1973 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا مِنْ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ) يَعْنِي : أَنَّ حَالَهُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ كَانَ يَخْتَلِفُ ، فَكَانَ تَارَةً يَقُومُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ ، كَمَا كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَتَارَةً مِنْ وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ ، فَكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ قَائِمًا أَوْ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الشَّهْرِ صَائِمًا فَرَاقَبَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَادِفَهُ قَامَ أَوْ صَامَ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ ، هَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَلَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَوْعِبُ اللَّيْلَ قِيَامًا . وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ : كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا اتَّخَذَهُ رَاتِبًا لَا مُطْلَقَ النَّافِلَةِ ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَلَا مَسِسْتُ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى عَلَى الْأَفْصَحِ ، وَكَذَا شَمِمْتُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحُهَا لُغَةٌ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ ، وَيُقَالُ فِي مُضَارِعِهِ أَشَمُّهُ وَأَمَسُّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْأَفْصَحِ ، وَبِالضَّمِّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ رَائِحَةِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَلَى أَكْمَلِ الصِّفَاتِ خَلْقًا وَخُلُقًا ، فَهُوَ كُلُّ الْكَمَالِ وَجُلُّ الْجَلَالِ وَجُمْلَةُ الْجَمَالِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى . وَفِي حَدِيثَيِ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ التَّنَفُّلِ بِالصَّوْمِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَأَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ إِلَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصُمِ الدَّهْرَ وَلَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ فَيَشُقُّ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَوِ الْتَزَمَ ذَلِكَ لَاقْتَدَرَ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ سَلَكَ مِنَ الْعِبَادَةِ الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى : فَصَامَ وَأَفْطَرَ ، وَقَامَ وَنَامَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُهَلَّبُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنْكِرُهُ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِفْطَارِهِ · ص 254 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم وإفطاره · ص 87 81 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قال : أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قال : أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا مِنْ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مطابقته للترجمة ظاهرة مثل ما تقدم في الحديث السابق ، ومحمد شيخه هو ابن سلام نص عليه الحافظ المزي في ( الأطراف ) ، وأبو خالد الأحمر هو سليمان بن حيان ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الصلاة . قوله ( أحب أن أراه ) كلمة أن مصدرية ، أي ما كنت أحب رؤيته من الشهر حال كونه صائما إلا رأيته . قوله ( ولا مفطرا ) أي : ولا كنت أحب أن أراه حال كونه مفطرا إلا رأيته . قوله ( ولا من الليل قائما ) أي : ولا كنت أحب أن أراه من الليل حال كونه قائما إلا رأيته ، وكذلك التقدير في قوله ( ولا نائما ) من النوم . قوله ( ولا مسست ) بسينين مهملتين ، أولاهما مكسورة ، وهي اللغة الفصيحة ، وحكى أبو عبيدة الفتح ، يقال : مسست الشيء أمسه مسا إذا لمسته بيدك ، ويقال : مست في مسست بحذف السين الأولى وتحويل كسرتها إلى الميم ، ومنهم من يقر فتحتها بحالها ، فيقول مست كما يقال : ظلت في ظللت . قوله ( خزة ) واحدة الخز ، وفي الأصل الخز بالفتح وتشديد الزاي ، اسم دابة ، ثم سمي الثوب المتخذ من وبره خزا ، والواحدة منه خزة ، وقال ابن الأثير : الخز المعروف أولا ثياب تنسج من صوف وإبريسم ، وهي مباحة ، وقد لبسها الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون ، ومنه النوع الآخر وهو المعروف الآن فهو حرام ؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم ، وهو المراد من الحديث : قوم يستحلون الخز والحرير . قوله ( ولا شممت ) بكسر الميم الأولى ، وقال أبو عبيدة : والفتح لغة . ذكر ما يستفاد منه : فيه استحباب التنفل بالليل . وفيه استحباب التنفل بالصوم في كل شهر ، وأن الصوم النفل مطلق لا يختص بزمان إلا ما نهي عنه . وفيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصم الدهر ، ولا قام الليل كله ، وإنما ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة ، وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى ، فصام وأفطر ، وأقام ونام ، وأما طيب رائحته فإنما طيبها الرب عز وجل لمباشرته الملائكة ولمناجاته لهم .