55 - بَاب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ 1975 - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَلَا تَفْعَلْ ، صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا ، فَإِذن ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ . فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً . قَالَ : فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ؟ قَالَ : نِصْفَ الدَّهْرِ . فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ : يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ ) أَيْ : عَلَى الْمُتَطَوِّعِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الْمَطْلُوبُ ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَيَخْتَصُّ بِمَا إِذَا خَافَ التَّلَفَ ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . قَوْلُهُ : ( أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى : فَقُلْتُ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَقُولُ : وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : يَا ابْنَ أَخِي ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا ، حَتَّى قُلْتُ : لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ وَلَأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُهَا ، فَسَأَلَهَا عَنْ بَعْلِهَا فَقَالَتْ : نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا ، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ . فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لِيَ الْفَتَى . فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، زَادَ النِّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ فَوَقَعَ عَلَيَّ أَبِي فَقَالَ : زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً فَعَضَلْتَهَا وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ . قَالَ : فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا كَانَتْ لِي مِنَ الْقُوَّةِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَلْقِنِي بِهِ ، فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَانِي وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْمِي ، فَدَخَلَ عَلَيَّ ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً وَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ ، فَإِمَّا أَرْسَلَ لِي وَإِمَّا لَقِيتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ عَمْرٌو تَوَجَّهَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَاهُ إِلَى بَيْتِهِ زِيَادَةً فِي التَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ : ( فَلَا تَفْعَلْ ) زَادَ بَعْدَ بَابَيْنِ : فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّةً وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ : وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لِعَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ لِزَوْرِكَ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ لِضَيْفِكَ ، وَالزَّوْرُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ ، كَصَوْمٍ فِي مَوْضِعِ صَائِمٍ ، وَنَوْمٍ فِي مَوْضِعِ نَائِمٍ ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى : زَوْرٌ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَوْرٌ جَمْعَ زَائِرٍ ، كَرَكْبٍ جَمْعِ رَاكِبٍ ، وَتَجْرٍ جَمْعِ تَاجِر ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ يَحْيَى : وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ يَحْيَى : وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ ، كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ بِحَسْبِكَ ) بِإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ : كَافِيكَ ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ : وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ . قَوْلُهُ : ( أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فِي كُلِّ شَهْرٍ . ( فَإِذَنْ ذَلِكَ ) هُوَ بِتَنْوِينِ إِذَنْ ، وَهِيَ الَّتِي يُجَابُ بِهَا إِنْ وَكَذَا لَوْ صَرِيحًا أَوْ تَقْدِيرًا ، وَ إِنْ هُنَا مُقَدَّرَةٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ صُمْتَهَا فَإِذَنْ ذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ ، وَرُوِيَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَهِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ ، وَفِي تَوْجِيهِهَا هُنَا تَكَلُّفٌ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً ، قَالَ : فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ حُسَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ : فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ : فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : خَمْسًا . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : سَبْعًا . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : تِسْعًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِحْدَى عَشْرَةَ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْوِتْرِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمُورِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : صُمْ يَوْمًا - يَعْنِي : مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ - وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ . قَالَ : إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : صُمْ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ . قَالَ : إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ . قَالَ : إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ . قَالَ : إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، ثُمَّ بِسِتَّةٍ ثُمَّ بِتِسْعَةٍ ، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، فَلَمَّا قَالَ : إِنَّهُ يُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زَادَهُ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ وَصَلَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ فَلَمْ يَزَلْ يُنَاقِصُنِي وَأُنَاقِصُهُ وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : صُمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ : صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ مَعَ قَوْلِهِ : صُمْ من كُلَّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ . . . إِلَخْ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعَمَلِ وَالنَّقْصَ مِنَ الْأَجْرِ ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّضْعِيفِ ، قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ أَيْ : مِنَ الْعَشَرَةِ ، وَقَوْلُهُ : صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ أَيْ : مِنَ الْعِشْرِينَ ، وَفِي الثَّلَاثَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِبْعَادُ كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّةِ الْأَجْرِ ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا اتَّحَدَ فِي كُلِّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَصُومَ جَمِيعَ الشَّهْرِ ، فَلَمَّا مَنَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ فِي أَجْرِ نِيَّتِهِ عَلَى حَالِهِ سَوَاءٌ صَامَ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَمَا