : إِنَّكَ تُوَاصِلُ ، قَالَ : لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ، أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوِصَالِ ) هُوَ التَّرْكُ فِي لَيَالِي الصِّيَامِ لِمَا يُفْطِرُ بِالنَّهَارِ بِالْقَصْدِ ، فَيَخْرُجُ مَنْ أَمْسَكَ اتِّفَاقًا . وَيَدْخُلُ مَنْ أَمْسَكَ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ ، وَلَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِهِ لِشُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ قَالَ : لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ وَوَصَلَهُ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالدُّولَابِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْكُنَى كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَرْوَةَ الرُّهَاوِيِّ ، عَنْ مَعْقِلٍ الْكَنَدِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْهُ ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبِ الصِّيَامَ بِاللَّيْلِ ، فَمَنْ صَامَ فَقَدْ تَعَنَّى ، وَلَا أَجْرَ لَهُ . قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : مَا أَرَى عُبَادَةَ سَمِعَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ ، وَفِي الْمَعْنَى حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى لَيْلَى امْرَأَةِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَتْ : أَرَدْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمَيْنِ مُوَاصَلَةً فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ وَقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ هَذَا ، وَقَالَ : يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى ، وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى ، أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرُوا لَفْظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ التَّابِعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَهُوَ مُفْطِرٌ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قَالَ : لَا صِيَامَ بَعْدَ اللَّيْلِ أَيْ : بَعْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ ، ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ مَا عَرَفْتَهُ فَلَا يَصِحُّ ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ وَمُعَارِضُهُ أَصَحُّ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَمْ يَكُنْ لِلْوِصَالِ مَعْنًى أَصْلًا ، وَلَا كَانَ فِي فِعْلِهِ قُرْبَةٌ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ . قَوْلُهُ : ( وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ : أَصْحَابَهُ ( عَنْهُ ) أَيْ : عَنِ الْوِصَالِ ( رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ ) ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورَ قَبْلُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : الْوِصَالُ أَيْ : بَابُ ذِكْرِ الْوِصَالِ ، وَذِكْرِ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ ، وَالتَّعَمُّقُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَكَلُّفِ مَا لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ ، وَعُمْقُ الْوَادِي قَعْرُهُ ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْوِصَالِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ مُدَّ بِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ . وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ ، وَيَحْيَى الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( لَا تُوَاصِلُوا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوِصَالِ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : إِنَّكَ تُوَاصِلُ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَأَنَّ الْقَائِلَ وَاحِدٌ وَنَسَبَ الْقَوْلَ إِلَى الْجَمِيعِ لِرِضَاهُمْ بِهِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ . قَوْلُهُ : ( لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : كَأَحَدِكُمْ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : لَسْتُ مِثْلَكُمْ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ : وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ يُفِيدُ التَّوْبِيخَ الْمُشْعِرَ بِالِاسْتِبْعَادِ ، وَقَوْلُهُ : مِثْلِي أَيْ : عَلَى صِفَتِي أَوْ مَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي . قَوْلُهُ : ( إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ، أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى ) هَذَا الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ بَهْزٍ عَنْهُ بِلَفْظِ : إِنَى أَظَلُّ - أَوْ قَالَ - إِنِّي أَبِيتُ وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ : إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ثَابِت عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّمَنِّي بِلَفْظِ : إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَبَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاصَلَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ . وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . ثَانِي الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْوِصَالِ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ · ص 238 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الوصال · ص 70 باب الوصال أي هذا باب في بيان وصال الصائم صومه بالنهار وبالليل جميعا ، ولم يذكر حكمه اكتفاء بما ذكره في الباب من الأحاديث . ومن قال ليس في الليل صيام لقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه رحمة لهم وإبقاء عليهم ، وما يكره من التعمق . كل هذا من الترجمة ، وهي تشتمل على ثلاثة فصول : الأول : قوله ( ومن قال ) وهو في محل الجر عطفا على لفظ الوصال ، تقديره : وباب في بيان من قال ليس في الليل صيام يعني الليل ليس محلا للصوم ؛ لأن الله تعالى جعل حد الصوم إلى الليل ، فلا يدخل في حكم ما قبله ، واستدل عليه بقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وقد ورد فيه حديث مرفوع رواه أبو سعيد الخير : إن الله لم يكتب الصيام بالليل ، فمن صام فقد بغى ، ولا أجر له . أخرجه ابن السكن ، وغيره من الصحابة ، والدولابي ، وغيره في ( الكنى ) ، كلهم من طريق أبي فروة الرهاوي ، عن معقل الكندي ، عن عبادة بن نسي عنه ، وقال ابن منده : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال الترمذي : سألت البخاري عنه فقال : ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير ، وقال شيخنا زين الدين : حديث أبي سعيد الخير لم أقف عليه . وقد اختلف في صحبته ، فقال أبو داود : أبو سعيد الخير صحابي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى عنه قيس بن الحارث الكندي ، وفراس الشعباني ، وقال شيخنا : وروى عنه ممن لم يذكره يونس بن حليس ، ومهاجر بن دينار ، وابن لأبي سعيد الخير غير مسمى ، وذكره الطبراني في الصحابة ، وروى له خمسة أحاديث ، وقيل : هو أبو سعيد الخير بزيادة ياء آخر الحروف ، وهكذا ذكر أبو أحمد الحاكم في ( الكنى ) ، فقال : سعيد الخير له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، حديثه في أهل الشام ، وقال الحافظ الذهبي في ( تجريد الصحابة ) : أبو سعيد الخير الأنماري ، وقيل : أبو سعيد الخير اسمه عامر بن سعد شامي له في الشفاعة ، وفي الوضوء ، روى عنه قيس بن الحارث ، وعبادة بن نسي ، وقال أبو أحمد الحاكم بعد أن روى له حديثا قال : أبو سعيد الأنماري ، ويقال : أبو سعيد الخير له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم قال : ولست أحفظ له اسما ولا نسبا إلى أقصى أبا ، فجعلهما اثنين ، وجمع الطبراني بين الترجمتين فجعلهما ترجمة واحدة ، وقال شيخنا : وقد قيل : إن أبا سعيد الخير هو أبو سعيد الحبراني الحمصي الذي روى عن أبي هريرة ، وروى عنه حصين الحبراني ، وعلى هذا فهو تابعي ، وهكذا ذكره العجلي في ( الثقات ) ، فقال : شامي تابعي ثقة ، وكذا ذكره ابن حبان في ( الثقات ) التابعين ، واختلف في اسمه ، فيقال : اسمه زياد ، ويقال : عامر بن سعد ، قال الحافظ المزي : وأراهما اثنين ، والله أعلم . الفصل الثاني : قوله ( ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ) أي : عن الوصال ، وهذا التعليق وصله البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ : نهى النبي صلى الله عليه وسلم رحمة لهم على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . قوله ( وإبقاء عليهم ) أي : على الأمة ، وأراد حفظا لهم في بقاء أبدانهم على قوتها . وروى أبو داود ، وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجل من الصحابة قال : نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة ، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه ، وإسناده صحيح . الفصل الثالث : قوله ( وما يكره من التعمق ) قال الكرماني : هو عطف إما على الضمير المجرور ، وإما على قوله ( رحمة ) أي : لكراهة التعمق ، وهو تكلف ما لم يكلف ، وعمق الوادي قعره ، وقيل : وما يكره من التعمق من كلام البخاري معطوف على قوله ( الوصال ) أي : باب ذكر الوصال وذكر ما يكره من التعمق ، وقد روى البخاري في كتاب التمني من طريق ثابت بن قيس ، عن أنس في قصة الوصال ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : لو مد بي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم . 69 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُوَاصِلُوا ، قَالُوا : إِنَّكَ تُوَاصِلُ ، قَالَ : لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ، أَوْ : إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى. مطابقته للترجمة ظاهرة ، فإنه يوضح جواب الترجمة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى ابن سعيد القطان . وأخرجه مسلم من رواية سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان .. الحديث بطوله . وفيه : فأخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك في آخر الشهر ، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال رجال يواصلون إنكم لستم مثلي أما والله لو تماد بي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم . وفي لفظ له : إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني . وفي لفظ إني لست كهيئتكم . قوله ( إني لست كأحد منكم ) وفي رواية الكشميهني : كأحدكم ، وفي حديث ابن عمر : إني لست مثلكم ، وفي حديث أبي زرعة ، عن أبي هريرة عند مسلم : لستم في ذلك مثلي ، وفي حديث أبي هريرة سيأتي : وأيكم مثلي ، أي : على صفتي أو منزلتي من ربي . قوله ( أو إني أبيت ) الشك من شعبة ، وفي رواية أحمد ، عن بهز عنه : إني أظل ، أو قال : إني أبيت ، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة بلفظ : إن ربي يطعمني ويسقيني ، أخرجه الترمذي . قوله ( لا تواصلوا ) نهي ، وأدناه يقتضي الكراهة . ولكن اختلفوا هل هي رواية تنزيه أو تحريم على وجهين حكاهما صاحب ( المهذب ) وغيره ، أصحهما عندهم أن الكراهة للتحريم ، قال الرافعي : وهو ظاهر كلام الشافعي ، وحكى صاحب ( المفهم ) ، عن قوم : أنه يحرم ، قال : وهو مذهب أهل الظاهر ، قال : وذهب الجمهور ، ومالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وجماعة من أهل الفقه إلى كراهته ، وذهب آخرون إلى جواز الوصال لمن قوي عليه ، وممن كان يواصل عبد الله بن الزبير ، وابن عامر ، وابن وضاح من المالكية كان يواصل أربعة أيام ، حكاه ابن حزم ، وقد حكى القاضي عياض ، عن ابن وهب ، وإسحاق ، وابن حنبل أنهم أجازوا الوصال ، والجمهور ذهبوا إلى أن الوصال من خواص النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : إني لست كأحد منكم ، وهذا دال على التخصيص ، وأما غيره من الأمة فحرام عليه ، وفي ( سنن أبي داود ) من حديث عائشة : كان يصلي بعد العصر ، وينهى عنها ، ويواصل وينهى عن الوصال . وممن قال به من الصحابة علي بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وأبو سعيد ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، واحتج من أباح الوصال بقول عائشة : نهاهم عن الوصال رحمة لهم ، فقالوا : إنما نهاهم رفقا لا إلزاما لهم ، واحتجوا أيضا بكون النبي صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه يومين حين أبوا أن ينتهوا . قال صاحب ( المفهم ) : وهو يدل على أن الوصال ليس بحرام ولا مكروه من حيث هو وصال ، لكن من حيث يذهب بالقوة ، وأجاب المحرمون عن الحديثين بأن قالوا : لا يمنع قوله ( رحمة لهم ) أن يكون منهيا عنه للتحريم ، وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم ، قالوا : وأما وصاله بهم فلتأكيد الزجر ، وبيان الحكمة في نهيهم ، والمفسدة المترتبة على الوصال ، وهي الملل من العبادة وخوف التقصير في غيره من العبادات ، وقال ابن العربي : وتمكينهم منه تنكيل لهم ، وما كان على طريق العقوبة لا يكون من الشريعة . فإن قلت : كيف يحسن قولهم له بعد النهي عن الوصال : فإنك تواصل ، وهم أكثر الناس آدابا . قلت : لم يكن ذلك على سبيل الاعتراض ، ولكن على سبيل استخراج الحكم أو الحكمة أو بيان التخصيص . قوله ( إني أطعم وأسقى ) اختلف في تأويله ، فقيل : إنه على ظاهره ، وأنه يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يتناولهما ، فيكون ذلك تخصيص كرامة لا شركة فيها لأحد من أصحابه ، ورد صاحب ( المفهم ) هذا وقال : لأنه لو كان كذلك لما صدق عليه قولهم إنك تواصل ، ولا ارتفع اسم الوصال عنه ؛ لأنه حينئذ يكون مفطرا ، وكان يخرج كلامه عن أن يكون جوابا لما سئل عنه ، ولأن في بعض ألفاظه : إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ، وظل إنما يقال فيمن فعل الشيء نهارا ، وبات فيمن يفعله ليلا ، وحينئذ كان يلزم عليه فساد صومه ، وذلك باطل بالإجماع ، وقيل : إن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب ، واعترض صاحب ( المفهم ) على هذا أيضا ، وقال : وهذا القول أيضا يبعده النظر إلى حاله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع ، وبعده أيضا النظر إلى المعنى ، وذلك لأنه لو خلق فيه الشبع والري لما وجد لعبادة الصوم روحها الذي هو الجوع والمشقة ، وحينئذ كان يكون ترك الوصال أولى ، وقيل : إن الله تعالى يحفظ عليه قوته من غير طعام وشراب كما يحفظها بالطعام والشراب ، فعبر بالطعام والسقيا عن فائدتهما ، وهي القوة ، وعليه اقتصر ابن العربي ، وحكى الرافعي ، عن المسعودي قال : أصح ما قيل في معناه أني أعطى قوة الطاعم والشارب .