تَأَوَّلَهُ فِي حَدِيثِ : نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ أَيْ : إِنَّ أَجْرَهُ فِي نِيَّتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ لِامْتِدَادِ نِيَّتِهِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِهِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ وَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا إِجْرَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ مِنَ الصَّوْمِ ازْدَادَ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَفْوِيتِ بَعْضِ الْأَجْرِ الْحَاصِلِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي قَدْ يُفَوِّتُهَا مَشَقَّةُ الصَّوْمِ فَيَنْقُصُ الْأَجْرُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ : صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ يَرُدُّ الْحَمْلَ الْأَوَّلَ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ - عَلَى سِيَاقِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ - أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : وَلَكَ أَجْرُ أَرْبَعِينَ ، وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِالشَّهْرِ ، وَالشَّهْرُ لَا يَكُونُ أَرْبَعِينَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ : صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ التِّسْعَةِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ : مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ الثَّمَانِيَّةِ ثُمَّ قَالَ : مِنْ كُلِّ ثَمَانِيَّةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ السَّبْعَةِ قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ : صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ : صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةٍ . قُلْتُ : زِدْنِي ، قَالَ : صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ ، قُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : صُمْ ثَلَاثَةً ، وَلَكَ أَجْرُ ثَمَانِيَّةٍ فَهَذَا يَدْفَعُ فِي صَدْرِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ ) أَيْ : عَلَى صَوْمِ دَاوُدَ ، زَادَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ قُلْتُ : قَدْ قَبِلْتُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ : يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِعَجْزِهِ ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِالْتِزَامِهِ لَهُ ، فَتَمَنَّى أَنْ لَوْ قَبِلَ الرُّخْصَةَ فَأَخَذَ بِالْأَخَفِّ . قُلْتُ : وَمَعَ عَجْزِهِ وَتَمَنِّيهِ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بِمَا الْتَزَمَهُ ، بَلْ صَارَ يَتَعَاطَى فِيهِ نَوْعَ تَخْفِيفٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ حِينَ ضَعُفَ وَكَبِرَ يَصُومُ تِلْكَ الْأَيَّامَ كَذَلِكَ ، يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ يُفْطِرُ بِعَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَيَقْوَى بِذَلِكَ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الرُّخْصَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَدَلَ بِهِ ، لَكِنّني فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ · ص 256 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حق الجسم في الصوم · ص 88 باب حق الجسم في الصوم أي هذا باب في بيان حق الجسم في الصوم على المتطوع ، وليس المراد بالحق هاهنا بمعنى الواجب بل المراد مراعاته والرفق به ، كما يقال : له حق الصحبة على فلان ، يعني مراعاته والتلطف به ، فالصائم المتطوع ينبغي أن يراعي جسمه بما يقيمه ويشده لئلا يضعف ، فيعجز عن أداء الفرائض ، وأما إذا خاف التلف على نفسه أو عضو من أعضائه التي يضره الجوع ، فحينئذ يتعين عليه أداء حقه حتى في الصوم الفرض أيضا. وقال بعضهم : المراد بالحق هنا المندوب ، قلت : لا يطلق على الحق مندوب ، وإنما المراد منه ما ذكرناه . 83 - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قال : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قال : أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ، فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلْ ، صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ ، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً ؟ قَالَ : فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ؟ قَالَ : نِصْفَ الدَّهْرِ ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ : يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . مطابقته للترجمة في قوله ( فإن لجسدك عليك حقا ) فالجسد والجسم واحد ، وابن مقاتل هو محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي المجاور بمكة ، وهو من أفراده ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو . قوله ( ألم أخبر ) الهمزة للاستفهام ، وأخبر على صيغة المجهول . قوله ( أنك تصوم النهار وتقوم الليل ) أي : في الليل ، وفي رواية مسلم من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى ، فقلت : بلى يا نبي الله ، ولم أرد بذلك إلا الخير . وفي الباب الذي يليه : أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أني أقول : والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت . وفي رواية النسائي من طريق محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة قال لي عبد الله بن عمرو : يا ابن أخي إني قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهادا شديدا حتى قلت : لأصومن الدهر ، ولأقرأن القرآن في كل ليلة . قوله ( فلا تفعل ) وزاد البخاري : فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين .. الحديث ، وقد مضى هذا في كتاب التهجد . قوله ( إن لعينك عليك حقا ) بالإفراد في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : لعينيك بالتثنية . قوله ( وإن بحسبك ) الباء فيه زائدة ، ومعناه أن أصوم الثلاثة الأيام من كل شهر كافيك ، ويأتي في الأدب من طريق حسين المعلم ، عن يحيى : إن من حسبك . قوله ( أن تصوم ) أن مصدرية ، أي : حسبك الصوم من كل شهر ، وفي رواية الكشميهني : في كل شهر ثلاثة أيام . قوله ( فإن لك ) ويروى : فإذا لك ، بالتنوين ، وهي التي يجاب بها أن ، وكذا لو صريحا أو تقديرا ، وإن هاهنا مقدرة ، تقديره : إن صمتها فإذا لك صوم الدهر . وروى بلا تنوين بلفظ إذا للمفاجأة ، قال بعضهم : وفي توجيهها هنا تكلف . قلت : لا تكلف أصلا ، ووجهه : أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة ، تقديره : إن صمت ثلاثة من كل شهر ، فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ الآية تقديره : ثم دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت . قوله ( فإن ذلك ) أي : المذكور من صوم كل شهر ثلاثة أيام . قوله ( فشددت ) أي : على نفسي . قوله ( فشدد علي ) على صيغة المجهول . قوله ( إني أجد قوة ) أي : على أكثر من ذلك . قوله ( قال : فصم ) أي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت تجد قوة فصم صيام نبي الله داود عليه السلام . قوله ( نصف الدهر ) أي : نصف صوم الدهر ، وهو أن تصوم يوما وتفطر يوما . قوله ( بعد ما كبر ) بكسر الباء ، يقال : كبر يكبر من باب علم يعلم هذا في السن ، وأما كبر بالضم بمعنى عظم ، فهو من باب حسن يحسن ، قال النووي : معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشق عليه فعله لعجزه ، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له ، فتمنى أن لو قبل الرخصة ، فأخذ بالأخف .